
كتب:هاني الكنيسي
في غضون أيام قليلة، تمكّن الحوثيون من السيطرة على معظم المنافذ الاستراتيجية اليمنية المطلة على مضيق باب المندب، في تحوّل ميداني أعاد رسم خريطة النفوذ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
لكن لهذا التحول “المفاجئ”، سياقه السياسي والعسكري، والذي تكشفه سلسلة تقارير غربية، على رأسها وكالة ‘رويترز’ الأخيرة، وصحيفة ‘الغارديان’ البريطانية، وصحيفة The Straits Times السنغافورية.
فبحسب هذه المصادر، عُقد “اجتماع سرّي” بين مسؤولين أمريكيين وقادة من جماعة الحوثي، في مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة العُمانية، خلال عطلة نهاية الأسبوع (الأرجح يوم الأحد الماضي). وضمّ الوفد الحوثي محمد عبد السلام كبير المفاوضين والممثل السياسي الأبرز للجماعة (وهو رسميًا -بالمناسبة- على قائمة العقوبات الأمريكية)، وعبد الملك العجري عضو المكتب السياسي للجماعة وأحد أبرز منظّريها، بينما اكتفى الجانب الأمريكي بتمثيل عبر طاقم السفارة (الدبلوماسي والأمني) في مسقط (نعم هي نفسها التي هددها ترمب علنًا بالضرب عقابا على دورها مع إيران في ترتيبات مضيق هرمز). فيما أكد نائب الرئيس الأمريكي ‘جي دي فانس’ يوم الاثنين الماضي أن “واشنطن على تواصل مباشر مع الحوثيين”.
وبحسب ‘الغارديان’، فإن ما دار في ذلك الاجتماع السري يفسّر قرار واشنطن اللافت بعدم دعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتكررة على مدنها؛ إذ طمأن الوفد الحوثي الأمريكيين بأن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين الطرفين عام 2025 لا يزال ساريًا، وأن الجماعة ليس لديها أي نية لمهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر، مؤكدة أن السفن المرتبطة بالسعودية هي وحدها التي ستبقى هدفًا بسبب ما تصفه الجماعة بـ”الحصار” المفروض من الرياض.
هذه الخلفية قد تساعد -جزئيًا- في تفسير موقف الرئيس ترمب “المزدوج”، الذي أدان علنًا تقدّم الحوثيين (الذين تصنفهم واشنطن منذ مارس 2025 كيانا إرهابيا أجنبيا) على طول الساحل الغربي لليمن باعتباره تهديدًا لحرية الملاحة في باب المندب، بينما رفض في المقابل أي تدخل عسكري أمريكي مباشر لدعم الرياض، وهو الذي لا تزال قواته وحاملات طائراته منخرطة في صراع مفتوح مع إيران، الداعم الرئيسي للحوثيين- كما تصر واشنطن.
وبعيدًا عن الخوض في أبعاد هذا “التخلي” الأمريكي عن أقرب وأهم حليف استراتيجي في الخليج (وله أسبابه الأخرى المرتبطة بموقف الرياض الممانع لضغوط التطبيع الإبراهيمي مع إسرائيل، والانخراط في “تحالف مكة” البديل مع باكستان وتركيا)، رأيت أن أشارككم قراءة “المشهد الأوسع” من زاوية مختلفة لا تعتمد على التكهنات والاستنتاجات بقدر ما تستقرئ الوقائع على الأرض.
تحت عنوان ” أربع طرق تحوّل بها الحوثيون إلى قوة عسكرية كبرى”، نشرت صحيفة ‘التلغراف’ اليوم تحليلًا محترمًا لكيفية تحوّل الحوثيين خلال عقد واحد، من جماعة مسلّحة محدودة إلى قوة عسكرية إقليمية قادرة على تعطيل الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، وتهديد خطوط التجارة العالمية، ورفع أسعار الطاقة في أوروبا، بل وإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وقبل استعراض الطرق الأربعة في تقرير الصحيفة البريطانية، يجدر التذكير بخلفية جماعة الحوثي -أو “أنصار الله” كما تطلق على نفسها. فهي تنتمي إلى “المذهب الزيدي” (أحد فروع الطائفة الشيعية الذي يختلف جذريًا عن الاثني عشريّة في إيران والعراق) الذي يُعد أقرب إلى أهل السنّة في مسائل الفقه. لكنها تتبنى سياسيًا مبدأ “الإمام العادل” الذي يحكم عبر البيعة، وتؤمن بفكرة الخروج على الحاكم الظالم.
هذا الإرث جعل الزيدية في صعدة بيئة خصبة لظهور حركات سياسية ذات طابع ديني، أبرزها حركة “الشباب المؤمن” في التسعينيات، التي تطوّرت لاحقًا إلى الجماعة التي ارتبطت باسم قائدها حسين بدر الدين الحوثي.
والحقيقة أن الزيدية كانت تاريخيًا مذهب النخبة الحاكمة في شمال اليمن، إذ حكم الأئمة الزيديون البلاد لأكثر من ألف عام حتى سقوط المملكة المتوكلية عام 1962، وهي خلفية مهمة في فهم “الهوية” الحوثية المعاصرة، التي ترى نفسها امتدادًا لسلطة تاريخية فقدت نفوذها بعد قيام الجمهورية.
أما أهمية تقرير ‘التليغراف’ فتتمثل في تقديم رؤية تحليلية معززة بالمعلومات عن كيفية صعود الجماعة “عسكريًا وسياسيًا وإقليميًا”، عبر أربع مصادر رئيسة.
المصدر الأول هو “الغنائم العسكرية”، الذي تبدأ قصته من لحظة سقوط صنعاء عام 2014، حين وجد الحوثيون أنفسهم وقد أصبح بحوزتهم إحدى أكبر ترسانات الجيوش العربية.
فاليمن بلد “مغمور بالسلاح”، يضم ما بين 40 إلى 60 مليون قطعة سلاح بين أيدي السكان، إضافة إلى مخزون الجيش النظامي الذي ورثته الجماعة من فلول علي عبد الله صالح، ومن بينه صواريخ “سكود” Scud السوفييتية، وHwasong الكورية الشمالية، وTochka الروسية، إلى جانب أسلحة صينية وأمريكية ويوغوسلافية.
هذه الترسانة شكّلت القاعدة الأولى لصعودهم، لكنها استُهلكت سريعًا خلال الهجمات المكثفة على السعودية والإمارات بعد 2015.
وهنا ظهر الدور الإيراني، أو المصدر الثاني لقوة الحوثيين. فتنقل ‘التليغراف’ عن خبراء، كيف بدأت طهران بعد استنزاف مخزون الحوثيين بتزويدهم بصواريخ باليستية مطوّرة وطائرات مسيّرة وخبرات تقنية في تصنيع الذخائر، في إطار
“منظومة كاملة” من القدرات العسكرية والمعرفة التقنية، جعلت الجماعة جزءًا أساسيًا من بنية “محور المقاومة” في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن الحوثيين كانوا “الأكثر ازدهارًا” داخل هذا المحور خلال العامين الأخيرين، مقارنة بحزب الله أو الميليشيات العراقية، بسبب طبيعة الحرب اليمنية التي وفّرت لهم “مختبرًا مفتوحًا” لتطوير قدراتهم العسكرية.
غير أن المصدر الثالث -وبما الأهم- في تطور النفوذ الحوثي، كما تقول الصحيفة البريطانية، تمثّل في قدرة الجماعة على بناء “صناعة عسكرية محلية” تعتمد على مكونات تُشترى بشكل قانوني من الأسواق العالمية المفتوحة. محركات، رقائق إلكترونية، أنظمة توجيه، قطع غيار للطائرات المسيّرة؛ كلها مواد يمكن الحصول عليها بسهولة عبر شركات وسيطة، ثم تحويلها إلى منظومات قتالية داخل ورش تصنيع في صنعاء وصعدة والحديدة.
هذا النموذج الأشبه بـ”توطين” الصناعة العسكرية، جعل الحوثيين أقل اعتمادًا على إيران وأكثر قدرة على إنتاج أسلحة بكلفة منخفضة، وهو ما يفسّر استمرار هجماتهم رغم تشديد العقوبات وعنف الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في مرحلة مساندتهم لغزة.
أما المصدر الرابع لقوة الحوثيين العسكرية -بحسب التقرير- فيأتي من “شبكات التهريب” في القرن الأفريقي؛ عبر الصومال وإريتريا وجيبوتي، التي تتدفق منها أسلحة روسية من مخلفات عمليات ميليشيا “فاغنر” Wagner في أفريقيا، إضافة إلى أسلحة خفيفة ومتوسطة تُباع في السوق السوداء.
لكن تقرير ‘التليغراف’ لا يقتصر على سرد مصادر السلاح، بل يربطها ببنية عسكرية متماسكة للحوثيين الذين “بنوا عقيدة قتالية قائمة على الحرب المستمرة، ونجحوا في تحويل الجغرافيا اليمنية المنيعة إلى ساحة تدريب ميداني مفتوحة”.
وهذا ما جعلهم قادرين على استخدام صواريخ ASBM المتطورة المضادة للسفن، وهي تقنية “لم تُستخدم أبدًا من قبل أي جماعة مسلحة غير حكومية”، وفق خبراء معهد RUSI الملكي البريطاني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية.
ويتقاطع هذا التحليل مع تقارير أخرى، مثل مجلة Foreign Affairs التي وصفت الحوثيين بأنهم “أول جماعة مسلحة غير حكومية تمتلك قدرة استراتيجية على تعطيل التجارة العالمية”. بينما اعتبرت ‘الإيكونوميست’ أن الجماعة أصبحت “قوة إقليمية بحكم الأمر الواقع”، وأن البحر الأحمر دخل مرحلة “عسكرة غير مسبوقة” بسبب عملياتهم النوعية.
وفي تحليل لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ قبل يومين، يشير خبراء أمريكيون إلى أن الحوثيين باتوا يمتلكون “قدرة على تنفيذ عمليات مركّبة تجمع بين المسيّرات والصواريخ البحرية”، وهي قدرات كانت قبل سنوات حكرًا على الجيوش النظامية.
غير أن هذه التحولات “العسكرية” في قدرات الحوثيين لا يمكن فصلها عن السياقات السياسية والإقليمية. فقد اتسعت دائرة النفوذ الحوثي خارج حدود اليمن في السنوات الأخيرة، عبر مسارات لا تقل أهمية عن قدراتهم الصاروخية والبحرية.
إذ كشفت تقارير “فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن”، عن تفاصيل التعاون العسكري بين الجماعة اليمنية و”حركة الشباب” الإسلامية المسلّحة في الصومال (المصنّفة دوليًا كتنظيم إرهابي)، والذي شمل تدريب عناصر من الحركة داخل مناطق سيطرة الحوثيين في مجالات تصنيع العبوات الناسفة وتشغيل المسيّرات، إضافة إلى إرسال مهندسين حوثيين إلى مدينة ‘جِلب’ في جنوب الصومال لتدريب مقاتلي “الشباب”.
كما وثّقت تقارير غربية أخرى نقل نحو 400 عنصر صومالي إلى اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية، في مؤشر على أن الجماعة باتت تصدّر خبراتها القتالية إلى خارج حدودها الجغرافية.
بل وتحدثت مصادر أمنية غربية عن اتصالات بين الحوثيين وبعض حركات المعارضة الإثيوبية المسلحة، خصوصًا في المناطق المتاخمة للبحر الأحمر، في سياق صراع النفوذ المتفاقم بين أديس أبابا واريتريا، ما يفتح الباب أمام دور حوثي غير مباشر في إعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي.
هذه الشبكات العابرة للحدود، التي تجمع بين التدريب والتهريب والدعم اللوجستي، تعزّز ما خلصت إليه ‘التليغراف’ من أن الجماعة لم تعد قوة يمنية محلية، بل لاعبًا إقليميًا يمتد تأثيره من جبال صعدة وباب المندب إلى سواحل الصومال وإريتريا، وربما يعيد رسم ميزان القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح دولية وإقليمية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.