تقارير وتحقيقات

“التحرش الاصطناعي” سلاح سياسي ووباء تكنولوجي في المجتمعات البشرية

كتب:هاني الكنيسي
تسريب الصورة “الخليعة” للسياسية الشهيرة ‘سونيا غاندي’ هذا الأسبوع، لم يكن مجرد حلقة جديدة في صراع سياسي هندي طويل، بل شاهد على تفشي وباء جديد بأدوات التكنولوجيا.
‘سونيا غاندي’ هي واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في الهند خلال العقود الثلاثة الماضية، وُلدت عام 1946 في شمال إيطاليا، قبل أن تنتقل إلى الهند بعد زواجها من ‘راجيف غاندي ‘ الذي تولّى رئاسة الحكومة الهندية عام 1984، مباشرة بعد اغتيال والدته رئيسة الوزراء ‘إنديرا غاندي’ (ابنة ‘جواهر لال نهرو’، أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال عن بريطانيا). ومع اغتيال ‘راجيف’ نفسه عام 1991، أصبحت ‘سونيا’ الوريثة السياسية للعائلة الأشهر في تاريخ الهند الحديث، ودخلت الحياة السياسية رسميًا عام 1998، فتولّت رئاسة حزب المؤتمر وقادته إلى الفوز في انتخابات 2004 و2009، وأسست تحالف “الوحدة التقدمي”UPA الذي حكم الهند لعشر سنوات متعاقبة.
واليوم، تشغل ‘سونيا غاندي’ مقعدًا في مجلس الشيوخ الهندي، وتظلّ شخصية مركزية داخل حزب المؤتمر، ومرجعية سياسية لابنها ‘راهول غاندي’ وابنتها ‘بريانكا غاندي’ اللذين يعدان أبرز قيادات الحزب والمرشحين الأساسيين في أي منافسة انتخابية قادمة ضد رئيس الوزراء الحالي ‘ناريندرا مودي’ .
المفاجأة أن صور الجدة ‘سونيا’ الفاضحة، فبركتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لتُظهر السياسية البالغة 79 عامًا من العمر في هيئة “راقصة بار”. والمفارقة الأكبر، أن الصور انتشرت بجنون عبر حسابات رسمية تابعة لحزب ‘بهاراتيا جاناتا’ BJP الحاكم، حسبما وثّقت مجلة Frontline India.
الواقعة العجيبة أعادت للواجهة ظاهرة Synthetic Misogyny أو “التحرش الاصطناعي” التي يصفها خبراء بأنها “نمط عالمي” جديد؛ تتيح فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي تحويل أي شخصية في المجال العام إلى “مادة جنسية” قابلة للتلاعب، ثم استخدامها كسلاح سياسي أو أداة للاغتيال المعنوي والتشهير.
فالصور الشخصية المفبركة بحرفية الـAI يصعب أحيانًا تمييزها عن الصور الحقيقية. وخطورتها الكبري أنها لا تحتاج إلى إثبات أن “الضحية” اقترفت فعلا مشينًا؛ بل يكفي أن تجعل الجمهور “يتخيّل” أنها فعلته.
ولهذا الاستنتاج جذوره المثبتة “علميًا”، في العديد من نظريات علم النفس المعرفي والاجتماعي، مثل نظرية “الإدراك الاجتماعي” Social Cognition Theory التي تفترض أن العقل البشري لا ينتظر الأدلة الكاملة ليكوّن حكمًا، بل يبني استنتاجاته اعتمادًا على الانطباعات الأولية والصور الذهنية. ونظرية “المعالجة الحدسية” Heuristic Processing التي تؤكد أن الناس غالبًا ما يعتمدون على “الاختصارات الذهنية” بدل التحليل المنطقي، وأن “الصورة” المتداولة -بغض النظر عن صحتها أو زيفها- هي أهم هذه “الاختصارات”.
والأمثلة على توظيف تقنيات “التحرش الاصطناعي” كسلاح سياسي فتاك في الغرب، خصوصًا ضد النساء، لا تُعد ولا تُحصى، ومن أبرزها:
في الولايات المتحدة، بخلاف حمى الصور المزيفة التي ارتبطت بنشر “ملفات إبستين”، انتشرت صور جنسية مفبركة لنائبة الرئيس الأمريكي السابق ‘كامالا هاريس’، عقب ترشيحها في الانتخابات الرئاسية 2024.
وكذلك، ظهرت نائبة الكونغرس عن الحزب الديمقراطي ‘ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز’ (التي يكرهها اليمين الجمهوري بسبب توجهاتها التقدمية) في مشاهد حميمة، وانتشرت عبر السوشيال ميديا بشراهة رغم أن التحقيقات أثبتت أنها مفبركة بالكامل.
وفي أوروبا، استخدمت جماعات يمينية صورًا مفبركة لإظهار وزيرة الدفاع الألمانية السابقة ورئيسة المفوضية الأوروبية الحالية ‘أورسولا فون دير لاين’ في أوضاع جنسية مخلة، لتشويه سمعتها.
وفي 2023، واجهت رئيسة وزراء إيطاليا ‘جورجيا ميلوني’ حملة صور جنسية مزيفة انتشرت عبر مجموعات تابعة لليمين المتطرف، بهدف تقويض سلطتها داخل الحزب.
وفي تقرير ” إذاعة فرنسا الدولية” RFI، المنشور في مايو الماضي، توثيق مفصّل لسلسلة من جرائم “التشهير الممنهج” باستخدام فيديوهات جنسية “مفبركة” ضد نساء بارزات في السياسة والإعلام؛ مثل’ نيكا كوفاتش’ الناشطة السلوفينية في حملة حقوق الإجهاض، والصحافية الفرنسية ‘سالومي ساكيه’ ذات الآراء الانتقادية الجريئة لسياسات الحكومة ولليمين، ومثلها الصحافية الأرجنتينية ‘جوليا مينغوليني’ التي ظهرت لها صور جنسية مفبركة تتضمن علاقة محرّمة، وشارك الرئيس الأرجنتيني المتطرف ‘خافيير ميلي’ شخصيًا في ترويجها بمنشورات تسخر منها عبر السوشيال ميديا.
الرجال في السياسة الغربية لم يكونوا أيضا بمنأى عن أخطار “التحرش الاصطناعي”.
ففي عام 2023، انتشرت صور وفيديوهات مفبركة تُظهر الرئيس الفرنسي ‘إيمانويل ماكرون’ في أوضاع حميمة داخل غرفة فندق، واتضح لاحقًا أنها صُنعت عبر نماذج توليد الوجوه، وجرى تداولها عبر حسابات مرتبطة باليمين المتطرف على خلفية احتجاجات ضد قانون التقاعد.
ومع وصوله إلى البيت الأبيض عام 2020، لم تتوقف الصور والفيديوهات المولّدة بتقنيات “التزييف العميق” Deepfake، والتي تُظهر الرئيس الأمريكي السابق ‘جو بايدن’ مخمورًا أو متحرشًا بالنساء، بهدف تثبيت فكرة عدم أهليته الذهنية لدى الرأي العام.
وكذلك، أظهر صور مفبركة رئيس الوزراء الكندي السابق ‘جاستن ترودو’ في أوضاع جنسية مع نساء في حفلات خاصة، وكان لافتًا انتشارها أثناء أزمة “الشاحنات الاحتجاجية” عام 2022.
حتى الملياردير ‘إيلون ماسك’ نفسه، ملك الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا، نُشرت له صور جنسية مفبركة تُظهره في أوضاع مخلة مع موظفات لديه، بالتزامن مع احتدام الجدل السياسي والمجتمعي حول استحواذه على “تويتر” وتحويلها إلى منصة ‘إكس’ X
والمفارقة، أن المنصة ذاتها اتُهمت في مايو الماضي، بأنها سمحت لمستخدميها – عبر نموذج الذكاء الاصطناعي Grok- بإنتاج آلاف الصور الجنسية المفبركة خلال أيام، بينها صور تستهدف نساء وفتيات وحتى أطفال، عبر خاصية “نزع الملابس”، أو وضع الشخصيات في أوضاع جنسية دون علمها.
وهكذا يتضح أن ما يُسمّى “التحرش الاصطناعي” بات أشبه بوباء تكنولوجي لا يهدد السياسيين والمشاهير والشخصيات العامة فقط، بل يعصف بالمجتمع البشري على اختلاف فئاته وطبقاته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى