
لأن نهر السين لا يزال يحتفظ برائحة بودلير،
حين كان يُعدِّد في صحوه كما في منامه
مفاتن “الفينوس السوداء”،
كلما أخذه غليونه إلى غيبوبةٍ شعريةٍ
لا رجوع منها
إلا بدسِّ الشرِّ في قلب الأزهار.
ولأن رامبو ترك الشعر
من أجل السلاح
وتجارة الرقيق،
حتى فقد البوصلة
وابتلعته شساعة السفاري.
ولأن الحي اللاتيني لم ينسَ سارتر
وهو يقود الثورة الجنسية مع سيمون،
في الكتب كما في الحياة،
وهو يصرخ بأعلى صوته:
“الثورة لا مذكر لها”،
حتى تحوّل إلى مزار.
ولأن باريس لم تكن رحيمةً يوماً مع الأب “غوريو”،
حتى غسلت دموعه خطايا الأرقام،
وتركته ينطفئ مثل مشرد
في فندق للغرباء.
ولأنها أيضاً لم تصفق لـ “جاك بريل”
وهو يحرق علم البورجوازيين في مسرح الأولمبيا،
حتى حوّل الفقراء الشانزليزيه إلى مخيم للاجئين.
وكادت الديمقراطية أن تصدق نفسها
قبل أن تحولها “الطاحونة الحمراء”
مرةً إلى طعم،
ومرةً إلى غبار.
من وقتها امتلأت الطرقات كما الأحلام
بالجرذان،
وتحولت عاصمة الأنوار
إلى غابة.
ولأن “ديوك” المونديال سلعةٍ أجنبيةٍ
مستوردةٍ من الجنوب،
يتساءل المنفى بسخريةٍ سوداء:
من يلعب ضد من،
أيها الإله المنفوخ؟
لكل هذا،
لكل هذا كله،
لن أقول اليوم “Je t’aime beaucoup”
فقط بالفرنسية،
بل سأقولها بالأبيض والأسود
كي تتذكر اللغة أمها
قبل أن تسقط في شراك الألوان.
فماذا بإمكان بدائيةٍ
من زمن النبوءات
وقد سقطت
مثل خطأً ميتافزيقي
في زمن النت والذكاء الاصطناعي،
كما يسقط نيزكٌ
من السماء
وما من أحد رفع عينيه
ليشهد؟