
هل يفكر التابع ام يقوم على محاكاة التفكير والانماط الملقنة بلا وعي، أي يقوم بالمعالجة كنظام آلي مبرمج، من دون مشاعر ولا خبرة ذاتية بل خبرة آلية بناء على أنماط تعلمها سابقاً دون وعي وبلا فهم؟.
مجرد نظام خوارزمي على شكل بشر تمت برمجته منذ الطفولة وما يقوم به ليس تفكيراً بل محاكاة وبما أن التفكير يتطلب الوعي والمحاججة الذاتية المنطقية وتقليب الخيارات، فالتابع لا يفكر لأنه مبرمج مثل كائن آلي بل يردد ما يسمع ويجتر. لقد دجنوه على أن التفكير والقرار ليس من اختصاصه بل من اختصاص القيادة أو الجماعة. هو مجرد أداة.
وعكس عصر غوستاف لوبون في كتابه” سيكولوجيا الجماهير” عن اندفاع وتهور الجماهير خلف فكرة او حركة بلا تفكير، فإننا بعد لوبون في عصر صارت النخبة من يقود الجماهير الى الأوهام بل الى المذابح عندما تجعل من الأوهام النخبوية عقيدة. لم تعد هناك جماهير بل تحولت الى حشود متعادية متناقضة متحاربة وانتهى مفهوم الشعب الى مفاهيم القطيع والتشرذم والتشظي والطوائف والقبائل والمدن والاحزاب والحارة والشارع والمنظمة السياسية والخ.
ما بعد عصر لوبون صارت النخب تركض خلف الأوهام للبحث عن مكانة أو خوفاً من العزل أو الخسارة.
عندما يجري الحديث عن سيكولوجيا الجماهير واندفاعها كقطيع وتهورها خلف فكرة كما جاء في كتاب” سيكولوجيا الجماهير” لـــــ غوستاف لوبون الصادر نهاية القرن التاسع عشر، يُستثنى من هذا الاندفاع النخب الثقافية لكن التاريخ أثبت بعد لوبون وجماهيره ان ما يسمى بالمثقفين أصحاب العقائد الجاهزة هم من جر الجماهير الى الاندفاع خلف حركات وأوهام وأحلام انتهت بحمامات دم بل أقرب مثال هو الرسائل التي رفعها 350 عراقياً من شعراء وكتاب ويساريين وروائيين وغيرهم في الخارج الى الرئيس الامريكي ورئيس الوزراء البريطاني تطالب باحتلال العراق ثم رسالة ثانية الشكر على الاحتلال في سابقة لم تحدث في التاريخ لأن دور المثقف هو استشراف المستقبل والاستباق والتحذير من مخاطر قادمة وليس ايقاف حرب جاهزة منذ سنوات.
في عصر الحشود يسيطر الولاء الذي يعني عدم التفكير ولا تفرق بين حشود وبين نخب ورغم ان التابع هامشي ومقصي غالبا من السلطة والمكانة لكنه في العقلية جزء منها لأنه يستعمل اللغة او المعلومات نفسها لأن كل تفكيره نابع من نظام الهيمنة ولو عارضها في الظاهر ليس كسلطة بل لانها مفرطة الرقابة والسيطرة.
الشيء الوحيد الذي أفلحت فيه الأحزاب الشمولية في العراق هو انتاج هذا الكائن الخوارزمي الملقن. الببغاء في قفص لا يختلف من حيث الفاعلية عن انسان تابع وكلاهما في حالة سلب الارادة والمصير والاختيار.
لكن هل يفكر التابع؟ التابع لجماعات أو منظومة ثقافية جاهزة أو قاموس استعماري تسلل الى اللغة المحلية بالتقطير وصارت الحشود والنخب تفكر بقاموس جاهز وتصل الى نتائج مقررة؟
التابع بلا هوية لأنه أسير مفاهيم وقناعات من خارجه ولا من تفكيره ومن سلطة ما أقوى منه وهو في وضع الإستلاب. المستلب مشغول بالنجاة لا بالتفكير السوي.
سؤال المفكرة الأمريكية البنغالية الأصل والمُنظّرة الماركسية الهندية غاياتري سبيفاك: هل يفكر التابع؟
المقال الذي تحول الى مرجع لدراسات ما بعد الكولونيالية منذ نشره عام 1988. هل الثرثرة والتلقين هو تفكير؟ كيف نفكر بلا ثقافة وبلا انتاج معرفة وبلا استقلالية شخصية ولا فردية؟ كيف يمكن لمطحنة قمح فارغة أن تنتج غير الضجيج؟
إن” العقل” ليس الدماغ المادة العضوية بل العقل هو” المحتوى الثقافي” وليس كل إجترار تفكيراً. كتاب دراسات ما بعد الكولونيالية من تأليف ثلاثة مفكرين يتناول خطابات مرحلة ما بعد الاستعمار وهم:
بيل أشكروفيت و جاريث جريفيث هلين تيفين، وهو كتاب تعريف لمفاهيم ما بعد الكولونيالية في اللغة والادب والسياسة والتفكير،
والطريقة الماكرة التي تتداخل فيها المفاهيم الاستعمارية مع الثقافة المحلية بحيث تظهر كمنتوج محلي.
في العراق جيش ضخم واسع ممول أو للتسويق المجاني عن جهل أخطر من الشر الذي يمكن مواجهته للتركيز على أخطاء النظام وليس النظام نفسه المنتج لكل هذه الأمراض. هناك استغراق قصصي في حكايات السلطة مع ان ذلك لا يقدم ولا يؤخر لان العرض ليس المرض ومن الغباء معالجة مرض مميت بالبخور والمساج والشتائم وبالسرديات المسلية.
إن مفاهيم الحرية والعدالة والحداثة والحقيقة والسلطة والسيادة والحقوق والاستقلال، يجري تحريفها بترسانة ضخمة من التبريرات،
كما جرى تحريف وتشويه شعارات الاشتراكية والحرية والوحدة والعدالة وغيرها،
والأخطر أنها تتشابك مع مفاهيم ثقافة محلية وتختفي كمفاهيم
استعمارية حتى لو رحل المستعمر وتتداخل مع الفلوكلور والثقافة الشعبية،
لأن القاموس الاحتلالي اللغوي هو أخطر من الجيوش التي يمكن مواجهتها بالمقاومة المسلحة أو السلبية.
لم يسلم أدباء من الوقوع في فخ مفاهيم ما بعد الكولونيالية وبعضهم شعراء أو روائيين من حملة نوبل في الرواية مثل وولي سوينكا وأيميه سيزار، وسلمان رشدي الهندي الأصل والروائي الهندوسي ف. س.نايبول من أسرة مهاجرة الى بريطانيا وحاز على نوبل،
وتبنى هؤلاء النظرة الاستعمارية من خلال مفاهيم محلية، مما يعكس قدرة الخطابات الاستعمارية على الاختراق: مشاعر اللامبالاة أمام المحن الكبرى والافتتان بالذات والتمركز حولها وخلق الذرائع لذلك هو جزء من أعراض مرض التابع الذي خيل اليه ان هذه استقلالية لانه لا يرى الحبال الداخلية الطويلة التي تشده.
عندنا من هؤلاء جماعات بقشرة حداثية مهلهلة تمشي بين العوام وتتحدث بلغة معارضة للسلطة لكنها في الجوهر جزء منها.
في محطات حرجة في تاريخ الشعوب اليوم، يتحكم الخطاب ما بعد الكولونيالي بالثقافة المحلية من قبل مثقفين ومواطنين، ونتيجة الانهيار العام أمام موجة عارمة وقوية،
سوف يقاوم السقوط عدد قليل من المثقفين والكتاب، وهؤلاء سيظهرون في محيط السقوط العام،
والابتذال والتداعي “كحفنة مجانين” في مواجهة تيار عارم من التداعي،
بل سيجري وصفهم بالمجانين وما هو أسوأ، بل في الحقيقة هم أجمل وآخر مجانين المقاومة الثقافية وآخر من سيبقى في ذاكرة الناس يوم ينتهي حفل الزور وتنطفيء مصابيح الوليمة الكبرى ويبدأ تاريخ مختلف وقصة حياة جديدة ستبزغ من الانقاض.
لاخراس آخر معاقل المقاومة الثقافية يتولى “مثقفون” مأجورون أو سطحيون مهمة الوصم والتشويه والتحريف وهو أمر يمشي بين الغوغاء وفاقدي الاستقلالية الشخصية والثقافة القانونية والاحترام الذاتي.
عندما تنهار الحقائق والمعايير العامة التي تضبط ايقاع المجتمع، يصبح قول الحقيقة نوعاً من الجنون والزور والمغامرة.
تصدى مفكرون كبار لمهمة فضح حقيقة هذه الخطابات المزيفة القمعية المغلفة بشعارات الحرية والحداثة أمثال: فرانز فانون وأدوارد سعيد،
والمفكر الهندي الكبير هومي بابا، والدكتورة البنغالية غياتري سبيفاك أو ما يعرف بــــ الرباعي المقدس في نقد الخطابات ما بعد الكولونيالية وكشف زيفها.
هؤلاء اثبتوا ان التفكير ليس خاصية اوروبية كما هو في ” المركزية الغربية europocentrisme” التي وصفها المفكر سمير أمين بــــ:
” أيديولوجية أو محيط مركزي، أو تبعية للتطور الرأسمالي” تؤمن بالتفوق العرقي ترى الحياة والاحداث من منظور غربي إستعلائي كما لو أن الافريقي واللاتيني والآسيوي لكي يفكر، يجب أن يفكر من خلال وعي أوروبي،
أي لا يفكر بل يردد.
في صفوفنا اليوم الكثير من التابعين الذين يتكلمون كثيراً دون أن يقولوا شيئاً في الحقيقة، لأن عقل التابع في مكان آخر، مطحنة بلا قمح عدا الضجيج العالي، لكنه الأخطر من جيوش الغزو:
يتوهم التابع عندما يصدق أنه يفكر، هو قاموس جاهز وببغاء في قفص واي محاولة لاقناعه انه كائن ملقن ومخلوق خوارزمي ظهر قبل الذكاء الاصطناعي واقل كفاءة منه كمحاولة اقناع تمساح ان الحديقة أفضل من الوحل او اقناع ذبابة ان الزهور أفضل من القمامة.
كائن مستلب وسجين متنقل بكامل اناقته ويمكنه ان يقول كل شيء لكنه في الحقيقة يرطن ولا يتكلم. عرض أقل