رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:نزلاء متحف الايديولوجيا

ـــــــــــــ «إن المجتمع الذي يفشل في احترام كرامة الإنسان، سيفشل في كل شيء آخر» الروائي الروسي لكسندر سولجنيتسين، نوبل، مؤلف رواية: أرخبيل غولاغ، التي هزت عرش الاتحاد السوفيتي.
من غير الممكن بناء ذاكرة نظيفة حقيقية على تاريخ مزور كتاريخ العراق الحديث الذي تتراكم فيها الأحداث عشوائيا كمخزن للأثاث القديم والعفن ويصح عليه مفهوم” العقل الأسير” أو “العقل المعتقل” للشاعر والكاتب البولندي تشيسواف ميئوش (Czesław Miłosz)، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1980 الصادر عام 1953 على العقل العراقي الايديولوجي حيث يؤكد الكاتب ان:
“الاستسلام الايديولوجي لا يحدث تحت تهديد السلاح أو الخوف بل الحاجة الى اليقين المطلق الذي يفسر كل شيء” وفي الحقيقة لا يفسر شيئا سوى الاوهام المعقلنة في صيغ متينة.
من يقرأ مرويات الأحزاب المزيفة وتفسيرها لتاريخ الأمس القريب،سيعثر على ثنائية غريبة: هناك دائماً ملائكة في مواجهة شياطين وضحايا في مواجهة جلادين،
مع ان التاريخ الحقيقي المسكوت عنه عن هؤلاء جميعاً يقول إن جميع الأحزاب مارست العنف والقتل والاغتيال والاقصاء والنبذ والتصفيات الجسدية والأخلاقية ضد الآخر المختلف سواء مع الاحزاب الاخرى أو من داخل الحزب الواحد بتهم العمالة أو الانحراف او الوصم الاخلاقي المبتذل .
وقد يكون البعض على وعي بهذه الازدواجية لكن مع مرور الوقت، يتلاشى الحد الفاصل بين “الادعاء الخارجي” و”الإيمان الداخلي”، ليمارس العقل التبرير الذاتي ويقتنع في النهاية بما كان يتظاهر به وكما يؤكد مؤلف” العقل الأسير” ان هذا العقل ميؤوس منه لانه فقدان الإنسان لاستقلاليته الفكرية وتسليم عقله للشرعيات الأيديولوجية والسلطوية” وعلى ذلك يحاول كتابة وتفسير الحاضر والتاريخ من منطقة العطب.
كمثال يحاول الكوردي السياسي طرح نفسه كضحية للعربي وهي مغالطة شنيعة لأن العربي العراقي نفسه مارس العنف ضد العربي
المختلف معه في العقيدة بل وحتى العنف داخل رفاق العقيدة الواحدة، وتقاتل الكردي مع الكردي والمفارقة أن صدام حسين هب لنجدة مسعود البرزاني عام 1996 وأنقذه من غريمه الطالباني في تشابك سريالي لا يحدث إلا في عراق الغرائب والعجائب.
ينسى السياسي الكوردي أنه هو نفسه مارس القتل بل المذابح ضد جنود أسرى وطيارين في السجون وأشهر الحوادث:1: إعدام الجنود والطيارين الأسرى عام 1975 بعد نهاية الحركة في سجون كلالة وقضاء جومان ورايات وتلك المذابح موثقة في مراكز ابحاث وسجلات وزارة الدفاع وفي مذكرات الضباط ،
ويمكن قراءة كتاب الفريق الركن رعد الحمداني” قبل أن يغادرنا التاريخ” عن قتل الجنود والطيارين الأسرى نهاية الحركة والهروب الى ايران وشاهدت المذبحة بنفسي في سجن قضاء جومان مع الحمداني يوم كان برتبة ملازم وآمر رعيل دبابات.
الحمداني قائد الفيلق الثاني الاخير في قوات الحرس الجمهوري ومن الضباط المحترمين الذين يملكون رؤية استراتيجية نادرة ومثقف يستحق الاحترام والاصغاء وحالة استثنائية من جنرلات صدم حسين الادوات.
2: إعدام الجنود الأسرى في آذار 1991 في السليمانية وقد وثقها مصور ألماني وأصدر كتابا بعنوان” جريمة حرب” من الأسر الى الاعدام وعددهم 130 وهم عزل في مذبحة منسية.
أربعة من قيادي الحزب والقرار يومها هم: جلال الطالباني ـــــــــــ أطلق عليه البلداء عندما صار رئيساً لقب: صمام أمان المرحلة ــــ وبرهم صالح وعبد اللطيف رشيد والرئيس الحالي نزار محمد سعيد آميدي صاروا رؤساء جمهورية بلا أي سؤال ولا محاكمة مع ان صدام حسين أعدم بسبب محاولة اغتياله في الدجيل.
3: مجزرة بشتآشان ضد الانصار الشيوعيين في الاول من آيار1983
نفذها حزب الاتحاد الوطني ضد من كانوا يقاتلون معه ضد النظام.
