
حينَ يُهاجِرُ القلبُ إليكِ
أُحِبُّكِ…
ولا أستطيعُ على بُعدِكِ صبرًا
كأنَّ الصبرَ شجرةٌ
لا تُنبتُ في مناخِ عينيكِ.
أُحادثُكِ سرًّا
كما يُناجي البحرُ قمرَهُ
إذا أرخى الليلُ ستارتَهُ السوداء
وأُحادثُكِ جهرًا
كما تُصافحُ الريحُ نوافذَ البيوتِ القديمة
وتدخلُ دونَ استئذانٍ
إلى دفاترِ الذكريات.
أنتِ لستِ امرأةً فحسب
أنتِ جهةٌ كاملةٌ من الجهاتِ الأربع
إذا غبتِ
اختلَّ ميزانُ الجهات
وتاهتْ بوصلةُ القلبِ
في صحراءِ الانتظار.
حينَ تتأخرينَ عليَّ
لا أعاتبُ الساعةَ
ولا أوبّخُ الطريق
لكنَّ قلبي ذلك الطفلُ المشاغب
يحملُ حقيبتَهُ الصغيرة
ويُسافرُ إليكِ
يقطعُ المسافاتِ بلا جوازٍ
ويعبرُ حواجزَ الوقتِ
دونَ أن يُفتَّش.
ينبضُ بين أضلاعكِ
كأنَّهُ عصفورٌ وجدَ عُشَّهُ أخيرًا
ويختبئُ تحتَ صوتِكِ
كما يختبئُ المطرُ
في صدرِ الغيم.
أتعلمينَ؟
أنا لا أغضبُ من تأخركِ
بل أغارُ من الأشياءِ التي تسرقُكِ مني:
من حديثٍ طويلٍ
يلتفُّ حولَ أصابعكِ
من طريقٍ
يحظى بخطواتكِ قبلي
من نافذةٍ
ترى وجهكِ أكثرَ مما أراه.
ومع ذلكَ…
أعذرُ تأخركِ
أجمعُ أعذارَكِ
كما يجمعُ العاشقُ رسائلَ قديمة
أرتّبها بعنايةٍ
في درجِ صدري
وأقولُ:
ربما كانتْ مشغولةً
بإضاءةِ هذا العالمِ
كي أصلَ إليها دونَ عتمة.
أنتِ تعرفينَ
أنني حين أشتاقُ
لا أصرخ،
بل أتحوّلُ إلى مدينةٍ
تفتحُ كلَّ شوارعِها
في اتجاهِ اسمكِ.
اسمُكِ…
يا امرأةً
كلما نطقتُ حروفَها
تفتّحتْ في فمي حدائقُ من الضوء
وتدلّتْ من لساني
عناقيدُ لهفةٍ ناضجة.
أنا لا أحبكِ بطريقةٍ عابرة
لا أحبكِ كما يُحبُّ المسافرُ محطةً
يعبرُها وينساها
بل أحبكِ كما يُحبُّ الجذرُ الأرضَ
كما يُحبُّ النبضُ صدرَهُ
كما يُحبُّ الليلُ
أن يكتملَ بقمرٍ واحد.
حينَ تغيبينَ
يصيرُ المساءُ أطولَ من قدرتي
وتُصبحُ الوسادةُ
صحراءَ باردة
أمدُّ يدي فلا أجدُ إلا ظلِّي
وظلِّي لا يُجيدُ العناق.
أكتبُ لكِ
فتمتلئُ الأوراقُ بكِ
تتشكلينَ بين السطورِ
كأنكِ المعنى الوحيدُ الممكن
وأنا…
مجردُ شاعرٍ
يحاولُ أن يُلائمَ اتساعَ حبِّه
بضيقِ الكلمات.
أخافُ أن أُحرجكِ بشوقي
لذلكَ أُخفي اشتعالي
تحتَ رمادِ الصمت
وأبتسمُ حين تقولينَ:
“تأخرتُ قليلًا”
كأنَّ القليلَ
لم يكنْ زلزالًا
في داخلي.
لكنني صدقًا
لو خُيِّرتُ بين عتابكِ
وبين احتراقِي سرًّا
لاخترتُ أن أكونَ جمرةً صامتة
ولا أكونَ سببًا
لارتباكِ عينيكِ.
يا امرأةً
إذا ضحكتْ
تُصلحُ كسورَ النهار
وإذا سكتتْ
يصيرُ الصمتُ نشيدًا
يا أنتِ…
يا المسافةَ الوحيدةَ
التي كلما ابتعدتْ
اقتربتْ أكثر،
أحبكِ
حتى يصيرَ الحبُّ
هو اسمي الآخر،
وحتى إذا سألتِني يومًا:
كيفَ تصبرُ عليَّ؟
أجيبكِ:
أنا لا أصبرُ عليكِ
أنا أعيشُ بكِ
وأتنفّسُ من رئتِكِ البعيدة
فإذا تأخرتِ…
تأخرَ الهواء،
وإذا عدتِ…
عادَ قلبي
إليَّ.
حسين الغزي