
بعد وقف النار الحرب مستمرة… والخطر أشد على لبنان وساحات أخرى. !!
ميخائيل عوض / لبنان
مع لحظة وقف إطلاق النار، لا تُطوى صفحة الحرب كما قد يبدو، بل تُفتح فعليًا على فصلها الأكثر تعقيدًا وخطورة: “يومها الثاني”. ففي هذا اليوم تحديدًا، تنتقل المعركة من ساحات الاشتباك المباشر إلى فضاءات أوسع وأعمق، حيث تُختبر القدرة على استثمار النصر لا مجرد تحقيقه. ذلك أن وقف النار لا يعني إلا تعليقًا مؤقتًا للأدوات العسكرية الصاخبة، فيما تستمر الحرب بأشكال أكثر تركيبًا: سياسية، أمنية، اقتصادية، وإعلامية، وغالبًا ما تكون أشد أثرًا وأطول نفسًا.
في هذه المرحلة، تتبدل معايير القوة؛ لم يعد التفوق يقاس بعدد الصواريخ أو صلابة الجبهات، بل بمدى القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع مستقر ومُنتج. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: فكم من انتصار تحقّق في الميدان، ثم تآكل أو انهار لأنه لم يُترجم إلى مشروع سياسي أو اقتصادي أو وطني جامع. من هذه الزاوية، يصبح “اليوم الثاني” هو لحظة الحسم الفعلية، حيث يتقرر ما إذا كان النصر سيتحول إلى نقطة ارتكاز لبناء جديد، أم إلى فرصة ضائعة يعاد تدويرها لصالح الخصوم.
وفي السياق الراهن، يبدو أن وقف إطلاق النار الذي أعلن في لبنان لم يُغلق الحرب بل أعاد توزيعها على مسارح متعددة، فاتسعت الجغرافيا واشتد التنافس على إدارة النتائج. لم تعد المواجهة محصورة بجبهة واحدة، بل باتت شبكة مترابطة من الضغوط والتحركات، ما يرفع منسوب المخاطر ويجعل المرحلة القادمة أكثر حساسية.
و من يمتلك القدرة على إدارة ما بعد النصر، وحمايته، وتوظيفه في معركة لم تنتهِ بعد هو المنتصر الحقيقي.
*أولاً: “المرحلة الأولى من النصر”… إنجاز أم فخ؟*
في تعريفنا لمفهوم النصر أن النصر يكون على مستويين المستوى الأول هو في منع تحقيق أهداف العدو أما الثاني وهو الأهم ويمثل الانتصار الكامل فهو أن ينجح المقاتل في تحقيق أهدافه وفرض شروطه.
– إفشال أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل
– إعادة تثبيت توازن الردع
– توحيد نسبي لمحور المواجهة
لكننا نحذّر مباشرة من الوقوع في وهم النصر النهائي.
ويشبّه ذلك بمن ينجح في امتحان، لكنه يفشل في استثمار النجاح للانتقال إلى المرحلة التالية.
المعادلة الاستراتيجية التي طرحناها دقيقة
فالنصر العسكري هو مرحلة أولى فقط
أما حماية النصر واستثماره فهذه المعركة الحقيقية.
ويستشهد ضمنيًا بنموذجين:
تجربة الولايات المتحدة في العراق بعد 2003 وبعد أن أعلن بوش الابن خطاب النصر وجدت القوات الأمريكية نفسها في اليوم الثاني من الحرب في رمال متحركة على أرض استدعت المقاومة وتكلفت الخسائر التي انتهت إلى إعلان الهزيمة والانسحاب.
وتحولات ما بعد حرب 2006
حيث تحوّلت “انتصارات” المقاومة الإعجازيك إلى استنزاف في منظومة حكومية فاسدة استثمرت في نصر المقاومة ثم طعنتها في الظهر ما نراه هزيمة سياسية دفعت المقاومة ثمنها بعد ما يقارب عشرين سنة.
*ثانيًا: انتقال مركز الثقل من “الميدان” إلى “الإدارة”*
في الحرب المباشرة ظهر
تفوّق “رجال الميدان” و
صمدت القواعد الاجتماعية وفشل العدو في تحقيق أي من أهدافه ما جعله مضطرا أن يقبل بوقف النار.
لكن بعد وقف النار ينتقل الصراع إلى إدارة النصر وصيغة مشاركة المقاومة في بناء الدولة
والاقتصاد والإعلام. والحذر من
الاختراق الأمني
وهنا يظهر الخطر الذي نركز عليه نقاط القوة في الحرب قد تتحول إلى نقاط ضعف في السلم المُلغّم.
*ثالثًا: بنود اتفاق وقف النار حقل ألغام ومصيدة للإيقاع بلبنان*
نقدّم قراءة شديدة الحساسية لبنود اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، لا بوصفه إطارًا لتهدئة متوازنة، بل كـ نصّ ملغّم يعيد تعريف الصراع لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة تحت غطاء “تنظيم الوضع الأمني”. فالأخطر في هذا الاتفاق – كما نراه – ليس ما أُعلن رسميًا، بل ما تسرّب من مضمونه العملي، والذي يشير إلى منح إسرائيل حقًا شبه مفتوح في مواصلة العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، من اغتيالات إلى قصف وتدمير، بذريعة استهداف “جهات خارجة عن سلطة الدولة”. هذا التوصيف ليس تفصيلاً لغويًا، بل تحوّل بنيوي، لأنه ينقل المقاومة من موقع “شرعية الدفاع” إلى خانة “اللاشرعية القانونية”، ما يفتح الباب أمام استباحة مستمرة ومقوننة دوليًا.
في المقابل، يُظهر الاتفاق – وفق قراءتنا – إعادة هندسة متعمدة لدور الدولة اللبنانية، حيث يجري ربط “تمكين الدولة” و”دعم الجيش” بشرط احتكار السلاح، ولكن ضمن صيغة لا تعزّز السيادة بقدر ما تُخضع القرار الأمني اللبناني لإشراف خارجي وتدخل دولي . وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة: فبينما يُفترض أن يكون تعزيز الدولة خطوة نحو الاستقلال، يتحول – في هذا السياق – إلى أداة لنزع عناصر القوة الفعلية من الداخل اللبناني، وإعادة توزيعها بما يخدم ميزان القوى الذي فشل في فرض نفسه عسكريًا.
ونضيف بُعدًا أكثر خطورة حين يتوقف عند الطابع العسكري المباشر للإشراف الأمريكي على تنفيذ الاتفاق، مستدلًا بتكليف ليس فقط الدبلوماسية (وزارة الخارجية)، بل أيضًا القيادات العسكرية، بمتابعة تفاصيله. هذا المؤشر، في نظره، يعني أن الاتفاق ليس مجرد تفاهم سياسي، بل جزء من منظومة إدارة ميدانية للصراع من قبل واشنطن، حيث يصبح وقف النار أداة لإعادة التموضع، لا لإغلاق الجبهة. ومن هنا، يخلص إلى أن لبنان يدخل مرحلة “هدنة مشروطة”، يُسمح فيها بالهدوء النسبي، لكن مع استمرار الاستهداف بأشكال أكثر دقة وخطورة، ما يجعل الاتفاق نفسه إطارًا لإدامة الحرب بوسائل مختلفة، لا لإنهائها.
*رابعًا: أزمة “الإدارة السياسية للنصر” داخل محور المقاومة*
في هذا المحور، نذهب إلى نقد داخلي عميق يتجاوز الاحتفاء بالإنجاز العسكري لنضع الإصبع على ما يعتبره نقطة الضعف البنيوية داخل محور المقاومة، وخصوصًا عند الثنائي: العجز عن ترجمة القوة العسكرية إلى قوة دولة ومجتمع. فبرأيه، لم تعد المشكلة في القدرة على الصمود أو تحقيق الردع – وهي عناصر أثبتت فعاليتها – بل في إدارة ما بعد النصر، حيث تظهر فجوة واضحة بين أداء الميدان وأداء السياسة. هذه الفجوة تتجلى في استمرار العلاقة الملتبسة مع النظام السياسي القائم، الذي لم يُعاد بناؤه رغم كل التحولات، بل جرى التكيّف معه ضمن قواعده التقليدية، ما سمح – بإعادة إنتاج منظومة عاجزة أو حتى معيقة للاستثمار في الانتصار.
ومن هنا، نطرح أسئلة تتجاوز النقد إلى مستوى المراجعة الاستراتيجية: كيف يمكن لقوة قدّمت تضحيات بهذا الحجم أن لا تتحول إلى رافعة وطنية جامعة؟ ولماذا بقيت إنجازاتها محصورة في بعدها العسكري، دون أن تُترجم إلى مشروع اقتصادي يعالج أزمات الناس، أو مشروع اجتماعي يعيد بناء العقد بين الدولة والمجتمع، أو مشروع سياسي يفتح الأفق أمام شراكة وطنية عابرة للطوائف؟ الأخطر في نظره أن هذا القصور لا يهدد فقط بتبديد ثمار النصر، بل يفتح المجال أمام خصوم الداخل والخارج لملء الفراغ، وإعادة توظيف النتائج لمصلحتهم. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في مواجهة العدو فحسب، بل في القدرة على إعادة تعريف وظيفة القوة نفسها: من أداة مقاومة إلى أداة بناء دولة، وإلا فإن النصر، مهما كان حجمه، سيبقى معلقًا وقابلًا للتآكل.
*خامسًا: الإعلام المقاوم…ساحة الحرب الأخطر*
في هذا المحور، نوجه نقدًا لاذعًا لأداء الإعلام المقاوم في لبنان نعتبر أنه شكّل إحدى أضعف حلقات إدارة الصراع رغم ضخامة الموارد التي وُضعت في خدمته. فبرأيه، لم يكن الإعلام بمستوى المعركة لا من حيث الرؤية ولا من حيث التأثير، إذ بقي أسير الخطاب التقليدي والتعبئة الداخلية الضيقة، بدل أن يتحول إلى أداة قادرة على خوض معركة الوعي وكسب الرأي العام محليًا وإقليميًا ودوليًا. ويذهب أبعد من ذلك ليصف جزءًا كبيرًا من الجهد الإعلامي بأنه هدر للطاقات، حيث لم يُترجم إلى سردية متماسكة تشرح ما جرى، ولا إلى خطاب جامع يستقطب فئات أوسع خارج البيئة الحاضنة.
المشكلة، في تقديرنا، ليست تقنية بل بنيوية: غياب استراتيجية إعلامية متكاملة تواكب الفعل الميداني وتستثمره سياسيًا ونفسيًا. فالإعلام لم يُستخدم كأداة لبناء رواية وطنية جامعة تُحوّل التضحيات إلى رصيد مشترك لكل المجتمع، بل بقي في كثير من الأحيان خطابًا موجّهًا للذات، عاجزًا عن اختراق البيئات الأخرى أو مواجهة السرديات المضادة التي تعمل بفعالية عالية. وهذا القصور يكتسب خطورة مضاعفة في “اليوم الثاني” من الحرب، حيث تنتقل المعركة إلى حرب روايات وصور ومعاني، ويصبح تشكيل الإدراك العام عنصرًا حاسمًا في تثبيت أو تقويض أي إنجاز.
من هنا، نؤكد أن المرحلة القادمة تفرض إعادة تعريف دور الإعلام بالكامل: ليس كملحق دعائي، بل كـ سلاح استراتيجي لا يقل أهمية عن الصواريخ. فكما أن الميدان يحتاج إلى تخطيط وقيادة، كذلك الإعلام يحتاج إلى رؤية، أدوات حديثة، وقدرة على مخاطبة العقول لا الغرائز فقط. وفي غياب ذلك، يبقى الخطر قائمًا بأن تُسرق نتائج المعركة في الفضاء الإعلامي، حتى لو حُسمت في الميدان.
*سادسًا: بعد وقف؛ النار الحرب مستمرة والخطر أشد على جبهات متعددة*
هناك تصورًا متكاملًا لما نسميه “خرائط الخطر بعد وقف النار”، حيث لا تُقاس أهمية الجبهات بحجم الاشتباك فيها خلال الحرب، بل بقدرتها على أن تتحول إلى منصات ضغط واستنزاف في المرحلة التالية. وضمن هذه الرؤية، يحدد أربع مسارح رئيسية نرى أنها ستكون مسارح الحرب الأشد خطورة: العراق، جنوب اليمن، الصومال، ولبنان الذي يضعه في موقع “بيت القصيد”.
في العراق، إن الخطر لا يكمن في مواجهة مفتوحة، بل في كونه ساحة اختراق مركّب. فالعراق، بحكم تركيبته السياسية والأمنية، مرشح ليكون ميدانًا لتفعيل أدوات التفكيك الناعم: تشغيل قوى داخلية، إعادة تحريك الانقسامات، واستثمار التناقضات بين الدولة والفصائل. وهنا، لا تحتاج الولايات المتحدة – وفق هذا المنظور – إلى حرب مباشرة، بل إلى إدارة فوضى مضبوطة تُنهك بيئة المقاومة وتفصلها تدريجيًا عن حاضنتها، وتحوّل العراق من عمق استراتيجي إلى عبء استنزافي.
أما جنوب اليمن، فهو كساحة مرتبطة بصراع الممرات البحرية، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي. فهذه المنطقة تمثل عقدة تحكم حساسة في باب المندب، ما يجعلها هدفًا لإعادة التموضع، خصوصًا مع تراجع موثوقية القواعد في الخليج. ونرى أن مستقبلها سيتحدد وفق معادلة دقيقة: قدرة صنعاء على التأثير، وطبيعة التفاهمات أو الصراعات مع السعودية. وفي هذا السياق، يمكن لجنوب اليمن أن يتحول إما إلى نقطة تثبيت لمحور المقاومة في معادلة الردع البحري، أو إلى منصة اختراق تُستخدم لإعادة الضغط على هذا المحور.
وفي الصومال (وخاصة أرض الصومال)، فهي ساحة غالبًا ما تُهمل في التحليلات، لكنها مرشحة لتكون بديلًا استراتيجيًا للقواعد التقليدية. فالموقع الجغرافي المطل على خطوط الملاحة الدولية يمنحها قيمة استثنائية، كما أن هشاشتها السياسية تجعلها قابلة للاختراق السريع. هنا، لا يدور الصراع حول السيطرة المباشرة، بل حول إقامة بنية نفوذ جديدة تُستخدم لتعويض التراجع في مناطق أخرى، خصوصًا إذا ثبت أن القواعد في الخليج لم تعد آمنة كما في السابق.
لكن الساحة الأهم في كل هذا التصور تبقى لبنان، الذي توصف بـ “بيت القصيد”، أي مركز الثقل في المرحلة القادمة. فلبنان، في نظرنا ، يجمع كل عناصر الصراع: وجود مقاومة فاعلة، بنية دولة هشة، اختراق خارجي عميق، وانقسام داخلي حاد. الأخطر هنا أن وقف إطلاق النار – بدل أن يحمي لبنان – قد يتحول إلى غطاء لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك داخليًا. فمع الحديث عن “تمكين الدولة” و”احتكار السلاح”، يُخشى أن يُعاد توجيه الصراع من مواجهة مع الخارج إلى ضغط داخلي على المقاومة، بالتوازي مع استمرار الاستهداف الإسرائيلي تحت ذرائع قانونية وأمنية.
ونذهب أبعد من ذلك، فإن لبنان مرشح ليكون ساحة اختبار لنموذج جديد من الحروب: ليس حرب اجتياح شامل، بل حرب مركّبة تجمع بين:
– الاغتيالات
– الضغط الاقتصادي
– التلاعب بالمؤسسات
– إدارة الانقسام الداخلي نحو انقسام أكبر.
وفي هذه المعادلة، يصبح الخطر مضاعفًا، لأن التهديد لا يأتي فقط من العدو الخارجي، بل من بنية داخلية قابلة للاختراق والتوظيف.
إن هذه الجبهات الأربع ليست منفصلة، بل مترابطة ضمن استراتيجية واحدة نقل الحرب من المواجهة المباشرة إلى شبكة من مسارح الاستنزاف المتزامن
حيث يُراد لكل ساحة أن تؤدي وظيفة محددة:
– العراق: إنهاك الداخل
– جنوب اليمن: إقصاء القوة الكاسرة
– الصومال: إعادة التموضع الاستراتيجي
– لبنان: كسر التوازن من الداخل
و بهذا المعنى، فإن ما بعد وقف النار لا يعني خفض التصعيد، بل إعادة توزيع الحرب على جغرافيا أوسع وأدوات أكثر تعقيدًا، ما يجعل المرحلة المقبلة، فهي ، أكثر خطورة من الحرب نفسها.
*سابعًا: التحذير الاستراتيجي – “اليوم الثاني أخطر من الحرب”*
في هذا المحور الذي يشكل عصب الطرح المركزي في الحلقة، ما يمكن اعتباره القاعدة الذهبية في فهم مسارات الصراع: أن الخطر الحقيقي لا يكمن في لحظة الحرب نفسها، بل في ما يليها، أي في “اليوم الثاني” الذي كثيرًا ما يتحول إلى ساحة سقوط للانتصارات بدل تثبيتها.
فالتاريخ، كما يقرأه، مليء بنماذج قوى نجحت عسكريًا لكنها فشلت استراتيجيًا لأنها لم تُحسن إدارة نتائج النصر، فسقطت في فخ الاطمئنان أو العجز عن الانتقال من منطق القتال إلى منطق البناء.
هنا نحدد ثلاث علل قاتلة: سوء الإدارة حين تُدار المرحلة بعقلية ما قبل النصر، وغياب الرؤية عندما لا يكون هناك تصور لما بعد تحقيق الهدف العسكري، وعدم استثمار الإنجاز عبر تحويله إلى مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية مستدامة.
ونحذّر من أن هذه العوامل لا تؤدي فقط إلى تآكل النصر، بل قد تقلبه إلى نقيضه، حيث تتحول التضحيات إلى عبء، وتُفتح الثغرات أمام الخصوم لإعادة تنظيم أنفسهم واستعادة المبادرة بوسائل غير عسكرية. لذلك، فإن “اليوم الثاني” ليس امتدادًا زمنيًا للحرب، بل مرحلة مختلفة بالكامل تتطلب أدوات وعقليات جديدة: إدارة دولة، بناء تحالفات، كسب مجتمعات، وتثبيت معادلات الردع ضمن منظومة سياسية واقتصادية متماسكة. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على النصر وتطويره أكثر تعقيدًا من تحقيقه، لأنه يتطلب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستراتيجي الواعي. ومن هنا، يخلص إلى تحذير حاسم: من لا يُتقن إدارة ما بعد النصر، يخسر ما حققه ولو بعد حين.
*ثامناً: ما بعد وقف النار سيناريوهات محتملة*
في قراءتنا لمسارات ما بعد وقف النار، هناك ثلاثة سيناريوهات حاكمة، لا بوصفها احتمالات نظرية بل كمسارات مفتوحة تتحدد وفق نوعية القرار السياسي وقدرة الأطراف على إدارة اللحظة التاريخية. السيناريو الأول، وهو الأكثر إيجابية، يقوم على استثمار النصر عبر الانتقال من منطق الإنجاز العسكري إلى منطق بناء الدولة، أي إعادة صياغة المشروع السياسي على أسس جديدة، وتوسيع القاعدة الاجتماعية خارج حدود البيئة الحاضنة، وتحويل فائض القوة إلى قدرة مؤسساتية واقتصادية واجتماعية تُنتج استقرارًا وتكرّس شرعية وطنية جامعة. هذا السيناريو يتطلب مراجعة عميقة، وجرأة في كسر الأنماط القديمة، ووعيًا بأن النصر لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
في المقابل، نحذر من سيناريو تجميد النصر، حيث يُكتفى بما تحقق دون البناء عليه، فتُدار المرحلة بعقلية ما قبل الحرب، ويبقى النظام السياسي على حاله، وتُهمل الفرصة لإحداث تحول بنيوي. في هذه الحالة، لا يحدث سقوط فوري، بل يبدأ استنزاف بطيء يتآكل فيه الإنجاز تدريجيًا، وتُفقد عناصر القوة فاعليتها مع الوقت، بينما يعيد الخصوم ترتيب أوراقهم بهدوء. أما السيناريو الثالث، الذي يراه الأخطر، فهو سرقة النصر، حين تنجح قوى داخلية أو خارجية في استثمار نتائج الحرب لصالحها، مستفيدة من الثغرات في الإدارة أو الانقسام الداخلي، بحيث يتحول المنتصر إلى موقع الدفاع، وربما إلى ضحية لإنجازه نفسه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: أن ما تحقق بالتضحيات يمكن أن يُعاد توظيفه لإنتاج واقع معاكس، إذا لم يُحسن أصحابه إدارة ما بعد النصر. بهذه المعادلة، نختصر جوهر المرحلة: المعركة الحقيقية لم تعد على تحقيق النصر، بل على من يملك القدرة على الاحتفاظ به وتحديد اتجاهه.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما جرى بوصفه نهاية حرب، بل باعتباره نقطة تحوّل في طبيعتها ومساراتها. فوقف إطلاق النار لم يُغلق الصراع، بل أعاد تشكيله ضمن معادلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والميدان مع الاقتصاد، والردع مع الاختراق. وما تحقق من إنجاز عسكري، على أهميته، يبقى مرحلة أولى غير مكتملة، قيمتها الحقيقية تتحدد بقدرة الأطراف المعنية على حمايته وتطويره وتحويله إلى قوة مستدامة.
إن التحدي المركزي الذي يفرض نفسه اليوم هو الانتقال من منطق “إدارة الحرب” إلى منطق “إدارة ما بعد الحرب”؛ من ردّ الفعل إلى الفعل الاستراتيجي؛ من الصمود إلى البناء. فالتاريخ لا يرحم اللحظات التي يُهدر فيها النصر، ولا يغفر للقوى التي تعجز عن استثماره، إذ سرعان ما تتحول إنجازاتها إلى فرص يستثمرها الخصوم لإعادة فرض توازنات جديدة.
وفي ظل اتساع مسارح الاشتباك – من العراق إلى جنوب اليمن، ومن القرن الإفريقي إلى لبنان – يتأكد أن الصراع دخل مرحلة الاستنزاف المركّب طويل الأمد، حيث لا حسم سريع، بل تراكم تدريجي للوقائع. وهنا تحديدًا تتعاظم أهمية القرار السياسي، لأنه العامل الحاسم في توجيه النتائج: إما نحو تثبيت معادلات جديدة تُترجم التضحيات إلى مكاسب حقيقية، أو نحو انزلاق بطيء يعيد إنتاج الأزمات ويبدد الفرص.
لبنان، بوصفه “بيت القصيد”، يقف في قلب هذه المعادلة: إما أن يتحول إلى نموذج لاستثمار النصر وبناء دولة قادرة وعادلة، أو إلى ساحة يُعاد فيها تفكيك الإنجاز تحت ضغط الداخل والخارج. وبين هذين الخيارين، لا يكمن الفارق في موازين القوة العسكرية، بل في نوعية الرؤية، وجرأة المراجعة، وقدرة القيادة على اتخاذ القرار التاريخي.
🖋 ميخائيل عوض