
أيا وجعي…
يا عشباً بريَّاً
ينبتُ بين مساماتِ الجسدِ
كما يتسرّبُ الماءُ
بين أصابعِ الظمأ
أسمعُ لك خريراً
كأنك نهرٌ
يحفظُ سرَّ الطفولة،
لكنني
كلما اقتربتُ منك
لم أجد
غيرَ السراب.
مدنٌ من أطلال
يسكنها بومُ الليل،
يحرسُ آخرَ ضحكةٍ
هربت
من فمِ الفرح.
هناك…
عند حافةِ الذاكرة
يجلسُ حبٌّ قديم
يحدّثُ ظلَّه
عن امرأةٍ
كانت تشبهُ الصباح
ثم تعلّمت
كيف تغمدُ القُبلَ
في خاصرةِ الكذب.
ضوءٌ يتسكّع
في الأزقةِ
كطفلٍ بلا أم،
وشمسٌ متعبة
تحملُ عمرَها
فوق كتفيها،
وقمرٌ مسكين
يبتلعه حوتُ العتمة
كلما حاول
أن يلمعَ
فوق ماءِ البلاد.
والأطفال…
ما زالوا يصرخون
ببراءةِ الطين:
يا حوتة يا منحوته
حلّي قمرنا العالي…
ترنيمةٌ
ولدت من حضنِ الجهل،
لكنَّها
كانت أكثرَ صدقاً
من خطبِ الساسة.
الأطفال
كانوا يلعبون بالطين،
أما الكبار
فكانوا
يلعبون بالأوطان
هنا…
تحجّرت الألعاب
وصار الطينُ
وجعاً يابساً
في أصابع الزمن
عيونٌ بعيدة
مهاجرةٌ نحو المنافي،
تحملُ حقائبها
المملوءة
بغبارِ البيوت
وحبيبةٌ
تعلمت جيداً
كيف يكون الخنجر
أكثر بلاغةً
من العناق
ووطن…
يمشي حافيًا
بين إمبراطوريتين:
واحدٌ
اسمه كسرى
ما زال يفتّشُ
في جيوب التاريخ
عن مفاتيح بغداد،
وآخر
يرتدي درعَ الروم
ويبتسم
كلما سقطت
مدينةٌ عربية
أما اللصوص
فليسوا غرباء.
إنَّهم
أولئك
الذين يجلسون الآن
فوق أرصفة الوطن
ويقسمون
أنهم
حرّاسه
باعوه…
كما يُباعُ الحصانُ العجوز
في سوق الخيانة
ثم عادوا
ليكتبوا
على بوابته:
نحن شركاء الوطن
يا وجعي…
أيها العابرُ
بين أضلعي
كريحٍ تعرفُ الطريق
قل لي:
كم وطناً
يجب أن يُذبح
كي يتعلمَ الناس
أن الأوطان
ليست غنائم…
وأن الخيانة
لا تصنعُ تاريخاً
بل مقبرة
بقلم: حامد الضبياني