كتاب وشعراءمنوعات

البنية الفنية و الجمالية في رواية “حدث في الشمال” للكاتب و الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد بقلم: محمد وليد يوسف

‏‎ترتكز جمالية رواية حدث في الشمال على المزاوجة بين التوثيق التسجيلي والتدفق الحكائي ذي الطابع السيري ذاتي

‏‎يتوسل الكاتب ببنية روائية كلاسيكية متصاعدة زمنياً، لكنها محملة بشحنات عاطفية ولغوية تعكس خلفيته كشاعز. وفيما يلي تفكيك لعناصر هذه البنية:

أولاً – التقنيات السردية وصوت الراوي

١- السارد المشارك (الراوي المتكلم): اختار الكاتب تحريك الأحداث عبر صوت البطل “زهير” (ضمير المتكلم)
هذه التقنية الفنية تُكسب النص ميزتين؛ الأولى هي الحميمية العالية التي تجعل القارئ شريكاً في المعاناة، والثانية هي موثوقية الشهادة( ، فالأحداث تُروى من منظور الضحية والشاهد العيان الذي عاش تجربة الفقر والاضطهاد والنجاح بنفسه.

٢ – عتبات العناوين الفرعية: يتميز البناء الفني بكثرة العناوين الفرعية داخل الفصول (مثل: الهروب الأول، مشاجرة ثانية، ميول أدبية)
هذه التقنية تعمل “كلوحات مشهدية منفصلة-متصلة” تمنح القارئ محطات لالتقاط الأنفاس، وتساعد في تكثيف الحدث الدرامي دون ترهل سردي .

ثانياً – الحبكة والبناء الدرامي

١_ الخطية الزمنية الصاعدة: تسير الحبكة وفق زمن خطي كرونولوجي يبدأ من الطفولة الباكرة (الفصل الأول: الرحيل)، مروراً بالمراهقة القاسية (الفصل الثاني: شقاوة مبكرة)، وصولاً إلى النضج والوعي (الفصل الثالث: التحولات)
هذا البناء يخدم فكرة “رواية التكوين الفكري والنفسي” حيث يتتبع القارئ نمو وعي البطل خطوة بخطوة.

٢ – المفارقات الدرامية (التحولات):
تصنع الحبكة مفارقات فنية حادة؛ أبرزها تحول زهير من طفل يُظن أنه “بليد” في فضاء المدرسة، إلى الطالب الأكثر تفوقاً وبلاغة بفضل يد حانية (الأستاذ محمود) هذا الانتقال يمثل ذروة درامية تكسر رتابة القهر اليومي

ثالثاً – رسم الشخصيات وأبعادها

١ – الشخصيات النامية المدورة (زهير نموذجاً): “زهير” هو الشخصية المحورية التي تتطور بشكل ديناميكي؛ يتشكل وعيه تحت مطارق القسوة العائلية والظروف الطبقية والسياسية، فينتقل من الانكفاء والخوف إلى التمرد والمواجهة الفكرية.

٢- الشخصيات الثابتة الثنائية (الأب نموذجاً): يُرسم الأب بملامح حادة وثابتة لا تتغير (الصرامة، العنف، الترهيب)، وهو يمثل فنيّاً “العقبة الجدارية” التي يتوجب على البطل الارتطام بها أو تجاوزها لتأكيد ذاته .

٣ – الشخصيات الموازية والمحفزة: يبرز “هورو” كشخصية موازية وصديق طفولة يشارك المشقة الفردية بينما يعمل “صلاح” “كمفجّر سردي” ينقل البطل من الهم اليومي المعاش إلى الهم المعرفي والقومي الممنوع.
‏‎
رابعاً – الفضاء الروائي (الزمن والمكان)

١ – جغرافيا المكان السيكولوجية: يتنقل المكان بين قرى عفرين (فضاء الفطرة والحرية الأولى والقرية الرمزية) وأزقة حلب (حي الشيخ مقصود والأشرفية) .
المكان في الرواية ليس خلفية جامدة، بل هو عنصر ضاغط؛ فورش الأحذية المليئة بالروائح الكيماوية والمقاهي تُطرح كأماكن “مستنزِفة للطفولة”.
في المقابل، يبرز “منزل الأستاذ محمود” أو “الغرفة السرية للقراءة” كفضاءات آمنة تولد فيها الحرية.

٢ – الزمن الضاغط وثنائية (النهار/الليل): يتحرك الزمن بين نهارات العمل الشاق المنهك للمراهق، ومساءات القراءة والمذاكرة تحت الضوء الخافت المهرب، مما يخلق إيقاعاً فنيّاً يجسد الصراع بين واقع الضحية وطموحها.
‏‎
خامساً – اللغة والأسلوب

١ – الواقعية التسجيلية بلغة مباشرة: يبتعد الكاتب عن التقعير اللفظي، ويميل إلى لغة واقعية واضحة ومباشرة تناسب طبيعة “الشهادة والسيرة”.
الحوارات بين الشخصيات جاءت طبيعية تعكس مستواهم الاجتماعي والثقافي (العمال، الطلاب، رجال الأمن).

٢ – شعرية الوجع والخواطر: رغم واقعية النص، تقتحم لغة الشاعر (زكريا شيخ أحمد) السرد في مواضع التأمل والخواطر الداخلية المكتوبة في الدفاتر
تتجلى هذه الجمالية في توصيف البطل لاغترابه اللغوي وصمته، أو انكساره أمام المآسي الجماعية (الأنفال وحلبجة)، مما يضفي بعداً وجدانياً يكسر جفاف التوثيق التسجيلي.

‏‎بهذا نكون قد أنهينا الدراسة الأولى حول البنية الفنية والجمالية للرواية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى