رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : عملية الحرية فشلت … هل ينسحب ترامب !! مجلس الأمن ملاذ المهزومين !!

عملية الحرية فشلت … هل ينسحب ترامب  ؟!
مجلس الأمن ملاذ المهزومين  !!

ميخائيل عوض  / لبنان

في لحظةٍ مفصلية في تاريخ الصراع الدولي، تتكاثر المؤشرات والوقائع التي توحي بأن العالم يقترب من نهاية مرحلةٍ وبداية أخرى. مرحلةٌ تتداعى فيها بنية الهيمنة القديمة، وتبرز فيها معادلات جديدة تعيد تشكيل القوة والنفوذ. في هذا السياق، لا يأتي اللجوء إلى مجلس الأمن بوصفه أداة فاعلة، بل كخيار اضطراري يعكس العجز والانكشاف.
ننطلق من فرضية أساسية: أن التحولات الجارية ليست مجرد أحداث متفرقة، بل مسار تراكمي يقود إلى كسر نظام دولي تشكّل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وتكرّس عبر أدوات سياسية وقانونية استخدمت غالبًا لتعليق حقوق الشعوب لا لتحقيقها. فالتجربة العربية مع القرارات الدولية، من فلسطين إلى لبنان، تُظهر بوضوح أن هذه القرارات بقيت حبرًا على ورق، تُستخدم حين تخدم موازين القوى، وتُعطّل حين تعارضها.
في هذا الإطار،  التوجّه الأمريكي نحو مجلس الأمن كدليل تراجع. فالدولة التي أعلن رئيسها ترامب يومًا أن “القانون الدولي هو أنا” واعتبر نفسه بديلاً عن المؤسسات الدولية فأنشأ مجلس السلام الذي هو في حقيقته مجلس حرب، يعود اليوم ليطلب غطاءً من نفس هذه المؤسسات. هذا التحوّل لا يُفهم، بحسب الطرح، إلا في سياق فشل الأدوات العسكرية والاقتصادية في تحقيق الأهداف المعلنة، خصوصًا في المواجهة مع إيران.

يُبرز التحليل أن الحروب الأخيرة، بما فيها المواجهة المفتوحة في الخليج وتداعياتها، لم تحقق للولايات المتحدة وحلفائها النتائج المرجوة. بل على العكس، كشفت حدود القوة، وأظهرت أن السيطرة على الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز لم تعد ممكنة بالمعادلات القديمة. ومع تعثر محاولات فرض وقائع جديدة، يصبح اللجوء إلى مجلس الأمن محاولة لإعادة إنتاج النفوذ بوسائل سياسية بعد فشل الوسائل الصلبة.
لكننا نذهب أبعد من ذلك، نعتبر أن مجلس الأمن نفسه لم يعد كما كان. فالتوازنات التي كانت تسمح بتمرير القرارات أو تعطيلها تغيّرت جذريًا، خصوصًا منذ الأزمة السورية، حيث برز الفيتو الروسي–الصيني كأداة كسر للهيمنة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد المجلس منصة مضمونة النتائج، بل ساحة تعكس صراع القوى لا تحسمه.
في هذا السياق، يتحول أي قرار محتمل إلى مجرد إعلان موقف، لا يمتلك أدوات تنفيذ. فالقوة، كما يؤكد الطرح، هي شرط التنفيذ، لا النصوص القانونية. ومع غياب هذه القوة أو توازنها، تفقد القرارات قيمتها العملية، وتصبح جزءًا من معركة سرديات لا أكثر.
من هنا، إن لجوء واشنطن إلى مجلس الأمن بعد التصعيد العسكري يعتبر اعتراف ضمني بالفشل. فالقوة التي لم تستطع فرض شروطها في الميدان، تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه. وهذا السلوك، في منطقه، هو سلوك المهزوم لا المنتصر.

وفي موازاة ذلك، يربط التحليل بين هذا التراجع وبين صعود قوى جديدة ضمن ما محور “أوراسيا الصاعدة”، حيث تتشكل كتلة دولية قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي، وتمنع استخدام المؤسسات الدولية كأدوات أحادية. هذا التحول يعيد تعريف الصراع من هيمنة أحادية إلى توازن متعدد الأقطاب.

*أولاً: التجربة التاريخية مع مجلس الأمن والشرعية الدولية*
ننطلق من مراجعة نقدية للتجربة العربية مع مجلس الأمن والقرارات الدولية، نعتبر أنها تجربة غنية بالدروس، لكنها في الوقت نفسه كاشفة لطبيعة هذا النظام. فمنذ قرار تقسيم فلسطين، مروراً بقرارات حق العودة، وانتهاءً بالقرارات المتعلقة بلبنان، لم تُطبّق هذه القرارات رغم وضوحها وصراحتها. والسبب، بحسب الطرح، لا يكمن في غموض النصوص، بل في غياب أدوات التنفيذ وهيمنة قوى قادرة على تعطيل ما لا يناسبها.

في زمن الثنائية القطبية، كانت القرارات تُفرغ من مضمونها بسبب توازن الردع بين القوتين العظميين. أما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد تحوّل مجلس الأمن إلى أداة شبه خاضعة للهيمنة الأمريكية، تُستخدم لتبرير الحروب أو فرض العقوبات أو شرعنة التدخلات. وهكذا، لم يكن المجلس يوماًو، مؤسسة مستقلة تحقق العدالة الدولية، بل ساحة تعكس ميزان القوى وتخضع له.

*ثانياً: سوريا أعادت روسيا إلى الواجهة …الحرب على سوريا كسرت هيمنة القطب الواحد*
إن التحول الفعلي في موازين القوى الدولية لم يبدأ من لحظة صعود قوى جديدة بشكل منفصل، بل من المحطة السورية تحديدًا، حيث شكّلت الحرب على سوريا نقطة انعطاف استراتيجية أعادت رسم قواعد الاشتباك الدولي. ففي هذه الساحة، لم تكتفِ روسيا بالدعم السياسي التقليدي، بل انتقلت إلى موقع الفعل المباشر، مستخدمة أدواتها العسكرية والدبلوماسية بشكل متكامل، ما أعادها إلى واجهة القوة العالمية بعد سنوات من التراجع الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا التدخل لم يكن مجرد إنقاذ لحليف، بل كسرٌ عملي لمحاولة استخدام مجلس الأمن والمنظمات الدولية كأدوات تمرير للسياسات الغربية، خاصة بعد تجربة ليبيا التي نعتبرها لحظة خداع استراتيجي دفعت موسكو إلى تغيير سلوكها جذريًا. ومنذ تلك اللحظة، ومع استخدام الفيتو الروسي–الصيني بشكل متكرر، سقطت إمكانية فرض قرارات أحادية، وتكرّس توازن جديد جعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تدير العالم وفق منطق الهيمنة المنفردة. بهذا المعنى، تصبح سوريا ، ليست مجرد ساحة حرب إقليمية، بل نقطة الانطلاق الفعلية لعالم متعدد الأقطاب، حيث عادت روسيا لاعبًا ندّيًا، وبدأت ملامح نظام دولي مختلف بالتشكّل.

*ثالثًا : التحول الأمريكي من الهيمنة إلى الاستعانة*

في واحدة من أبرز مفارقات المرحلة، نشير  إلى أن الولايات المتحدة، التي أعلن رئيسها صراحة استخفافها بالقانون الدولي، تعود اليوم لتلجأ إلى مجلس الأمن. فالرئيس الأمريكي، الذي سبق أن قدّم نفسه بوصفه المرجعية العليا، متجاوزاً المؤسسات الدولية، بل وساعياً إلى استبدالها بأطر تخدم رؤيته.

لكن هذا الخطاب تغيّر مع تعثر المشاريع العسكرية والسياسية، خصوصاً في المواجهة مع إيران. فبعد التهديدات المباشرة والتصعيد الواسع، لم تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها، ما دفعها إلى البحث عن غطاء سياسي عبر مجلس الأمن. هذا التحول، ليس تكتيكاً عادياً، بل اعتراف ضمني بالفشل والهزيمة.

*رابعاً: فشل “عملية الحرية”… حين هزمت الجغرافيا السردية*

لا تُفهم “عملية الحرية” التي أعلنها دونالد ترامب كخطوة عسكرية تقليدية، بل كمحاولة استعراضية لفرض واقع معنوي يعوّض عجزًا ميدانيًا متراكمًا. فقد قُدّمت العملية تحت عناوين حماية الملاحة وتحرير السفن المحتجزة، في محاولة لإعادة تثبيت صورة السيطرة على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. لكن، بحسب الطرح، ما جرى على الأرض كشف فجوة عميقة بين الخطاب والقدرة. فالفكرة التي بُنيت عليها العملية – أي إيجاد ممر بديل بمحاذاة السواحل لتجاوز المعادلة القائمة في مضيق هرمز – لم تكن سوى تقدير سطحي لطبيعة الجغرافيا وتعقيداتها، وكأن المكان مجرد خطوط على خريطة يمكن إعادة رسمها بقرار سياسي.

إن الجغرافيا في هذا السياق لم تكن عاملًا صامتًا، بل تحولت إلى “مقاتل” فعلي يعرف أرضه ويعيد فرض قوانينه على من يجهلها. حادثة تعثّر المدمرتين الأمريكيتين واحتجازهما بين الصخور تُقدَّم كرمز مكثف لهذا الفشل: قوة بحرية ضخمة، بتقنياتها المتقدمة، تُربكها تضاريس المكان وتفاصيله الدقيقة، فتسقط فكرة السيطرة السهلة، ويتبدد وهم القدرة على فرض ممرات بديلة. هنا، لا يكون الإخفاق تقنيًا فقط، بل استراتيجيًا، لأنه يكشف قصور الفهم قبل قصور التنفيذ ونضيف “ربما عليهم طلب مساعدة الحرس الثوري الإيراني لإخراج المدمرتين من الصخور” للدلالة على حجم الغرور الأمريكي وواقع العجز الاستراتيجي واللوجستي لقواتها العسكرية.

وفي هذا الإطار،  إعلان “عملية الحرية” وما تبعه من تبريرات بأنه أقرب إلى “مسرحية سياسية” جرى تسويقها بسرعة، ثم سحبها بالسرعة نفسها تحت ذرائع دبلوماسية، مثل الاستجابة لطلبات دول أخرى أو إعطاء فرصة للمفاوضات. هذا التراجع السريع، وفق القراءة، لا يعكس مرونة تكتيكية بقدر ما يعكس ارتباكًا أمام واقع لم يُحسب حسابه بدقة.

فالمسار الذي قُدّم كاختراق استراتيجي انتهى إلى لا شيء، بل أضاف إلى سجل الإخفاقات مؤشرًا جديدًا على محدودية القدرة على تغيير قواعد اللعبة في بيئة معقدة.

الدلالة الأعمق لهذه العملية   ، تتجاوز الحدث نفسه إلى ما يكشفه من تحوّل في ميزان القوى: لم يعد بالإمكان فرض الإرادة عبر استعراض القوة أو عبر ابتكار مسارات التفافية، لأن البيئة الاستراتيجية – بجغرافيتها وقواها الحاضرة فيها – باتت قادرة على امتصاص الصدمة وإفشالها. وهكذا، تتحول “عملية الحرية” من مشروع لإعادة تثبيت الهيمنة إلى دليل إضافي على تآكلها، ومن محاولة لفرض واقع جديد إلى اعتراف غير مباشر بأن الواقع القائم أقوى من محاولات تجاوزه.

*خامسًا:  “بين تغريدتين”… سردية الحرية التي انكشفت على وقع التراجع*

قراءة تفكيكية دقيقة لتغريدتي دونالد ترامب حول ما سُمّي “عملية الحرية”، معتبراً أن الفارق بينهما لا يعبّر عن تطور ميداني، بل عن انهيار سردية كاملة خلال أيام قليلة.

ففي التغريدة الأولى، يُعلن ترامب إطلاق العملية استجابةً لطلبات “دول” لم يسمّها، ولـ“بحّارة” قيل إنهم محتجزون ويحتاجون إلى تدخل أمريكي لتحريرهم. هنا، نلفت إلى عنصرين أساسيين: الغموض المتعمّد في تحديد الجهات الطالبة، وغياب أي مؤشرات واقعية على وجود استغاثة فعلية من البحّارة أنفسهم. ما يعني، في منطقه، أن الإعلان لم يكن مبنياً على معطيات ميدانية صلبة، بل على محاولة تصنيع مبرّر سياسي–إعلامي لتدخل مُراد له أن يبدو مشروعاً وضرورياً.

ثم تأتي التغريدة الثانية ليل الأربعاء، بعد أيام ثلاث على التغريدة الأولى ، لتقلب المشهد بالكامل. إذ يعلن ترامب وقف العملية “استجابةً لطلبات باكستان ودول أخرى”، وبالاتفاق مع إيران وهي المرة الأولى التي يستعمل فيها ترامب عبارة وبالاتفاق .ويتحدث عن “إعطاء فرصة للمفاوضات”.
إن التحول ليس لغوياً فقط، بل استراتيجي في دلالته. فذكر باكستان بالاسم، بعد أن كانت “الدول” مجهولة، يكشف – بحسب القراءة – عن ضغط حقيقي من كتلة إقليمية–دولية رفضت الانخراط في التصعيد، ما أجبر واشنطن على التراجع خاصة وأن ذكر باكستان يعني الصين ضمنيا . أما إدخال عبارة “الاتفاق مع إيران”، فهي في نظره أخطر ما في التغريدة، لأنها تمثل انتقالاً من خطاب التهديد والتدمير إلى خطاب الاعتراف بخصمٍ لا يمكن المرور إلا بالتفاوض معه.

بل أبعد من ذلك، نعتبر أن هذه الصياغات المتناقضة خلال فترة زمنية قصيرة تعكس ارتباكاً في إدارة الحدث، ومحاولة متأخرة لإعادة تأطير الفشل ضمن سردية دبلوماسية. فبدلاً من الاعتراف بأن العملية لم تحقق شيئاً، يجري تقديم التراجع على أنه قرار سيادي هدفه فتح باب التفاوض. لكن، في التحليل التفكيكي، يظهر أن التفاوض هنا ليس خياراً من موقع قوة، بل مخرجاً من مأزق لم يعد قابلاً للاستمرار.

كما نلفت إلى أن توقيت التغريدة الثانية، وسرعة الانتقال من التصعيد إلى التهدئة، يشيران إلى أن ما جرى لم يكن جزءاً من خطة مدروسة، بل نتيجة صدمة واقع ميداني لم يتوافق مع التوقعات. فلو كانت “عملية الحرية” ناجحة أو حتى قابلة للاستمرار، لما كان هناك هذا الانقلاب السريع في الخطاب، ولا هذا التبدل في مفردات القوة إلى مفردات التفاهم.

في المحصلة،  إن ما بين التغريدتين ليس مجرد تغيير موقف، بل انكشاف لحدود القدرة الأمريكية على فرض الوقائع. فالتغريدة الأولى تمثل ذروة الادعاء بالسيطرة، بينما الثانية تجسد لحظة الاعتراف الضمني بالعجز. وبينهما، تتهاوى سردية “العملية” من مشروع استراتيجي إلى مشهد سياسي مرتبك، يُعاد إخراجه على عجل لتفادي الإقرار الصريح بالفشل.

*سادساً: دلالة اللجوء إلى مجلس الأمن – اعتراف بالهزيمة*
في قلب التحليل،   فكرة أن لجوء أمريكا إلى مجلس الأمن في هذه اللحظة تحديداً هو بحد ذاته مؤشر على الهزيمة. فالقوة التي تعلن أهدافاً كبرى، مثل تدمير خصم أو السيطرة على موارده، ثم تعود لتطلب قراراً دولياً، تكون قد انتقلت من موقع الفاعل إلى موقع الباحث عن مخرج.

هذا السلوك، وفق الطرح، يعكس محاولة لإعادة صياغة النتائج وتقديمها بصورة مقبولة سياسياً، حتى لو كانت مغايرة للواقع الميداني. فبدلاً من الاعتراف المباشر بالفشل، يتم اللجوء إلى المؤسسات الدولية لإنتاج سردية بديلة.

إن أي قرار سيتخذ في مجلس الأمن سيكون الفيتو الصيني الروسي حاضرا لو جاء في غير مصلحة إيران وزيارة عراقجي الأخيرة إلى الصين جاءت لتثبت هذا المعطى. بل أكثر من ذلك أنه من المحتمل جدا أن يكون القرار من مجلس الأمن في صالح إيران.
فالعالم الانغلوساكسوني الذي وضعته إيران في حجم يتضاءل بتحريرها مضيق هرمز لم يعد قادرا على ادعاء فضاء قرار واسع في مجلس الأمن أو غيره.

*سابعًا: صعود أوراسيا وتغيّر ميزان القوى العالمي*
هذه التطورات ضمن إطار أوسع يتمثل في صعود  “أوراسيا”، أي الكتلة التي تضم روسيا والصين وإيران وباكستان وقوى إقليمية أخرى. هذه الكتلة، بحسب التحليل، لم تعد في موقع الدفاع، بل بدأت تفرض معادلات جديدة، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن.

هذا الصعود ترافق مع تراجع حقيقي في النفوذ الأمريكي، نتيجة الفشل العسكري الذي ألحقته إيران بالقوات والسياسة الامريكية، بل أيضاً نتيجة الضغوط الاقتصادية والتحديات الداخلية. ومع هذا التحول، يصبح من الصعب على أي قوة أن تفرض إرادتها منفردة، ما يفتح الباب أمام نظام دولي متعدد الأقطاب.

*ثامناً: بين الانكفاء والتصعيد – احتمالات المرحلة القادمة*
رغم كل ما سبق،  إن الصراع قد انتهى أو أن المخاطر زالت. بل نؤكد أن المرحلة القادمة قد تشهد محاولات جديدة لاستعادة المبادرة، سواء عبر تصعيد عسكري محدود أو عبر أدوات سياسية واقتصادية مختلفة. فالقوى التي تخسر لا تنسحب بسهولة، بل تحاول تعديل ميزان القوى بأي وسيلة ممكنة.

وفي هذا الإطار، تبقى احتمالات المواجهة قائمة، خصوصاً في ظل التعقيدات المرتبطة بالملفات الإقليمية والدولية. إلا أن هذه المحاولات، حتى لو حدثت، ستجري ضمن قيود جديدة لم تكن موجودة في السابق.

*تاسعاً من زمن الهيمنة إلى زمن التوازن*

نختصر  المشهد في معادلة واضحة: العالم ينتقل من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة التوازنات المعقدة. وفي هذا الانتقال، تفقد المؤسسات الدولية دورها التقليدي كأدوات بيد الأقوياء، وتتحول إلى ساحات تعكس الصراع بدل أن تحسمه.

مجلس الأمن، في هذه القراءة، لم يعد مركز القرار الدولي، بل مرآة لأزمة النظام العالمي. واللجوء إليه لم يعد دليلاً على القوة، بل على الحاجة والعجز. وهكذا، يصبح فهم هذه التحولات شرطاً أساسياً لفهم ما يجري اليوم، واستشراف ما قد يحمله الغد من تغيرات أعمق.

  إن ما يجري لا يعني نهاية الصراع أو غياب المخاطر. فإمكانية التصعيد تبقى قائمة، ومحاولات استعادة المبادرة قد تتخذ أشكالًا مختلفة، بما فيها الضربات المفاجئة أو المناورات السياسية. إلا أن الاتجاه العام، بحسب القراءة، يسير نحو تقييد القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة.

في الخلاصة، يقدّم الطرح معادلة واضحة: حين تفشل القوة في الميدان، يُستدعى القانون كبديل، لا كمرجعية. وحين يُستدعى مجلس الأمن في لحظة صراع مفتوح، فإنه لا يكون أداة حل، بل مؤشر أزمة. بهذا المعنى، يصبح المجلس، في هذه المرحلة، ملاذًا للضعفاء، لا منصة لصناعة القرار الدولي.

هذه القراءة لا تفصل بين الحدث والسياق، بل تضعه ضمن مسار أوسع من التحولات، حيث يتراجع القديم بصخب، ويولد الجديد وسط صراع مفتوح على شكل العالم القادم.

🖊 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى