تقارير وتحقيقات

“الثغرة” التي قتلت خامنئي، و”عقيدة” الحرب الإيرانية .. في شهادة عراقجي

كتب :هاني الكنيسي
على مدى الأشهر الماضية، لم تتوقف الصحف العبرية عن نشر ما وصفته بـ”الرواية الداخلية” لنجاح العملية التي غيّرت وجه النظام الإيراني. إذ تناقلت “تسريبات” منسوبة لقيادات في ‘الموساد’ عن “اختراقات استخباراتية” داخل إيران، مكّنت إسرائيل من بناء “بنك أهداف” بالغ الدقة شمل كبار القادة العسكريين والأمنيين. كما تناولت تقارير غربية وإسرائيلية -بكثير من المباهاة- الدور الحاسم الذي لعبته منظومات الاستطلاع والأقمار الصناعية في توفير إحداثيات وصور آنية خلال الضربة الافتتاحية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة على إيران نهاية فبراير الماضي، التي انتهت باغتيال المرشد الأعلى ‘علي خامنئي’ مع بعض أفراد عائلته، وعدد من أبرز أركان النظام الإيراني.
وأمام هذا السيل من المزاعم والتقارير، التزم المسؤولون الإيرانيون ما يشبه “الصمت الاستراتيجي” في التعليق على ما حدث بالضبط خلال تلك الضربة الدامية أو ما أدى إلى وقوعها بهذا الشكل “الصادم” للقريب قبل الغريب.
إلا أن وزير الخارجية ‘عباس عراقجي’ قرر أن يكسر هذا الصمت، ليعترف علنًا (للمرة الأولى) بأن إسرائيل والولايات المتحدة لم تعتمدا على التكنولوجيا وحدها في عملية اغتيال المرشد، بل امتلكتا معلومات دقيقة عن مواقيت اجتماعات القيادة العليا ومواقعها، مشيرًا إلى وجود “ثغرة أمنية” داخل بنية النظام “لا تزال قائمة”، رغم جهود سدّها التي قطعت شوطًا ملموسًا في الفترة الأخيرة.
ففي مقابلة مع المخرج والإعلامي الإيراني ‘جواد موغوي’، في برنامجه التوثيقي “ماجرای جنگ 2” (قصة الحرب 2) الذي يبثّه عبر منصة “ماجرا ميديا”، قال ‘عراقجي’ إن ما حدث صبيحة 28 فبراير “لا يمكن تفسيره إلا بوجود اختراق استخباراتي داخلي بالغ الخطورة”، بعدما استهدفت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية في ذلك اليوم اجتماعات أمنية رفيعة المستوى كانت تُعقد في توقيت متزامن داخل مبنى وزارة الاستخبارات، والمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، ومجلس الدفاع.
وفي ثنايا شهادته، يذكر وزير الخارجية الإيراني أنه كان مجتمعًا مع ‘علي أصغر حجازي’ نائب رئيس مكتب المرشد الأعلى، عندما بدأت الضربات الدقيقة تتوالى على المجمع القيادي في قلب طهران، ويتابع: “ما يهمني هو أن إسرائيل كانت تمتلك معلومات عن هذه الاجتماعات. وهذا قد يشير إلى وجود اختراق أمني لا يزال قائمًا حتى الآن، ويجب إصلاحه.”
ويروي ‘عراقجي’ تفاصيل اللحظات التي سبقت نجاته من القصف، قائلاً إن “الانفجارات المتتالية أدت إلى انهيار أجزاء واسعة من المبنى على رؤوس من بداخله”. ثم يضيف بحزن واضح، وكأنه يسترجع شريط ذكريات مؤلم: “كنا في الجهة الأخرى من المبنى، وبعد الانفجار انهار السقف والجدران وكل شيء فوقنا. أمسكت بيد السيد حجازي، وبدأنا نشق طريقنا بين العوارض الخشبية والركام، بينما كنا نسمع صرخات الاستغاثة من حولنا. كانت المياه تتدفق من السقف، وكل شيء كان مدمرًا. وبعد أن خرجنا رأيت أن أجزاء مختلفة من المجمع قُصفت ودُمّرت”.
ويستطرد متذكرًا كيف أن سيارته الرسمية دُمِّرت بالكامل خلال القصف، قبل أن يبادر أحد المارة إلى نقله بسيارة مدنية إلى مقر الخارجية.
شهادة وزير الخارجية الإيراني في المقابلة الصحفية المصوّرة، لم تقتصر على سرد تفاصيل الهجوم الذي قتل المرشد علي خامنئي وخيرة قادته، بل رسمت صورة “غير مسبوقة من الجانب الإيراني” عن حالة الارتباك التي عاشتها مؤسسات الدولة خلال الأيام الأولى للحرب، كاشفًا أن شبكات الاتصال الحكومية تعرضت لانقطاع كامل دام ثلاثة أيام، إلا أن القيادة تمكنت -بحسب قوله- من مواصلة إدارة الدولة “عبر خطط طوارئ أُعدت مسبقًا”.
ومن بين أكثر ما كشفه ‘عراقجي’ إثارةً، معلومة وجود “بروتوكول سري” لدى قيادات النظام يحمل اسم “الكود 110″، في إشارة إلى المادة 110 من الدستور الإيراني التي تحدد صلاحيات المرشد الأعلى. ووفقًا لذلك البرتوكول، كانت الخطة تقضي بإغلاق مضيق هرمز فور تأكيد مقتل علي خامنئي، بما يعكس المكانة المحورية للمرشد في منظومة صنع القرار، والاستعداد المسبق للانتقال إلى مرحلة تصعيد إقليمي واسع إذا تعرض رأس النظام للتصفية.
كما تعرّض وزير الخارجية الإيراني في حديثه لبرنامج ” قصة الحرب 2″، لعملية انتقال السلطة بسلاسة عقب اغتيال علي خامنئي، مؤكدًا أن تعيين نجله ‘مجتبى’ مرشدًا أعلى جديدًا حمل رسالة سياسية واضحة، قائلًا: “الانتقال السريع بعث برسالة مهمة جدًا إلى العالم مفادها أنه لن يكون هناك أي تغيير في سياسات النظام أو مبادئه تحت وطأة الحرب”. (لكنه اعترف أيضا بأنه لم يتمكن إلى اليوم من مقابلة المرشد الجديد).
وفي جزء لافت من شهادته، يكشف ‘عراقجي’ أنه نلقى اتصالًا “عجيبًا” في اليوم الثالث من الحرب، من وزير خارجية إحدى دول المنطقة، يخبره فيه بأنه “بعد بضع ساعات، سنقوم بضرب منطقة معينة في بلدكم رداً على الهجمات التي استهدفت أراضينا، ولكننا لن نواصل ذلك، وأنتم أيضاً لا يجب أن تستمروا.”، فكانت إجابة الوزير الإيراني: “سنرد أيضاً، وستبدأ حرب بيننا”.
وفي جزء آخر من المقابلة، كشف ‘عراقجي’ عن “اتصالات إقليمية” سبقت اندلاع الحرب، موضحًا أن طهران وجهت “رسائل تحذير” إلى عدد من العواصم، من بينها أنقرة، وأن وزير الخارجية التركي ‘هاكان فيدان’ شخصيًا وجّه للمسؤولين الأمريكيين “اعتراضًا على مقترح طُرح داخل البيت الأبيض بتشجيع انتفاضة كردية تنطلق من شمال العراق باتجاه الأراضي الإيرانية”، وهي رواية لم تؤكدها واشنطن رسميًا حتى الآن (رغم أن بعض التقارير الصحفية السابقة في ‘وول ستريت جورنال’ وموقع ‘أكسيوس’ أشارت لقصة مماثلة).
وفي سياق آخر، أكد ‘عراقجي’ أن الحرب هي التي دفعت إيران إلى “تسريع تطوير قدراتها الصاروخية”، موضحًا أن الضربات الإسرائيلية المكثفة التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025 كانت المحفّز للجيش على “إعادة هيكلة منظوماته العملياتية، بحيث انخفض زمن إعادة تشغيل بعض المنشآت العسكرية من نحو 15 ساعة إلى 40 دقيقة فقط”.
أما دبلوماسيًا، فأكد وزير الخارجية الإيراني -خلال المقابلة- أن طهران حاولت بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع ترمب -وحتى اللحظات الأخيرة- تجنب المواجهة العسكرية مع واشنطن، فيقول “قدمنا خلال المفاوضات التي جرت في جنيف مقترحًا جديدًا بالغ المرونة بشأن الملف النووي، إلا أن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أبلغني في اليوم التالي بأن الموقف الأمريكي تبدل بصورة مفاجئة وأصبح أكثر تشددًا”!!
ورغم تشاؤمه من فرص نجاح التفاوض، دافع ممثل الدبلوماسية الإيرانية عن قرار المشاركة في المفاوضات مع الأمريكيين، قائلاً: “على الأقل، لن يستطيع أحد أن يدّعي أن الخطأ كان من جانبنا”.
واختتم وزير الخارجية الإيراني حديثه -أو اعترافاته المثيرة- بجملة تلخص “العقيدة” التي يقول إنها تحكم قرار الحرب في طهران: “نحن لا نقاتل إلا عندما تصبح كلفة تجنب الحرب أعلى من تكلفة خوضها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى