
خرافة إقتراب “نهاية الزمان” تنتشر بسرعة كبيرة في أوساط الإنجيليين داخل الولايات المتحدة وبعض الأوروبيين، كما الأساطير التوراتية في أوسط اليهود، يتحدثون عن معركة هرمجدون وجحافل “أجوج ومأجوج”، حيث تأتي جيوش الأشرار مستهدفة إسرائيل، ويظهر المسيح ليقود المؤمنين في مواجهة الأشرار، لكن حتى يظهر المسيح، لابد من إقامة دولة إسرائيل الكبرى والنقية، وإقامة الهيكل.
الجماعات المؤمنة والمروجة لهذه الأساطير ليست قليلة العدد ولا هامشية، وإن كانت قد بدأت صغيرة ومعزولة، إلا أن اللوبي اليهو.دي قد التقطعها ودعمها، ويجري ترويج رواياتها بتفاصيل وإضافات وخيالات من خلال أفلام وكتب وجلسات، ورحلات يجري تنظيمها إلى مكان موقعة هرمجدون في شمال فلسطين، والنشر المكثف والواسع لهذه الأفكار يذكرني بمخططات نشر الوهابية، التي قال محمد بن سلمان لقناة أمريكية عنها “لقد طلبتم منا نشر الوهابية، ونفذنا طلبكم، وتريدون الآن محاسبتنا على نشرها؟”.
اليمين الأمريكي المحافظ وجد في تلك الجماعات فرصة لاستخدامهم أدوات في مشروع إنقاذ الرأسمالية المتهاوية من أزماتها، عبر إعادة إحتلال العالم، والإستحواذ على ثرواته، فعندما تتشكل جيوش من هؤلاء المتلهفين على ظهور المسيح ونهاية الزمان، يمكن تجييش قوة كبيرة لا تهاب الموت وتحارب بضراوة من أجل هذا الهدف المقدس.
كلام السفير الأمريكي في إسرائيل عن حقها في السيطرة على معظم الشرق الأوسط، إنطلق من قناعته بتلك الأفكار حول “نهاية الزمان”، وحتى ندرك مدى خطورة وجدية تلك المنظمات المتطرفة يمكن أن نقرأ كتاب وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيت، وعنوانه “الحملة الصليبية الأمريكية”، ويقول وزير الحرب الأمريكي في مقطع من مقدمة الكتاب ” قبل ألف عام، وبعد سنوات من التنازل عن الأراضي أمام جحافل المسلمين الفاتحين، أمر البابا بتحرك عسكري لإنقاذ أوروبا، وكان الشعار التحفيزي لفرسان المسيحية وهم يسيرونهو “إنها إرادة الله”.
ويكمل “إن أهم الشعارات التحفيزية أهمية في عصرنا “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، حافزا لمعجزة سياسية ذات حجم وتأثير مماثلين، لدرجة أنها لا تزال تربك أولئك الذين أطلقوها مثل الصليبيين الوطنيين في الماضي، ويظهر تمرد قبعة دونالد ترامب الحمراء أن الهجوم بدون أعذار هو الإستراتيجية الوحيدة الممكنة للدفاع عن جمهوريتنا، ونحن محاطون باليسار، مع تراكم الإحتمالات ضدنا، لن ينجح سوى “حملة صليبية”.
كتاب وزير الحرب الأمريكي صدر قبل توليه هذا المنصب الخطير، وأعتقد أنه كان السبب في إختياره وزيرا ل”الحرب”.
هنا نجد التلاقي واضحا بين مروجي ومعتنقي خرافة “نهاية الزمان” والأوليجاركية الرأسمالية الأمريكية الحاكمة، والخائفة من تهاويها ونهايتها، ولهذا تخطط للعودة على صهوة حركة شعبية مؤمنة بتلك الخرافات لتقودها نحو حروب إستعمارية مقدسة.
إن خطط توسع الكيان ليشمل ما بين نهري النيل والفرات جزء من الخرافة، وتمثل نقطة إنطلاق لإعادة السيطرة الإستعمارية، وخوض المعرك مع الروس والصينيين والإيرانيين تحت تصور أنهم الأشرار الذين سيحاربونا في معركة “هرمجدون”.
وفي الحرب الحالية على إيران تولى جنرالات وضباط حث الجنود على بذل الأرواح في تلك الحرب الدينية التي ستقود لظهور المسيح ونهاية الزمان، بل قالوا لهم إن تلك الحرب لا تتقيد بأي قوانين أو أعراف، والهدف هو سحق الأشرار بكل السبل، وتقدم 200 جندي بشكاوى من تلك الدعاية داخل مؤسسة الجيش الأمريكي.
إستغلال اليمين الإستعماري للمنظمات الدينية التكفيرية، وتحويلها إلى أدوات تحقق أطماعهم الإستعمارية ليست جديدة، فهو من أنشأ ورعى الجماعات الوهابية، واستخدمها في الحرب ضد الإتحاد السوفييتي، وبعد ذلك في تدمير دول المنطقة العربية، دون أن يتكلف عناء إطلاق رصاصة واحدة، فالأموال تأتي من دول الخليج التابعة أو الحليفة، والدعاية تأتي منهم عبر القنوات والدعاة، وتجييش شباب متحمس للموت “في سبيل المشروع الإستعماري”، بينما يعتقد حسب ما جرى بثه في عقولهم أنه من أجل دخول الجنة، والحصول على الحوريات.
إن نشأة “إسرائيل” جرت على أيدي علمانيين لم يكن بينهم مؤمنون أو متدينون، لكنهم وظفوا الدين اليهودي ليحقق مآربهم الإستعمارية، فهم من يستطيعوا تحمل إنشاء مستوطنات، ومجابهة الفلسطينيين، والصدام المستمر معهم، وإجبارهم على الهجرة، والآن أصبح هؤلاء المتدينين في قلب السلطة.
إن اليمين الإستعماري بجناحيه الليبرالي الداعي للعولمة الإقتصادية، والآخر المحافظ القومي الداعي ل”أمريكا أولا”، لا يختلفان في ضرورة إنشاء ودعم متدينين يجري حشو عقولهم بخرافات تسهل اقتيادهم لتحقيق مصالحهم، سواء في جماعات يهودية أو مسيحية أو إسلامية، وكذلك تجنيد يساريين سابقين في مشروعهم الإستعماري عبر تجنيدهم في منظمات حقوقية أو أخرى مخترقة بالتمويل.
هكذا نجد أدوات الهجمة الإستعمارية الجديدة، وقد وظفت الخرافات مع التمويل لتشكيل جيش قادر على الإطاحة بكل من يتصدى للمشروع الإستعماري الجديد، ووجدنا ترامب يتم وصفه بأنه الممهد لعودة المسيح، وكذلك نتنياهو، ليقودا العالم إلى “نهاية الزمان” حسب الجماعات الظلامية، أو يقودونه إلى الحرية حسب جماعات التمويل الأجنبي باسم ديمقراطية مزعومة، لتتلاقي كل تلك الجماعات لإنقاذ الرأسمالية من نهايتها.