4: وبعد الاحتلال قامت إستخبارات الأحزاب الكردية بعمليات تصفية واسعة
لرجال القانون والأطباء والعلماء والإعلاميين والشخصيات الوطنية بالتعاون مع مخابرات دولية في عملية تعرف بــــ” التنظيف”، وإفراغ العراق من الطبقة الوسطى وعرقلة بناء دولة.
في المقابل إرتكب النظام السابق حملات عسكرية واسعة النطاق ضد القرى الكردية ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء من المدنيين العزل في حملات ابادة وحشية ودفن احياء.
يطرح البعثي نفسه كضحية للشيوعيين وينسى مذابح الحرس القومي الوحشية ضد الشيوعيين بعد الثامن من شباط 1963 في الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم ومجازره ضدهم نهاية الجبهة الوطنية اواخر السبعينات.
عندما يحاول السياسي الشيوعي أن يطرح نفسه كضحية للبعثي والقومي،
وهو صحيح أيضاً لكنه ينسى مجازره في الموصل في قطار السلام وفي كركوك.
فكرة الأحادية والمحو والعدو المختلف وعنفهم ضد بعضهم ومن يختلف معهم سلوك منهجي في الحزب الشيوعي بإسم العنف الثوري والعدو الطبقي والثورة المضادة وهو أول من أسس عاهة التشهير الأخلاقي للمختلف التي صارت بديلاً عن الماركسية الخلاقة وفيه مكتب متخصص بذلك.
جميع الأحزاب الشيوعية في العالم كانت تمتلك مكاتب للتشهير بعناوين مختلفة وتخلت عنها بعد التحولات العاصفة في اوروبا الشرقية وانهيار الدول الاشتراكية وسقوط السوفيت عدا الحزب الشيوعي العراقي ظل متمسكاً بها من خلف ستار كسلاح العاجز في مواجهة المختلف بإشراف قيادي مريض معروف بكراهيته للمثقفين يتقاضى اليوم 5 رواتب من اموال اليتامى والارامل والفقراء والبروليتاريا.
مأساة الشاعر بدر شاكر السياب مع هؤلاء معروفة من التشهير به الى اهانته في الشوارع الى الاعتداء الجسدي عليه وهو مريض في قالب الجبس الطبي في بيروت وسرقة نقوده المخصصة لعلاجه:
كتابه” كنت شيوعياً” فضح هؤلاء بلغة عارية. تعترف الشاعرة لميعة عباس عمارة في سلسلة مقالات في جريدة” الشرق الأوسط” وفي محاضرة في منتدى الكوفة في لندن “إن قياديا شيوعياً كان يوصينا بالبصاق على السياب في أي مكان تلتقون به واهانته”. كان السياب وقتها يحترق بنارين: نار ثورة شعرية ونار المرض القاتل.
نشرت ” مذكرات ” لميعة عباس عمارة في جريدة الشرق الأوسط في تاريخ 25/09/1996 في العدد 6511، في حلقات وذكرت هذا الحدث في الحلقة الثامنة. لكن كل هؤلاء اختفوا وطواهم النسيان وظل السياب علامة مضيئة في تاريخ الادب العربي عندما غير قواعد الشعر وقواعد التخيل أيضاً.
في ألمانيا الشرقية الشيوعية سابقاً كان جهاز المخابرات “الشتازي The Ministry for State Security ” ـــــــــــــ قبل سقوط جدار برلين ـــــــــــــ خبيراً في تقنية تسمى “التآكل النفسي” أي التسقيط الأخلاقي أخطر تكتيك للتدمير الذاتي بلا تدخل خارجي في الظاهر ودربت عليه كوادر شيوعية ورسمية عربية مع التركيز على المعارات الشرقية الحساسة ونشرها في أوساط البسطاء والغوغاء والاتباع على شكل توجيهات حزبية بصيغة واحدة ووقت واحد وفي مدن مختلفة مما يؤكد وحدة المصدر.
” نزلاء المتحف الآيديولوجي” حتى لو عاشوا في دول المنافي الديمقراطية ينقلون معاييرهم معهم لعشرات السنوات كعقرب قاتل في حقيبة سفر بلا أي تغيير لأن التغيير الفكري ليس جوازاً ولا تذكرة سفر بل ولادة جديدة شاقة من الرحم الذاتي ومن ثقافة بديلة ويعيشون في تجمعات ، غيتوات معزولة كطفح جلدي فوق المجتمع الجديد ويتبادلون بينهم الدفاتر العتيقة.
يوم إفتتح صدام حسين حكمه المباشر بمذبحة قاعة الخلد في تموز 1979،
أو ما يعرف الحفل الوحشي ضد رفاقه، كانت الأحزاب الأخرى تعتبر المجزرة قضية صراعات داخلية تتعلق بالفئة الحاكمة وليست مجزرة وطنية ضد أبرياء، أي تعامل الجميع مع تلك المجزرة ” كملكية عقارية” وليست جريمة وطنية بحق مواطنين أبرياء ،
حتى ان صدام حسين بعد القبض عليه وزيارته للسجن من بعض الافراد قال عندما ذكّره أحدهم بتلك المجزرة:
” هؤلاء بعثيون ، انت شعليك ــــ ما علاقتك أنت؟” أي يتعامل مع رفاقه كعقار أو حقل دواجن أو قطع شطرنج وليسوا مواطنين.
