كتاب وشعراء

نسيم قبها يكتب:رحلة المعنى: التعلّم بين تأويل العالم وفهم الذات

يمكنني مع سبق الإصرار المقصود القول : إنّ فعل التعلّم في جوهره الأعمق، هو فعل وجودي أنطولوجي يتجلّى في الحوار بين الأنا والآخر، بين الذات المتعلمة والعالم. وإذا كان الكلام هو الجسر الذي يعبر عليه المعنى، فإنّ وظيفتيه الكبرى – التبيين والتمثيل – تمثلان طريقتين جوهرتين في الكشف عن معنى الوجود وتأويله البيداغوجي.

التبيين: هرمنيوطيقا الوضوح

التبيين هنا ليس مبتسرا ، فهو محاولة استئناف الخطاب في ثوب جديد ، هو إعادة إنتاج المعنى في قالب إطنابي يخلع عن الدلالة ثوب الغموض والرمادية . في سياقنا التربوي على وجه البصمة ، يمكن النظر إلى التبيين بوصفه فعلاً تأويلياً بامتياز؛ إذ هو ليس مجرد نقل للمعلومات والمعرفة ، بل هو إعادة خلق للمعنى في وعي المتعلم. المعلّم هنا يشبه المترجم الذي ينقل نصاً من لغة إلى أخرى ، من لهجة إلى ثانية ، لكن اللغة الأخرى هنا هي لغة عقل المتعلم ومستوى إدراكه المتفاكر.

التبيين يعترف ضمنياً بعجز اللغة الأولى عن الإبلاغ بلا خجل ، فيستأنف الخطاب تأسيساً جديداً للدلالة. إنه اعتراف بأنّ المعنى ليس مُعطى جاهزاً، بل هو بناء تفاعلي يتشكل في الأفق التخاطبي بين المعلم والمتعلم كشراكة في المنتج . ولذلك، فإنّ التبيين الناجح هو ذاك الذي يستطيع أن ينقل المتعلم من “أفق توقّع” إلى آخر، من حالة الاستغلاق إلى حالة الانفتاح على المعنى وديمومته.

التمثيل: فينومينولوجيا الإدراك الحدسي

أمّا التمثيل، فهو ضرب من التبيين، لكنه أكثر رهافة وأعمق أثراً. التمثيل لا يشرح بالتدريج والتتابع الاستبصاري ، بل يقذف بالمعنى دفعة واحدة كديمومة من خلال صورة أو مشهد أو علاقة. إنه يشبه الإشراق الصوفي أو الحدس البرغسوني، حيث يُدرَك الكل قبل الأجزاء، وحيث تنكشف الحقيقة في آنيّة حضورها الفاعل ، لا في تتابع خطابها المستهلك.

التمثيل في جوهره التربوي هو استدعاء للقدرات الإدراكية العليا: المقايسة، والتجريد، وإسقاط العلاقات. حين يضرب المعلّم مثلاً، إنّما يدعو المتعلم إلى أن يرى بنفسه، إلى أن يكتشف العلاقة بين المشهد الماثل في المثل والمعنى المستتر في الأصل. إنّه تعليم بالكشف والاستكشاف لا بالتلقين، بالرؤية والشّك ، لا بالسماع والتسليم.

التمثيل بوصفه فعلاً خطورياً

غير أنّ التأمل الفلسفي في التمثيل يكشف عن طابعه الإشكالي. التمثيل هنا لا استئناف فيه ولا تكرير ولا رغي ، إنّه كالرصاصة اللامعة الوحيدة، إمّا أن تصيب الهدف فيُفتح المعنى بكرم ، وإمّا أن تخطئه فيبقى المغلق مغلقاً . هذه الطبيعة “الخطورية” للتمثيل تجعله أقرب إلى الفعل الشعري منه إلى الفعل التعليمي العادي.

فالمثل – كما يقول الفلاسفة – هو “عقدة دلالية” تنعقد فيها خيوط المعنى في لحظة واحدة ممكّنة . فإذا نجح في فكّ هذه العقدة، انفرج المعنى وانساب. وإن فشل، ازدادت العقدة إحكاماً وغموضاً. ولذلك، فإنّ التمثيل يتطلّب من المعلّم حكمة خاصة، هي حكمة اختيار المثل المناسب في اللحظة المناسبة للعقل المناسب.

نحو فلسفة تعليمية تأويلية

من هنا، يمكننا بناء فلسفة تعليمية تقوم على:

أولاً: الاعتراف بتعدّد مسالك الفهم. فليس كل متعلم يفهم بالتبيين، وليس كل معنى ينكشف بالتمثيل. والفعل التعليمي الحكيم هو الذي يتنقّل بين هذين المسلكين بحسب مقتضى الحال والأحوال .

ثانياً: إدراك أنّ الشرح ليس تكراراً، بل هو خلق. كلّ تبيين هو استئناف للخطاب، وكلّ استئناف هو إنتاج جديد للمعنى. المعلّم لا يكرر ما هو موجود، ولا يجوز له ذلك ، بل يخلق بالضرورة في كل مرة معنى يتناسب مع ذاك المتعلم وتلك اللحظة .

ثالثاً: الاعتراف بالطابع الجمالي للتعليم. التمثيل هو فعل جمالي قبل أن يكون فعلاً تعليمياً. إنّه يدعو المتعلم إلى التذوق والفهم في آن، إلى الرؤية والاستبصار معاً. والتعليم الحقيقي هو الذي يستعيد هذا البعد الجمالي المفقود في زمن التلقين المنحطّ والاختبارات المهينة.

رابعاً: الوعي بالمسؤولية الوجودية للمعلّم. إذا كان التمثيل يحمل هذه الخطورة، فإنّ المعلّم يحمل مسؤولية أكبر: مسؤولية اختيار المثل الذي سيظل عالقاً في ذهن المتعلم، ربما لسنوات، يشكل رؤيته للعالم وعلاقته بالمعرفة.

التربية بصفتها تأويلاً للوجود

في النهاية، يمكنني القول بعد تجربة ليست قصيرة ، إنّ التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو تأويل للوجود. والتبيين والتمثيل هما أداتا هذا التأويل. فحين نبيّن، نؤوّل العالم للمتعلم بلغة يفهمها. وحين نمثّل، ندعو المتعلم إلى أن يؤوّل العالم بنفسه. وكأنّ غاية التعليم العليا هي أن نجعل من المتعلم مفسّراً للوجود، قادراً على أن يرى في الجزء الكل، وفي المثل الحقيقة، وفي الصورة المعنى.

وهكذا، يتحول الفعل التعليمي من مجرد عملية تعليمية/تعلمية إلى رحلة وجودية مشتركة، يبحث فيها المعلم والمتعلم معاً عن معنى يتجاوز لحظتهما، عن حقيقة تشرق في أفق الفهم، عن كلمة تكون نوراً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى