رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :ناصر.. حكاية الزعيم الذي أعاد مصر للمصريين وصاغ كرامة العالم الثالث

ولد من رحم المعاناة ليكون صوتاً للمعدمين، ولم يكن مجرد رئيس حكم مصر، بل كان حالة ثورية فريدة غيّرت وجه التاريخ العربي والعالمي في القرن العشرين.
في سن الرابعة والثلاثين (34 عاماً)، قاد الشاب جمال عبد الناصر تنظيم “الضباط الأحرار” ليعلن في 23 يوليو 1952 نهاية عصر التبعية وبداية عصر الكرامة.
أول حاكم مصري وصناعة الهوية
أنهت ثورة يوليو الحكم الملكي وحاشيته، وأعلنت مصر جمهورية مستقلة في 18 يونيو 1953. وبخطوة تاريخية غير مسبوقة، أصبح عبد الناصر أول حاكم من أصل مصري خالص (ابن صعيد مصر) يتولى حكم البلاد منذ نهاية العصور الفرعونية،
ليعيد الأرض لأصحابها الحقيقيين عبر قوانين الإصلاح الزراعي (سبتمبر 1952) التي انتزعت الأراضي من الإقطاعيين ووزعتها على الفلاحين الأجراء، محققةً أكبر حراك واعتدال اجتماعي في تاريخ مصر الحديث.
معارك السيادة: تكسير القيود وتأميم المقدرات
لم يقبل عبد الناصر بالتبعية؛ فحينما حاولت القوى الغربية فرض شروطها لتسليح الجيش، التفت عليها وكسر احتكار السلاح في الشرق الأوسط بعقد “صفقة السلاح التشكية” عام 1955 برعاية سوفيتية.
وعندما سحبت أمريكا والغرب تمويل السد العالي، رد بجرأة تاريخية في 26 يوليو 1956 بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية.
ورغم الهجوم العسكري الغادر في “العدوان الثلاثي”، انتصرت مصر سياسياً بفضل صمود شعبها وبسالة جيشها، ليخرج ناصر بطلاً أسطورياً تعشقه شعوب العالم الثالث.
وتلا ذلك معركة “التمصير” عام 1957 التي أعادت البنوك، والشركات، والمصالح الأجنبية إلى الإدارة والملكية المصرية بالكامل.
قلعة الصناعة ومعجزة السد العالي
تحولت مصر في عهده إلى ورشة عمل لا تهدأ، وشهدت طفرة صناعية كبرى بتأسيس قاعدة إنتاجية صلبة ضمت مئات المصانع (والتي تُقدر تاريخياً بنحو 1200 مصنع) ركزت على الصناعات الثقيلة والاستراتيجية مثل مجمع الحديد والصلب بحلوان، ومصانع الألومنيوم بنجع حمادي، وصناعات الغزل والنسيج بالمحلة، محققةً الاكتفاء الذاتي وموفرةً ملايين فرص العمل.
وعلى ضفاف النيل، شيد ناصر “السد العالي”، أعظم مشروع هندسي وتنموي في القرن العشرين باعتراف المعاهد الدولية، وهو المشروع العملاق الذي يعادل حجمه البنائي 17 ضعفاً لحجم هرم خوفو الأكبر، وحمى مصر من كوارث الجفاف والفيضان، ومدّ البلاد بطاقة كهربائية هائلة بلغت 2100 ميجاوات أضاءت قرى الريف وشغّلت قلاع الصناعة.
نصير المظلومين وقائد العالم الثالث
امتدت يد ناصر البيضاء لتدعم حركات التحرر؛ فاحتضنت القاهرة الثورة الجزائرية بالمال، والسلاح، والدبلوماسية لمدة 8 سنوات حتى نالت استقلالها عام 1962.
وحارب الأحلاف الاستعمارية مثل حلف بغداد حتى أسقطه، ورفض الحياد السلبي ليصبح أحد الأقطاب الثلاثة الكبار (برفقة نهرو وتيتو) الذين أسسوا “حركة عدم الانحياز” عام 1961 ليصنعوا خطاً عالمياً ثالثاً يرفض التبعية للمعسكرين الشرقي أو الغربي.