عندما يعرض الإسلامي نفسه ضحية البعثي والقومي والشيوعي،
ينسى تاريخ الحاضر وفكرة الإقصاء والتهميش والغاء الآخر المختلف بل حتى قتله لو تطلب الأمر.
عندما يفقد العقل استقلاليته وحريته، فإنه يبني منظومة كاملة من الأوهام الذاتية للتعايش مع هذا الأسر العقلي، ومن أبرز هذه الأوهام وهم اليقين المطلق والوثوقية الجازمة واللغة اليقينية ووهم النقاء الاخلاقي وسط أعداء منحرفين وهو الملاك الوحيد بين خاطئين ومن واجبه الرسالي اعادة تصحيح أخطاء الكون وهي مهمة فشل فيها أنبياء وكذلك وهم ان التاريخ يمضي كما يريد ويرغب وليس حسب قوانين وقوى وارادات ومصادفات وحماقات ونزوات.
لعل أخطر الأوهام هو وهم الحرية والاختيار والتفكير لكن كل شيء مقرر ” للعقل الاسير” من ثقافة التلقين لأن من ولد في بيئة تملي عليه ما تريد يصعب عليه التمييز بين خياراته الشخصية وبين المقررة عبر ثقافة التلقين ولان العقل يفضل توفير الطاقة لذلك يتبنى المفاهيم والقوالب الجاهزة بدل مشقة البحث والسؤال والقلق الفكري.
حتى عندما يمارس العنف ضد الخصوم، يمنح هذا العنف نوعاً من القداسة والتبرير ويحول الاعداء الى” أشياء” لكي لا يتعاطف مع تفكيك باب او سيارة او عجلة ـــــــــــــــــــ التشيؤ ــــــــــــ وتحت ضغط الجماعة يشعر بالصواب والقوة.
في العراق مارس الجميع العنف ضد الجميع وحتى ضمن الحزب الواحد: قتل البعثي بعثيين بتهمة التآمر واليسار والخيانة، وقتل القومي قوميين،
وقتل الشيوعي من اللجنة المركزية شيوعيين من القيادة المركزية المنشقة للحزب بل من داخل الحزب حتى في الجبال في محاكم مرتجلة.
قتل السياسي الكوردي أكراداً وتحارب معهم، كانت هناك شرائح كردية تقاتل مع النظام ــــ الفرسان التسمية الرسمية والجحوش التسمية الكردية.
دخل الجميع في حرب تصفيات داخل وخارج أحزابهم فمتى صاروا ملائكة في مواجهة شياطين وهم يتناوبون الادوار بين ضحايا مرة وجلادين ثانية كما اليوم في حلقة دائرية مفرغة لا تنكسر؟
الاحتكار والغطرسة والنظرة الأحادية وملكية الحقيقة والتاريخ والشرف والسلطة والتعامل مع المختلف كعدو او منحرف خاصية الجميع حتى يمكن القول بثقة ان كل هذه الاحزاب حزب واحد بعناوين مختلفة.
كان الجميع ضحايا وجلادين والسبب فكرة محورية قائمة على إحتكار السلطة والحقيقة وهي فكرة مستمرة وتنتج مزيداً من العنف الوحشي.
من الغرائب أن الشيوعي لا يحتفل بذكرى المجازر بحق الحركة الاسلامية،
ولا الأحزاب الاسلامية تحتفل بذكرى مذابح الشيوعيين، ولا القومي العربي والبعثي يشارك القومي الكوردي مآسي الشعب الكوردي،
وكل طرف أو حزب يحتفل بضحاياه كما لو أن المجزرة مُلكية عقارية خاصة
لطرف دون آخر،
مع أن الضحايا جميعاً هم ضحايا العنف الأهوج والأعمى وهم ضحايا نهج ووطن أكثر من فئة،
والإحتفال بذكرى مجزرة هو إحتجاج ضد الجريمة التي طالت الجميع،
والصمت عن مجزرة ورفض أخرى هو منطق مشوه وإختزالي يعني أننا لم نغادر تاريخ الماضي ولا عقليته وندور في الزمن نفسه كثيران النواعير.
تزييف التاريخ يعني تزييف الذاكرة والذاكرة المزيفة كمخزن أثاث عفن وحاوية نفايات متحللة تحتاج الى حرق ومن المستحيل بناء مستقبل حقيقي على أكاذيب وأوهام بلا بناء ذاكرة وطنية صافية وتقاليد جديدة وذاكرة مضادة وسردية تاريخ مختلف.
ـــــــــــــــــ الصورة:مفرج عنها من سجلات الامن عن الروائي غونتر غراس حامل نوبل مطاردا من رجل أمن في جمهورية المانيا الشرقية سابقاً من دولة عضو في حلف وارشو يمتلك قنابل نووية تطارد روائياً. تم حجب وجه رجل الأمن لأن النظام مسؤول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى