
تصريحات دونالد ترامب الأخيرة، التي قال فيها إنه يدرس “هجومًا هائلًا على إيران”، وإن إسرائيل ستنضم في دقيقتين إذا طلبت منهم، لكننا لا نحتاج إلى أحد، تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب لهجتها التصعيدية، وإنما بسبب ما تكشفه من طريقة إدارة الولايات المتحدة للصراع في الشرق الأوسط.
من وجهة نظري، يبدو أن واشنطن تدير هذا الصراع وفق منطق تراكمي وليس نية معلنة،كل قرار عسكري أمريكي في العقدين الأخيرين، من العراق إلى سوريا إلى غزة، سار على نفس النمط الدعم السياسي والاستخباراتي والعسكري لإسرائيل يبقى مضمونًا، بينما ينحصر الانخراط الأمريكي المباشر كلما ارتفع احتمال أن يطال الرد الأراضي الأمريكية نفسها أو قواتها هذا لا يعني بالضرورة خطة مكتوبة في
البيت الأبيض، بل نتيجة بنيوية لتحالف تُحكمه اعتبارات
الرأي العام الأمريكي (تجنب الخسائر البشرية المباشرة) وثقل اللوبي المؤيد لإسرائيل في القرار السياسي.
والنتيجة العملية واحدة سواء كانت مقصودة أم لا من يخوض الحرب ليس بالضرورة من يدفع ثمنها الأعلى.
السؤال هنا من يتحمل كلفة هذه المواجهة؟
تحول القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج إلى أهداف، و تعطل حركة الملاحة والطاقة، دول الخليج اصبحت في قلب الأزمة، رغم أنها ليست الطرف المباشر في الصراع بين واشنطن وطهران.
وهنا اصبح الحديث عن “الحرب الأمريكية على إيران” غير دقيق،لأن آثارها الأمنية والاقتصادية تطال المنطقة العربية بأكملها.
هذا لا يعني أن دول الخليج مجرد ضحية بلا إرادة، فلكل دولة حساباتها وتحالفاتها ومصالحها الأمنية،
أما إسرائيل، فتبدو المستفيد الأكبر من هذا النمط لأسباب لا تتعلق بالصدفة السياسية فهي الطرف الوحيد في المعادلة الذي يحظى بضمان أمريكي شبه تلقائي عسكريًا عبر منظومات الدفاع الجوي والإمداد بالسلاح، واستخباراتيًا عبر تبادل المعلومات، وسياسيًا عبر الفيتو في مجلس الأمن كلما تطلب الأمر.
هذا الضمان لا يُمنح بالقدر نفسه لأي طرف عربي، مهما بلغ حجم تحالفه مع واشنطن. والنتيجة أن إسرائيل تحقق أهدافها السياسية والعسكرية في مواجهة إيران، بينما تتحمل أطراف أخرى أعباء التصعيد الميداني والاقتصادي دون أن تملك نفس شبكة الحماية.
لهذا، فإن القضية ليست في الثقة بترامب أو بغيره من الرؤساء الأمريكيين، بل في فهم طبيعة السياسة الأمريكية نفسها.
فالولايات المتحدة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، تتحرك وفق حسابات المصلحة القومية الأمريكية أولًا، ثم مصالح حلفائها عندما تتوافق مع تلك المصلحة.ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل نثق في ترامب؟
بل هل تمتلك الدول العربية استراتيجية مستقلة تحمي مصالحها عندما تتعارض مع أولويات القوى الكبرى؟ فالدول التي تبني أمنها بالكامل على وعود الآخرين، تجد نفسها غالبًا تدفع فاتورة صراعات لم تبدأها، ولا تستطيع التحكم في نهايتها.
ومجرد خاطر عابر: في لندن هذه الأيام، يسألون نفس الأسئلة التي نسألها هنا، لكن ببرود من لا يدفع الفاتورة.