تقارير وتحقيقات

كيف تقرأ إسرائيل خرائط “توحيد ليبيا” بمنظار التطبيع؟ ولماذا يشغلها الدور المصري من المنظور الأمني؟

كتب:هاني الكنيسي
مشروع “إعادة توحيد ليبيا” أو صفقة “تقاسم السلطة” هي أبرز الأسماء المتداولة في الإشارة للمبادرة أو المخطط الذي طرحه المبعوث الأمريكي ‘مسعد بولس’ (مستشار الرئيس ترمب وصهره)، والذي دُعي اللواء صدام حفتر (نجل القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر ونائبه في قيادة القوات المسلحة ببنغازي) إلى مقر الخارجية الأمريكية الشهر الماضي للاجتماع مع الوزير ‘ماركو روبيو’.
واستنادًا للبنود المسرّبة من مسودة المشروع، تداول الإعلام الغربي في الأسابيع الأخيرة تقارير عن “توليفة عائلية انتقالية”، تتمثل في تقاسم القيادة التنفيذية للدولة بين عبد الحميد الدبيبة (رئيس الوزراء الحالي في طرابلس -المدعوم أمريكيًا وتركيًا) كرئيس حكومة، وصدام حفتر (المدعوم مصريًا وإماراتيًا) كرئيس للمجلس الرئاسي.
لكن يبدو أن هذا المشروع أو المخطط الذي يواجه مقاومة علنية بلغت التلويح باستخدام القوة من قِبل معظم الميليشيات والعشائر في الغرب الليبي، قد خرج من دوائر الهندسة السياسية (الداخلية والخارجية)، إلي آفاق أوسع تتقاطع فيها ليس فقط حسابات واشنطن وطرابلس وبنغازي والقاهرة وحتى أنقرة، بل تطلّ إسرائيل من بين شقوقها، كـ”مراقب قلق” على حد التعبير الذي استخدمته منصة ‘ ناتسيف نت’ Natsiv Net العبرية.
فتحت عنوان “القاهرة تعيد رسم خريطة التحالفات الأمنية في ليبيا”، نشر الموقع الإسرائيلي (الاستخباراتي) تقريرًا مطولًا اليوم، يتناول بالتحليل أبعاد وخلفيات التحركات المصرية المكثفة على المسرح الليبي، والتي “تهدف إلى فرض نظام أمني يخدم مصالح القاهرة الاستراتيجية” حسب تعبير كاتبه.
كما يرصد التقرير العبري بالتفاصيل مؤشرات التعاون الاستخباري والأمني بين القاهرة وكل من طرابلس وبنغازي، ويستعرض اجتماعات رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد مع القيادات السياسية والعسكرية في شرق ليبيا وغربها (بدايةً من الدبيبة ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي في طرابلس، إلى خليفة حفتر في بنغازي)، والتي تركز -بحسب ‘ناتسيف نت’- على آليات مراقبة وتأمين الحدود البرية المشتركة بطول 1115 كلم، ومواجهة الجماعات الجهادية المسلحة (خلايا داعش والقاعدة)، وتشغيل غرف عمليات مشتركة، وملاحقة شبكات التهريب والهجرة غير القانونية، باعتبار أن “الاستقرار في ليبيا هو قضية أمن قومي مباشر لمصر على حدودها الغربية”.
بالتوازي، ووفق ما ورد في مجلة ‘إل فوليو’ الإيطالية، بعنوان “La Libia fa esperimenti di unificazione. Il primo è su Israele، فإن أول “اختبار” في مسار إعادة توحيد ليبيا، لا يتعلق فقط بتقاسم السلطة أو توزيع الأدوار والثروات، بل أيضا بنصيب إسرائيل من الترتيبات!!
المقال الذي نشره الصحافي الاستقصائي ‘لوكا غامباردِلا’ Gambardella هذا الشهر، يسلط الضوء على زاوية مثيرة، مفادها أن القلق في طرابلس من تصعيد صدام حفتر إلى موقع رئاسي، منبغعه الخشية من أن يقود هذا المسار إلى التطبيع مع إسرائيل، استنادًا لخلفيات “واقعية”.
فبرغم أن القانون الليبي لعام 1957 الذي يحظر العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ما زال ساريًا “رسميًا”، يشير الكاتب إلى صورة نشرها موقع Geopolitical Desk البريطاني، تجمع بين رئيس جهاز الاستخبارات في طرابلس عبد المجيد مليقطة (المقرب من الجنرال حفتر، والذي عُيّن مؤخراً رئيساً لجهاز المخابرات العامة خلفًا للواء حسين العايب الذي أقيل في يونيو الماضي) والسفير الإسرائيلي ‘ليور بن دور Lior Ben Dor في باريس، خلال لقاء خاص يوم 3 يوليو 2023.
هذا الخيط لا ينفصل عن المفاجأة التي كشفتها الخارجية الإسرائيلية -في العام ذاته- عن لقاء سري جرى في روما، بين وزيرها ‘إيلي كوهين’ Eli Cohen ووزيرة الخارجية الليبية -آنذاك- نجلاء المنقوش (أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية والتعاون الدولي في تاريخ ليبيا)، وهو اللقاء الذي سارعت تل أبيب لاستثماره سياسيًا ووصفته بأنه “أول خطوة نحو التطبيع”، قبل أن يتصاعد الغضب في الداخل الليبي ويسفر عن إقالة المنقوش.
وفي ضوء هذه الخلفية، جددت الصور المسرّبة من اللقاء السري الأخير في باريس الشكوك التي حامت منذ سنوات حول علاقة صدام حفتر نفسه بتل آبيب. فيذكّر مقال ‘إل فوليو’ بسابقتين؛ أولاهما في منتصف عام 2021 حين رصد الإعلام العبري هبوط طائرة الجنرال الليبي في مطار ‘بن غوريون’، حيث التقى -بحسب صحيفة ‘هآرتس’- عملاء من الموساد. والثانية، في أكتوبر من العام ذاته، عندما نشرت صحيفة ‘يسرائيل هيوم’ خبر توقيع اتفاق بين آل حفتر وشركة إسرائيلية للاتصالات (بوساطة إماراتية)، بقيمة عشرات ملايين الدولارات (وهي شائعات لم ينفها حفتر قط).
وهذا ما قد يفسّر حساسية بعض الدوائر الليبية تجاه شخصية حفتر وقراءة ترتيبات تصدره لمشروع “التوحيد” الأمريكي في سياق الاستعداد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل – على الطريقة الإبراهيمية.
المفارقة أن إسرائيل لا تنظر إلى ليبيا فقط من زاوية التطبيع “السياسية أو الدبلوماسية”، بل من منظور استراتيجي أمني أوسع يتجلى في “مراقبة” الحركة المصرية النشطة على الساحة الليبية (سياسيًا واستخباراتيًا وعسكريًا)، وتقييم حدود المساعي المصرية لإعادة تركيب المشهد الليبي بحيث لا يتحول “الفراغ السياسي والشقاق الديموغرافي” إلى بيئة مفتوحة للفوضى تهدد أمنها القومي.
لكن البعد الأعمق، حسب الرؤية الإسرائيلية، أن القاهرة لم تعد تكتفي بدعم معسكر الشرق (أي حفتر في بنغازي) كما فعلت في سنوات سابقة، بل تسعى إلى لعب دور “الوسيط المرن” بين الشرق والغرب الليبيين، مستفيدةً من هامش المناورة التي تركته لها واشنطن ومن التقارب الأخير مع تركيا.
ومن هنا تتقاطع الملفات وتتشابك المصالح على الخريطة الليبية: واشنطن تريد توحيدًا “سياسيًا” بين مؤسسات الدولة، يضمن الاستقرار نظريًا، ويتيح لها عمليًا الاغتراف بحرية من كنوز النفط الليبي. والقاهرة تريد حدودًا جغرافية آمنة ونفوذًا “أمنيا” يحميها من غدر الجماعات الإسلامية والميليشيات المتطرفة. وأنقرة تترقب عن بعد ثمار إعادة توزيع الثروة النفطية ما دامت المعادلة الجديدة لن تستبعد حليفها في طرابلس ولن تنتقص من حرية نشاطها في شرق البحر المتوسط. فيما تتحرك بنغازي وطرابلس داخل شبكة معقدة من المصالح والأهداف المتعارضة.
أما إسرائيل فتتظاهر بـ”القلق” مكتفيةً بـ”مراقبة ما يجري عن كثب”، بينما تستعد في خلفية المشهد للوثوب في اللحظة المناسبة -تحت الغطاء الأمريكي الترمبي- لجني المكاسب الأهم (كما اعتادت دائما) من إعادة ترسيم الشرق الأوسط الجديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى