
إن سيرة حياة أي انسان في ذاكرته بكل تفاصيلها وروائحها واخفاقاتها وانتصاراتها ومشاعرها ولا يمكن اقتحام الذاكرة مطلقاً وغالباً ما يمتلك الآخرون نسخة منقحة مكيفة منتقاة لكنها نسخة ناقصة لان قصة حياة أي انسان ليست موقفاً وأحداثاً بل تشابك ظروف معقدة ومشاعر ومن يملك قصة أخرى مختزلة فليحتفظ بها في ذاكرة صدئة كمخزن أثاث عفن مغلق.
إن حياة أي انسان مهما كانت تصبح أدباً لو كتبت بجمال وصدق.
لذلك قال ألبير كامو ” تعرفون اسمي ولكن لا تعرفون قصتي. تعرفون ما فعلت لكن لا تعرفون الظروف التي مررت بها. لذلك توقفوا عن الحكم علي وانشغلوا بأنفسكم.”.
الحياة مجموعة تفاصيل والقصة الحقيقية ليست في العنوان بل في التفاصيل المعقدة الخفية وكما يقول المثل الانكليزي: الشيطان في التفاصيل.
وقع العقيد قتيبة الشيخ آمر وحدة عسكرية في غرام فتاة كردية خلال جولة تفتيش عن البيش مركه في منطقة كلالة،
وعندما رأها لم يعد هو العقيد الصلب بالشوارب الشبيه بمحارب قوقازي خشن،
ولا الوجه المكفهر كمنجم صخور تعرض للتفجير، بل لم يعد هو العقيد ولا قتيبة ولا الشيخ،
كما لو أنه تلقى لطمة مباغتة على الرأس فجأة،
وكنت قريباً منه وأعرف أن الكولونيل الفظ تغير مصيره في تلك اللحظة،
وهو الآن يعاني من تصدع الذات والتداعي وموت الأنا وولادة أخرى. موت العقيد وولادة العاشق.
عندما نظرتُ للفتاة الواقفة خلف الأب والإخوة تأكد لي أن الكولونيل
لن يخرج من التجربة الصوفية سالماً وهذه اللطمة الطارئة على رأسه أكثر عصفاً من أي صاروخ ومن هجوم مسلح،
ولم يكن مهتماً بجنوده الذين يفتشون الأوكار ومخازن حطب الصنوبر والسرو، ولم يكن الآن ينتمي الى جيش ولا الى نفسه بل انسلخ من ذاته وانفصل عن العالم،
ولم تعد الفتاة كردية ولم يعد هو عربياً ، لقد إنتصر القلب البشري على الضغائن والسياسة،
وانهارت خطوط الجغرافيا وصار الثلج في الصحراء وصارت الصحراء ثلجاً.
لكنه من الجانب الاخلاقي كان شديد الصرامة بلا تجاوز،
ومن الجانب العسكري كان وحشاً بشرياً في ظروف بالغة التعقيد.
أسوأ ما في الأدب وضع الشخصيات في قالب نمطي:
الضابط في الحرب في التنميط لا يجب أن يكون عاشقاً وإنساناً ومتضامناً مع الخصم،
والطبيب يجب أن يكون دائما رحيماً ونزيهاً مع أنه قد يكون مجرماً،
والمجرم يجب أن يكون شريراً بالمطلق مع انه قد تكون له مواقف انسانية في لحظة ما،
وهذا “التنميط و الصورة النمطية Stereotype هو ما حذر منه الروائي ستاندال في” صومعة بورما” ونصح الحذر من هذه” الحافات الخطرة” لأن الانسان منجم صفات وقاع عميق وليس سطحاً
ووضع الشخصية في قالب واحد هو خلق شخصية ميتة من مجرد معرفة عنوان حدث او قصة واهمال تفاصيلها الهائلة وهذه خاصية العقل الاختزالي المحنط المتخلف.
كنا يومها في بلدة” كلالة” المعقل التاريخي ومقر المرحوم مصطفى البرزاني ورغم أن الحركة إنتهت بعد إتفاقية الجزائر،
و خروج مصطفى وأولاده مسعود وإدريس مع عيسى سوار رئيس جهاز الاستخبارات البارستن الى إيران عن طريق حاج عمري المنفذ الحدودي الأخير،
وتقدم الجيش تحت الثلوج الذائبة في هجوم الربيع الأخير، بلا مقاومة سوى بالاسلحة الخفيفة المتفرقة،
لأن شاه إيران سحب المدفعية الثقيلة وقاذفات الصواريخ،
لكن الحركة عادت سريعاً الى اسلوبها التقليدي في حرب عصابات وكمائن ومهاجمة ربايا وقطع الطرق والقنص… والخ.
كانت قد مرت سنوات على نهاية الحركة الفعلي وتخلي الشاه،
وكانت الكلمة الأخيرة للملا مصطفى من إذاعة قضاء جومان من كهف:
” إن الشعب الكردي لا صديق له”
وكان الى جواره الابن مسعود الذي سيكرر العبارة نفسها عام 2017 بعد فشل الاستفتاء .
دخلت منزل مسعود في قضاء جومان وسياجه الخارجي أحجار ضخمة بارتفاع متر تقريباً وخلفه اذاعة الحزب بعد تدميرها من قبل الحركة وفي المنزل حديقة يشطرها ممر حجري ،
وفي الجانب الايمن من الحديقة ملجأ أرضي مموه بالعشب يفتح برفع صخرة
ولا يبعد المنزل أكثر من مئة متر عن جسر جومان وجواره فرن للخبز المؤدي الى رايات وحاج عمران.
عندما عدنا من نوبة التفتيش ولم نعثر على أحد أو شيء، كان العقيد الشيخ في غيبوبة تامة،
لم يكن معنياً بأي حرب ولا ثلوج ولا جبال ولا جيش. إنتهى الكولونيل الصارم وولد العاشق من نظرة واحدة.
كنت ضمن طاقم مدرعة بعجلات بلغارية الصنع تعمل مع الوحدة وليست منها وفي التعبير العسكري : ضيوف،
وكان العقيد يجلس في المقدمة جوار السائق وبين دقيقة وأخرى يطلب سيجاره، ثم يطلب أخرى والسيجارة السابقة في فمه،
وكنا جميعاً نتبادل النظرات ونتحاور عبرها لأننا نعرف شخصية العقيد السابقة،
قبل أن تضربه الصاعقة ويموت فيه الكولونيل العريق وينبثق فجاة العاشق الفتي.
ذهب العقيد للبحث عن مسلحين فوقع في كمين غرامي، ومن يعرفه جيداً يعرف ان هذا العقيد الهرم في الظاهر صاحب الغراميات المتاخرة قبل التقاعد مستعد لخوض حرب طروادة أخرى من اجل هيلين حتى النفس الأخير،
ولا شيء اسمه الهزيمة هو الذي يركض قبل الجنود فوق الجبال لكن هذه حرب مختلفة في القلب ولا تنفع الالقاب العسكرية ولا الجيوش ولا الاسلحة.
تقدم العقيد الى الأهل لخطوبة الفتاة بعد حصول موافقة القيادة العسكرية،
وكنا كالعادة في مدرعة شهود حفل الخطوبة ووافقت العائلة لكن العشيرة رفضت بالمطلق،
وتكررت المحاولة والموقف نفسه، وفي النهاية تمت الخطوبة رغم رفض العشيرة، وأهداها خاتماً ذهبياً وقلادة تنتهي بقلب أحمر يعكس لوعة قلب الكولونيل،
وأهدته باقة ورد من زهور برية.
تصالح الشمال مع الجنوب في رمزية باهرة. صار العقيد يخترع مناسبة للتفتيش لرؤية الخطيبة بلا سبب حربي ولم نكن نفتش لاننا نعرف القصة،
وكان من الواضح أن الفتاة مهتمة بكولونيل الجيش الواقع في فخ.
تزوج الكولونيل من ذلك الوعل الجبلي النافر وكنا في موكب العرس
نطلق الرصاص على الجبال والثلوج ونخترق طريق هاملتون الواقع بين جبل هندرين وجبل زوزك ،
وكان العريف جفات يغني بعد جرعات من قنينة ربع ويسكي مهرب من راوندوز :
” اللي ما جاسك فكر بالليل ما جاسك سهر
ياللي بين حواجبك غفوة نهر
يللي جرّة سما بعينك خاف أفززهه من أگلك
آنا أحبك .. آنا أحبك”
وعند الكلمة الأخيرة وقعنا في كمين مسلح في طريق هاملتون الذي يربط
بين راوندوز وحاج عمران في مضيق برسلين الضيق والوعر بين جبال شاهقة،
من اليسار جبل هندرين ومن اليمين جبال زوزك، وكان الرصاص كالمطر فوق مدرعة العرس لكنه يرتد،
وكان العقيد مستعداً لهذه المعركة أكثر من غيرها،
وفشل الكمين لأن كولونيل الغراميات المتأخرة كان مع العروس الأسطورية
في مدرعة مضادة للرصاص،
وكانت المسكينة قد وجدت نفسها في وضعية غريبة لأنها كانت قبل دقائق في الجانب الاخر من الجبل الضاج بالبيش مركه، وهي الآن في مدرعة وقتال بين عشيرتها والجيش.
لكن وحدة الكولونيل دخلت في حرب أخرى مع العشيرة لا علاقة لها بالسياسة وتقرير المصير، وصار محاربو البيش مركه يحاربون لأجل قضية جديدة،
وكنا نحن أيضاً في حرب أخرى كما لو في مسرح شكسبيري دموي،
لم نعد جنوداً في جيش ولم يعودوا مسلحي قضية بل من أجل ثأر.
كنا في حرب طروادة ندافع عن مملكة سبارطة جديدة للملك قتيبة الشيخ.
الى أن وقعت الكارثة عندما نصب البيش مركه كميناً محكماً في منعطف طريق جبلي لسيارة” إيفا” تقل جنوداً جنوبيين مجازين فرحين من وحدة الكولونيل،
وعندما مرت الشاحنة دحرجوا صخرة كبيرة كانت على الحافة وسحقت الجنود ونزلوا وقتلوا أحد عشر جندياً،
وكان مشهداً فوق الاحتمال عندما حضرنا بمدرعة للمكان، وعثرنا على جندي حي إختبأ تحت الشاحنة خلف عجلة،
وتمكن من اطلاق النار على المنسحبين وأصاب واحداً، وعثرنا على خيط الدم بين الصخور لكنه لم يكن موجوداً.
خلال محكمة عسكرية فورية تقرر إعدام العقيد لعدم توفير الحماية الكافية للشاحنة مع وقف التنفيذ ونقل صلاحياته السابقة الى المساعد النقيب.
في انتظار التنفيذ كان العقيد ينزل نحو مجرى مائي صخري وحيداً ويرمي الحصى في السيل الهادر،
كان صخب السيل يغطي على صخب القلب وكان المشهد الحزين يتكرر كل يوم وكان هو كنسر هرم.
مع الوقت صار يذبل في إنتظار التنفيذ وفي منتصف ليلة شاهدنا تحت ضوء القمر رؤية عجيبة:
العقيد الشيخ يرقص باللباس الداخلي تحت الثلج أمام غرفته الحصينة:
صدر قرار بالغاء الحكم والاكتفاء بعقوبة انضباطية وعندها أصدر أمره الأخير احتفالاً:
” أطلقوا النار من فوق الربايا”
وهي ايضا مخالفة عسكرية لانها بلا سبب عسكري لكن مع الكولونيل العاشق تزول المحظورات.
اندلع من فوق الجبال الرصاص الاحمر المذنب في الليل:
لقد نجت مملكة سبارطة وانتصر العاشق وكل الحروب حروب ديكة عدا حرب هيلين.