
هناك قلوب مثل الأرض الخصبة، تعطيها كلمة طيبة فتردّها بستاناً، تعطيها معروفاً صغيراً فتتذكره عمراً كاملاً، تعطيها ثقة فتصونها كأنها أمانة من السماء، هذه القلوب قليلة لكنها هي التي تجعل الحياة مازالت تحتمل.
وهناك قلوب مثل الأرض القاحلة، ولو أمطرت عليها معروفاً دهراً كاملاً لا تنبت إلا شوكاً، تحسن إليها فتغدر، وتكرمها فتتكبر، وتسترها فتفضح، وتقف معها في ضيقها فتنساك في أول يوم رخاء.
المشكلة ليست في المطر، المشكلة في الأرض، فنحن أحياناً نجلد أنفسنا ونقول: أين أخطأنا، وماذا فعلنا، ولماذا لم يقدّرونا، والحق أننا لم نخطئ في الإحسان بل أخطأنا في العنوان، وضعنا المطر في أرض لا تستحق المطر.
والأرض القاحلة لا تتغيَّر، قد تعطيها فرصة واثنتين وثلاثاً وتظن أنها تغيَّرت لأنها قالت كلاماً جميلاً، لكنها في أوَّل اختبار حقيقي تعود إلى أصلها، لأن الشوك هو طبيعتها، والغدر هو لغتها، والنكران هو أخلاقها.
لهذا قال الحكيم: لا تندم على إحسانك، لأنَّ إحسانك هو دليل على طيب أصلك، هو دليل على أنك من الأرض الخصبة، لكن تعلَّم لمن تعطيه، فالإحسان مثل البذرة، إذا وضعتها في أرض طيبة أثمرت، وإذا وضعتها في أرض قاحلة ضاعت وأتعبتك.
ومن علامات الأرض القاحلة أنَّها تنسى بسرعة كلّ ما فعلته لها وتتذكَّر بسرعة كلّ ما تظنُّ أنَّك قصَّرت فيه، وتأخذ حقها كاملاً ولا تعطي حقّك، وتطلب منك أن تكون مثالياً بينما هي لا تحاول حتَّى أن تكون وفيَّة.
تعلَّم أن تميز الأرض قبل أن تمطر، لا تنخدع بالكلام المعسول ولا بالمظهر الجميل، فالقاحلة قد تبدو من بعيد خضراء، لكنك إذا اقتربت وجدتها تلمع من الجفاف، انظر إلى أفعالها في الضيق، وإلى وفائها في الغياب، وإلى كلامها عن الذين أحسنوا إليها قبلك، فهذه هي الفحوصات التي تكشف نوع التربة.
وفي النهاية احفظ مطرك، فمطرك غالٍ، وقلبك غالٍ، ووقتك غالٍ، لا تهدره على أرض لا تنبت إلا شوكاً يجرحك، امطر على من يستحق، وازرع في من يحفظ الزرع، واترك القاحلة لقحلها، فبعض الخسارة ربح، وخسارة الشوك ربح.
بقلم الكاتب: نزيه عساف