
القرآن ليس صفحات تقلب، ولا أصواتًا تتلى في مواسم محدودة، ولا عادة نؤديها ثم نطويها كما نطوي سجادة الصلاة. إنه حياة كاملة، ونبض يسري في الروح، ونور إذا سكن القلب أضاء كل العتمات.
القرآن الكريم ليس كتابا عاديا يقرأ فحسب، بل كتاب الله تعالى يقرأ قارئه؛ يكشف له خبايا نفسه، ويعريه من غروره، ويهديه إلى مواضع ضعفه قبل مواضع قوته.
هو مرآة صادقة، إن وقفت أمامها بصدق رأيت نفسك كما هي، وليس كما تحب أن تراها.
القرآن حياة لأنه يعيد ترتيب الداخل. إذا اضطربت النفس، هدأها. وإذا قسا القلب، لينه.
وإذا أظلم الطريق، أنار معالمه.
القرآن ليس زينة على الرفوف، بل زينة على الصدور.
أثره ليس في الصوت، بل في السلوك. وليس في عدد الختمات، بل في عدد التغيرات التي طرأت في حياتك.
كم من آية قصيرة غيرت إنسانًا!
وكم من كلمة ربانية أوقفت انحدارا، أو أطفأت غضبا، أو أحيت أملًا كان على وشك الانطفاء.
القرآن حياة لأنه يخاطب الإنسان في ضعفه وقوته، في خوفه ورجائه، في سقوطه ونهوضه. حين نقرأه كعادة، نمر عليه مرور العابرين. لكن حين نقرأه كحياة، نقف، نتأمل، نعيد، نبكي، نبتسم، ونسأل أنفسنا:
ماذا يريد الله مني الآن؟
أي خلق علي أن أرتقي به؟
وأي باب علي أن أفتحه في قلبي؟
القرآن حياة لأنه لا ينتهي بانتهاء تلاوته، بل يبدأ أثره بعد أن نغلق المصحف.
يظهر في لطف الكلمة، وفي عدل الموقف، وفي صبر الشدائد، وفي رحمة التعامل.
يظهر حين نختار العفو بدل الانتقام، والصدق بدل المجاملة، والرضا بدل السخط.
القرآن حياة لأن فيه جواب الحيرة، ودواء القلق، وطمأنينة المتعبين. من جعله رفيق يومه، لم يخب. ومن جعله نبض قلبه، لم يضل. ومن جعله حياة، أصبح هو نفسه حياة لغيره.
فلنخرج القرآن من إطار العادة إلى فضاء المعايشة. ولنقرأه بقلب حاضر، وعقل متفكر، وروح مستعدة للتغيير.
فالحياة الحقيقية ليست في طول الأعمار، بل في نور القلوب، فلا نور أصدق ولا أبقى من نور القرآن.