
كتب:هاني الكنيسي
في عام 1939، وبينما كانت القاهرة تستعد لأشهر حفلات الزفاف الملكية في تاريخها الحديث: الأميرة المصرية فوزية تتزوج ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي، الذي سيصبح لاحقاً شاه إيران، وفي أحد ضواحي باريس، كانت ورش دار المجوهرات الفرنسية العريقة ‘فان كليف آند آربلز’ Van Cleef & Arpels تصوغ “تحفة فنية” صُممت لتكون درة مشهد العرس الإمبراطوري.
عقد من البلاتين، مرصّع بـ 673 ماسة بوزن إجمالي يتجاوز 200 قيراط، بتكوين هندسي متناظر ينتمي إلى أسلوب الـ«آرت ديكو» Art Deco.
وعن قصة تصنيعه يدويًا، تقول ‘كليف آند آربلز’ إن “جمع الأحجار اللازمة لصناعة هذه المجموعة استغرق شهوراً، وكانت الماسات المختارة ذات جودة استثنائية، قبل أن تتحول إلى قطعة تجمع بين براعة الصياغة الفرنسية وذاكرة البلاط الملكي المصري”.
العقد الفريد الذي أصبح بعد “عقود” من الزمن، جزءاً من “التراث” التاريخي لدار المجوهرات الفرنسية الشهيرة، ارتدته الملكة نازلي، والدة الملك فاروق، خلال احتفالات زفاف ابنتها الأميرة فوزية، عام 1939.
وعلى خلاف ما جرى لغيره من مجوهرات ملكية وتحف فنية تاريخيّة، فإن رحلة خروج عقد الملكة نازلي من مصر لم ترتبط مباشرة بقرار مصادرة وتأميم مجوهرات العائلة الملكية بعد ثورة 23 يوليو 1952.
بل بدأت فصولها قبل الثورة بأعوام قليلة، وتحديداً في عام 1946، حينما غادرت الملكة نازلي مصر متجهة إلى الولايات المتحدة للعلاج. واصطحبت معها جزءاً كبيراً من مجوهراتها الخاصة، ومن ضمنها عقد الألماس الشهير وتاجها الملكي.
وفي عام 1950، تصاعد الخلاف بينها وبين ابنها الملك فاروق بسبب إصرارها على تزويج ابنتها الصغرى الأميرة فتحية من رياض غالي، وهو ما رفضه الفاروق وقام على إثره بتجريد الملكة نازلي والأميرة فتحية من ألقابهما الملكية وحرمانهما من مخصصاتهما المالية وأملاكهما داخل مصر.
وبذلك أصبحت مقتنيات الملكة نازلي التي حملتها معها إلى أمريكا مصدر رزقها الأساسي وحمايتها المالية في الغربة.
وفي عام 1975، عانت الملكة نازلي أزمة مالية خانقة، واضطرت إلى بيع جانب كبير من مجوهراتها في مزاد نظمته “سوثبي بارك بيرنت” Sotheby Parke Bernet في نيويورك، وبيع وقتها مقابل 140 ألف دولار فقط.
ثم اختفى العقد عن الأنظار لمدة أربعين عاماً، إلى أن ظهر فجأة في نيويورك عام 2015، عندما كانت ‘دار سوثبيز’ Sotheby’s تعرضه في مزاد جديد، وقدّرت قيمته وقتها بما بين 3.6 و4.6 مليون دولار.
وفي يناير من العام ذاته، دفع مشترٍ 4.282 مليون دولار للحصول عليه؛ ولم يكن المشتري جامعاً مجهولاً هذه المرة، بل دار ‘فان كليف آند آربلز’ نفسها، التي اشترت قطعة صنعتها قبل أكثر من سبعة عقود، لتعيدها إلى مجموعتها التراثية.
ومنذ ذلك الوقت، تنقلت التحفة الملكية المصرية بين أكبر المعارض الدولية. فعُرضت في باريس ضمن معرض «الأحجار الكريمة» Pierres Précieuses، إلى جانب مئات القطع النادرة من المجموعة التراثية للدار. وكانت قيمتها التاريخية تأتي من “سلسلة النسب” الملكية.
وفي الثانية بعد ظهر الخميس الماضي، دخل رجلان إلى متحف الفنون التطبيقية في فيينا MAK، مثل أي زائرين عاديين. شخصان نحيفان لهما شعر ولحى داكنة، وكانا يرتديان ملابس خارجية سوداء وأحذية رياضية، اشتريا تذكرتي دخول، ودلفا إلى معرض “غلانشتوكل” GLANZSTÜCKE الذي كان يجمع نحو 500 قطعة، بينها أكثر من 300 قطعة من مجموعة ‘فان كليف آند آربلز’ التراثية.
اقتربا من الفاترينة الزجاجية المحمية بكاميرات المراقبة، وأخرج أحدهما مطرقة بكل هدوء وحطم الزجاج، وانتزع العقد، قبل أن يفر اللصان “غير الملثمين” من المتحف، من بين الزوار الشهود.
لم يصب أحد بأذى، لكن قطعة مجوهرات عمرها 87 عاماً، اختفت في وضح النهار.
وقالت الشرطة النمساوية إن المشتبه بهما “هربا في اتجاه غير معلوم”، فيما بدأت عملية بحث واسعة باستخدام كلاب الشرطة، ونشرت شرطة فيينا “البشرية” أوصاف الرجلين وصوراً التقطتها كاميرات المراقبة. كما أُدرج العقد في قاعدة بيانات “الإنتربول” INTERPOL.
أما متحف MAK، فأغلق المعرض مؤقتاً وألغى الجولات المقررة، قبل أن يعاد فتحه لاحقاً بالتنسيق مع الشرطة.
المثير أنه قبل أربعة أيام فقط من سرقة عقد الملكة نازلي، كانت وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” Europol، أصدرت تحذيرا من “تحول نوعي في سرقات المتاحف الأوروبية”.
إذ لم تعد العصابات تعتمد بالضرورة على التخفي والاقتحام المباغت؛ بل أصبحت تستخدم المطارق الثقيلة والفؤوس والأسلحة والمتفجرات، وتستهدف تحديداً الذهب والمجوهرات والأحجار الكريمة والقطع ذات القيمة الثقافية العالية.
المحبط في القصة، من وجهة نظر الخبراء، أنه لو فُككت ماسات عقد الملكة نازلي وبيعت منفردة (كما تفعل العصابات الأوروبية غالبا)، ستضيع أهميته التاريخية والفنية، لأن ما يجعل العقد استثنائياً هو كونه قطعة فنية واحدة تحمل رمزية قصة شبه أسطورية.
قطعة مرت من قصر عابدين إلى البلاط الإيراني، ومن الملكة نازلي إلى المزادات الأمريكية، ثم عادت إلى صانعته؛ أشهر دار مجوهرات فرنسية وربما عالمية، ومنها في جولات عرض بأشهر متاحف العالم.
ولهذا فإن سرقة “عقد نازلي” تشبه سرقة وثيقة تاريخية لا تقدّر بثمن.