وعندما استنجد به الأشقاء في اليمن لحماية ثورتهم الوليدة عام 1962، أرسل الجيش المصري ليثبّت أركان النظام الجمهوري ويهزم قوى الرجعية.
مجانية التعليم وتأسيس النهضة العلمية
أدرك عبد الناصر أن السلاح الحقيقي هو الوعي؛ فأقر مجانية التعليم الكاملة في كافة مراحله. وبفضل هذه الخطوة، انخفضت نسبة الأمية في مصر من نحو 80% قبل الثورة إلى حوالي 50% عام 1970.
هذه المدارس والجامعات الحكومية المجانية هي التي فتحت أبوابها لأبناء الفلاحين والفقراء، وأنجبت لمصر والعالم عمالقة العلم مثل أحمد زويل، مجدي يعقوب، يحيى المشد، مصطفى السيد، وسعيد بدير.
كما دخلت المياه النظيفة والكهرباء والوحدات الصحية والجمعيات الزراعية لكل قرى مصر، وتأسست منظومة التأمين الصحي والمعاشات لتكفل كرامة المواطن.
ا
لشجاعة في المواجهة وبناء حائط الصواريخ
تجلت عظمة ناصر الإنسانية والسياسية بعد نكسة 5 يونيو 1967؛ فلم يهرب ولم يتنصل، بل خرج بشجاعة وشرف أمام العالم ليتحمل المسؤولية كاملة ويقدم استقالته.
لكن الشعب المصري والعربي، الذي عاشره ووثق به على مدار 15 عاماً، خرج بالملايين في 9 و10 يونيو يرفض التنحي ويطالبه بالبقاء وقيادة معركة الكرامة.
استجاب ناصر للمطلب الشعبي، ورفع شعار “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، وقاد “حرب الاستنزاف” الباسلة على مدار 3 سنوات أوجعت العمق الإسرائيلي.
وفي تلك الفترة، حقق المعجزة العسكرية ببناء “حائط الصواريخ” للدفاع الجوي على جبهة القناة. وخلال “أسبوع تساقط الفانتوم” في صيف 1970، تحطمت أسطورة التفوق الجوي الإسرائيلي، وبات هذا الحائط هو المظلة الحديدية التي حمت القوات المسلحة،
ولولاه ما كان عبور أكتوبر العظيم عام 1973 ممكناً.
الاقتصاد والرحيل المشرف
رحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، وترك خلفه اقتصاداً قوياً كان ناتجه المحلي الإجمالي (حوالي 8.3 مليار دولار) يتنافس بقوة ويتساوى مع اقتصاد كوريا الجنوبية في ذلك الوقت.
رحل والجنيه الذهب يساوى نحو 4 جنيهات مصرية،
وكان السعر الرسمي للجنيه راسخاً وقوياً يعادل 2.3 دولار أمريكي.
ولم تكن ديون مصر الخارجية تتعدى حاجز 2 مليار دولار، وهي ديون شريفة كُتبت بثمن السلاح لإعادة بناء الجيش وقروض السد العالي.
مات عبد الناصر وهو يقاتل في خندق الدفاع عن قضايا أمته، وكانت آخر مواجهاته إيقاف نزيف الدم العربي في أزمة أيلول الأسود.
وفي مشهد جنائزي تاريخي، خرج من 5 إلى 7 ملايين مشيع في شوارع القاهرة، في أكبر جنازة شعبية عرفها التاريخ الحديث، يبكون الأب، والزعيم، والقائد، ويرددون بقلوب مكلومة: “الوداع يا جمال يا حبيب الملايين”.لقد رحل جسداً، لكنه بقي في وجدان كل فلاح تعلم، وكل عامل تملك صوته، وكل مواطن عربي وعالمي يرفع رأسه حراً يرفض الاستعمار والتبعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى