
يقول الروائي والمفكر أندريه مالرو لا يمكن لأحد خاض حرباً ونجا منها، رغم انه خاض ثلاث حروب : الحرب الاهلية الاسبانية في 1937 كمتطوع في الفيلق الأممي مع الجمهوريين ضد الملكيين وكتب رواية” الأمل” ،
وشارك في الحرب العالمية الثانية في المقاومة الفرنسية، و عاش الصراع في الهند الصينية في العشرينات واطلع على السياسة الاستعمارية الفرنسية ووقف ضدها وكتب روايته” الوضع البشري” لكن نجاته كانت نظيفة وخلاقة بالأدب والفكر.
هو لا يقصد النجاة الجسدية بل النفسية لأن الداخل للحرب ليس كالخارج منها حيث تتحطم منظومة كاملة من القناعات والقيم والثوابت ويتغير معنى الحياة.
ما يلوح للآخرين، بنظرة سطحية مختزلة ومبسطة، كمرض نفسي للجنود العائدين من الحرب هو في الحقيقة موت العالم القديم وانهيار صورة الحياة التقليدية وليس من السهل الخروج من منزل هادئ الى ساحة قتل وجثث وعالم متوحش وتبقى كما أنت. حتى التماثيل تنهار في المعارك.
الخروج من الحطام يتطلب ولادة جديدة لأن النجاة الجسدية فعل غريزي وأما التعافي فهو عملية خلق وصياغة للذات من جديد وهو غير متاح للجميع كما في حالة مالرو وأرنست همنغواي الذي شارك في الحربين العالميتين والحرب الاهلية الاسبانية وكتب روايته الخالدة” لمن تقرع الأجراس”و” وداعا أيها السلاح”.
في ” وداعا أيها السلاح” يهرب فردريك هنري من الحرب مع الممرضة كاترين لكنها تموت في الطريق. في المستشفى طلب وداعها للمرة الاخيرة في غرفة الموتى . أطفأ الضوء وتأملها ثم خرج في الليل. يقول:
” “لقد كان الأمر يشبه توديع تمثال. وبعد فترة خرجتُ وتركتُ المستشفى ومشيتُ عائداً إلى الفندق تحت المطر.” لم يكن يسمع سوى وقع خطواته في الطريق.
كان قد رأى ان الحب هو العلاج الوحيد من الحرب ورغم أن “الحرب تكسر الجميع ” لكن القوة في كيفية التئام الجرح لا البقاء في منطقة الجرح. في جسد همنغواي حوالي 60 شظية.
هو ما نجده في رواية” ليلة لشبونة” لــــ أريك ماريا ريمارك حيث الحب ثغرة النجاة الوحيدة من وحشية الحرب عندما هرب” جوزيف” من جحيم النازية، مع ” هيلين” التي صارت “المكان الوحيد الذي ينتمي اليه”.
كان وجود هيلين معه يعمل كمضاد حيوي من الكراهية وسموم النازية. في ليلة واحدة اختصرت” ليلة لشبونة” تاريخ أوروبا الملطخ بالعار.
النجاة من الحرب ليست خلاصاً جسدياً للمحاربين فحسب، بل استعادة الانسان لآدميته في قلب الضجيج حتى للناس العزل الذين قطعت الحرب ايقاع الحياة العادي.
القنابل التي تسقط فوق المدن تسقط فوق اللغة وفوق المعاني القديمة كالسلام والأمان وتختبر قوة أو هشاشة العلاقات الانسانية في لحظات قاسية وولادة علاقة سريعة لان الغد غير مؤكد وفي شعوب كثيرة ظهرت تيارات ادبية وفكرية وفنية وفلسفية جديدة نهاية كل حرب ومراجعة الأفكار والتقاليد التي قادت الى الحرب.
المفارقة الغريبة أن العراقي الذي يعيش في كوارث سياسية وحربية واجتماعية منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم لكنه يستغرب عندما تكتب له شيئا عن تلك الأحداث ويجدها محزنة مع انه في قلب دوامة مستمرة.
رغم أن العراق عاش حروبا عدة منذ أوائل السبعينات 1973 حرب اكتوبر، 1974 حرب الجبال، 1980 الحرب مع ايران، 1990 حرب الكويت، 2003 حرب احتلال العراق، ورغم أن كل شيء قد تحطم لكن اللغة والأفكار والقناعات نفسها لم تتغير في الجوهر . هناك شيء ما صلب محنط لا ينكسر. اللغة ليست إطاراً أو ديكوراً بل حامل مضامين ومن المستحيل التفكير بلا لغة.
كان كل شيء ساكناً الساعة 5:45 صباح 17 كانون الثاني عام 1995 في بلدة كوبي اليابانية، لكن بعد أقل من دقيقة تغير شكل اليابان بصورة حاسمة، زلزال مدمر ضرب البلدة وعصف بها وبجسورها وعماراتها المقاومة للزلازل وتبعه عصف مائي وامطار وموت أكثر من 6 آلاف وصار ارتفاع المياة يصل للطابق الخامس، قيامة كبرى.
كشف الزلزال عن الوجه الآخر للحياة: سرعة انكسار وهشاشة الحياة وخداع المظاهر. عشر ثواني غيرت تاريخ اليابان. الشعب الحي يستجيب للتحدي ولا يتداعى. المحن تكشف أسس المجتمع صلابةً أم خواءً. كتب الروائي الياباني هاروكي موراكامي روايته” بعد الزلزال” عن تلك الثواني التي غيرت اليابان.
يقول الروائي الالماني أريك ماريا ريمارك:
” القنابل التي سقطت فوق برلين، انما سقطت فوق اللغة والمسرح والصداقة”.
على رأس من سقطت أطنان القنابل في العراق والحروب والحصارات والصراعات والمذابح وجعل القناعات القديمة مستمرة؟
كل شعوب العالم نهاية كل حرب تتجه لبناء الحاضر لكننا من الشعوب ربما الوحيدة الباقية على وجه الأرض التي تلوذ بالماضي كملجأ حماية وبدل دولة مدنية عودة للمكونات البدائية الأولى يلخصه قول الشاعر الجواهري في الأمل بعودة الماضي:
“لعلّ الذي ولّى من الدهرِ راجعُ ـــــ فلا تبتئسْ إنْ ساءَ طبعٌ وطابعُ”.