كتاب وشعراء

أنا المجنون …بقلم طارق غريب

( طارق رجل في الأربعينات
ملامحه منهكة لكن عينيه متوهجتان )
غرفة بيضاء شبه فارغة ، كرسي حديدي في المنتصف
ظلال متحركة على الجدران ، باب حديدي في الخلف
إضاءة خافتة متغيرة ، تنبض كنبض قلب
( طارق جالس على الكرسي ، عيناه مفتوحتان على مصراعيهما
ينظر إلى الفراغ ، ثم يبدأ بالضحك بهدوء
يتحول إلى قهقهة صامتة )
طارق : (يهمس) قالوا إني مجنون
أنني رأيت ما لا يرون ولأنني سمعت ما لا يسمعون
المجنون ، يا له من لقب جميل. أتعلمون؟
في البدء كان العقل ، والعقل قال : ‘ ليكن نور ‘ فكان الظلام
لم أخطئ السمع ، الظلام هو النور الحقيقي
أعمى من يظن أن الضياء يكشف الحقيقة
الحقيقة في الشقوق ، في الفجوات بين الكلمات
في الصمت الذي يلي السؤال
(يقف ، يبدأ بالتجول ببطء كحيوان في قفصة)
سألوني : من أنت؟ قلت : أنا السؤال الذي لا يجد إجابة
فضحكوا ، فقالوا : هذا مجنون
لأن العاقل عنده إجابات جاهزة
حقائق معلبة ، يقين مريح لكنني
يا له من عار ، أنا لا أعرف
لا أعرف اسمي الحقيقي
لا أعرف إن كنت حلماً يحلم بي أحدهم
أم كابوساً هرب من عقل متعب
أعرف شيئاً واحداً فقط : أنني أستطيع رؤية الواقع
والواقع ، (يضحك) ممزق أشلاء
قصاصات من معان وصرخات لا تسمعونها
لأنكم مشغولون جداً في بناء التناسق الزائف
لكنني أعرف شيئاً آخر ، شيئاً لا يصدقه العقلاء
أكثر من جنوني ، أعرف أن الحب
الحب هو أكثر الأشياء جنوناً على وجه الأرض
تعرفون لماذا؟ لأن العاقل يحب بشروط
يحب بميزان ، يحب بقائمة إيجابيات وسلبيات
أما المجنون ، المجنون يحب كمن يشرب البحر
يعلم أنه سيموت عطشاً داخل الماء
لكنه يشرب ، يشرب حتى يتفطر قلبه
( يتوقف فجأة ، يواجه الجمهور )
أتعرفون ما هو الجنون الحقيقي؟
الجنون الحقيقي أن تعيش ضمن القواعد
التي وضعها أناس ماتوا منذ قرون
أن تظن أن هذا الكرسي (يضربه بقدمه) حقيقي
أن تظن لهذه الجدران وجوداً خارج إدراكك
المجنون العاقل هو من يعرف أن العالم خيال جامح
ونحن مؤلفوه. لكننا نسينا
نسينا أننا كنا آلهة ذات يوم
خلقنا هذه المسرحية ثم خفنا فصرنا ممثلين صامتين
( يجلس مجدداً ، بصوت أكثر هدوءاً )
في المصحة ، كل صباح يأتي الطبيب طيب القلب
مبتسم ويسألني : ‘ كيف تشعر اليوم؟ ‘
أقول : كمن فقد ذاكرته وتذكر فجأة أنه فقدها
يبتسم ويدون في ملفه : ‘ تحسن ملحوظ ‘
هل تعلم لماذا أنا مجنون حقاً؟
لأنني توقفت عن الكذب.
توقفت عن قول ‘ بخير ‘
عندما أكون متفككاً إلى ألف قطعة
توقفت عن التمثيل
والمجتمع لا يغفر لممثل يخرج عن النص
لكنني عرفت الحب . الحب الحقيقي ، تلك المجنونة مثلي
كان اسمها سيلا ، أو ربما لم تكن اسمها سيلا
ربما سميتها سيلا لأنها كانت كالسيل الجارف
اجتاحت كل قلاع العقل التي بنيتها
سيلا ، التي دخلت غرفتي البيضاء فجعلتها غابة
والتي قالت لي ذات مساء :
‘ طارق ، أنا أيضاً مجنونة.لا تتركني وحدي في هذا الجنون’
( ينظر إلى باب حديدي ، وبصوت شاعري )
هذا الباب ، حراسه كثيرون
أمي التي قالت : ‘ كن طبيعياً ‘
أبي الذي لم يتحدث إلي إلا بنبرة الأمر
المعلمون الذين علموني كيف أجمع
ولم يعلموني كيف أطرح ، طرح الأسئلة
الطبيب النفسي الذي يكتب روشتة كلما تحدثت عن رؤياي
كلهم يحرسون هذا الباب. يقولون لي :
‘ العاقل يبقى هنا ، المجنون يخرج ‘ لكنهم ينسون
أن كل العظماء خرجوا من أبواب مثل هذه
خرجوا نحو الفراغ . نحو اللايقين
نحو المجد أو الموت. لا فرق. المهم أنهم خرجوا
سيلا خرجت. خرجت من باب مختلف ، باب الجسد
تركت جسدها وسكنت خيالي
والآن ، كلما أغلق عيني أراها، ترتجف. تبتسم
تقول لي : ‘ هل تحبني بقدر جنونك؟
فأضحك ، أضحك حتى تبكي عظامي
فأقول لها : أنا المجنون
وحبي هو الجنون نفسه. حبي لا يعرف الحدود
لا يعرف الجدران. لا يعرف المنطق
حبي يشبهني ، مكسوراً وهائماً وبلا هوية
( يلمس الحائط الأبيض بلطف )
هذا الأبيض ، لون الموتى الذين لا يزالون يتنفسون
يظنون النقاء بياضاً ، لكن النقاء شفافية والعدم واللاشيء
الأبيض خداع ، ستارة تخفي الفوضى خلفها
المجنون يثقب الستارة . يضع إصبعه في الجرح
ويصرخ : ابحثوا هنا ، ليس في الكمال المزيف
الحقيقة في التشوه ، في الندبة
في الحرف الذي سقط من القصيدة
سيلا كانت ندبتي الجميلة
كانت الحرف الذي سقط من قصيدتي
ثم صار القصيدة كلها ، هل تصدقون؟
خلقتها من خيالي ثم أحببتها أكثر من الحقيقة
لأن الحقيقة تخون. أما الخيال ، الخيال يبقى
الخيال هو الحب النقي. غير الملوث بجوارح الحياة
لم نتشاجر أنا وسيلا ولم نتنازل. ولم نمل
لأنها ماتت كل يوم في خيالي ثم تولد من جديد
أليس هذا هو الخلود؟ أليس هذا هو الحب
الذي يبحث عنه العقلاء في بيوتهم الفارغة؟
( يرفع صوته فجأة )
سأحكي لكم حكايتي. لا ، لا تصفقوا بعد
حكايتي بلا بداية ولا نهاية
مرة كنت طفلاً ، رأيت ملاكاً في زاوية الغرفة
فقالت أمي : ‘ كذاب ‘ فتعلمت أن أعمى عيني الداخلية
مرة أخرى رأيت جدي يبكي على نفسه وهو حي
فقال أبي : ‘ مرض ‘ فتعلمت أن أصم أذني الداخلية
ثم تزوجت. فقالت زوجتيي : ‘ أنت بخير ‘. فقلت : لا
أنا لست بخير ، أنا أتألم. فضحكت
ضحكت طويلاً. لأن الألم الحقيقي لا يُرى
ومن لا يُرى لا وجود له في قاموس العقلاء
ثم جاءت سيلا. جاءت كالمطر في الصحراء
كالصدى في البئر المهجور
لم تقل لي ‘ أنت بخير ‘ ، قالت لي :
‘ أنت مجنون ، وأنا أيضاً ، هلم نختف
هلم نصنع عالماً جديداً لا تعرفه القوانين
عالماً نحب فيه حتى الفناء
نحب حتى نتحول إلى لا شيء وإذا كنا لا شيء
فمن ذا الذي يستطيع أن يفصل بيننا؟’
( يقف ، يخلع قميصه ببطء
على صدره ندوب وكتابات صغيرة بالحبر )
انظروا. هذه كل المرات التي أحببت فيها دون مقابل
وهذه المرات التي بكيت فيها على أطلال
أيقنت أن أحداً آخر سيبني فوقها بستان
وهذه ، (يشير إلى ندبة كبيرة) هذه المرة
التي رأيت فيه امرأة جالسة على حافة البئر
تبكي لأنها أحبت ثم ندمت
وهذه، ( يشير إلى ندبة على القلب ) هذه لسيلا
هذه الندبة التي لا تلتئم. لأنها ليست جرحاً. إنها ثقب
ثقب يطل على عالم آخر. كلما اشتقت إليها
أضع إصبعي في هذا الثقب ، فأشعر بنبضها
نبض المجنونة الأخرى التي أحبتني بجنوني
التي لم تطلب مني أن أكون عاقلاً التي قالت لي ذات مساء :
‘ لو أصبحت عاقلاً ، توقفت عن حبك ‘
وقالت لي ذات مرة : ‘ ساغيرك ، ساغيرك إلى الأحسن ‘
( يحاول أن يبتسم ، يبكي بدلاً من ذلك )
المجنون لا يبكي على نفسه
المجنون يبكي على العقلاء الذين
حبسوا أنفسهم في سجون المعنى
كل يوم أسمع حكاياتهم وأسألهم :
هل رقصت وحدك في غرفة مظلمة؟
هل صرخت في وجه السماء لأن الحياة لا تستحق؟
هل شككت في كل شيء حتى في شكلك؟
هل أحببت ، أحببت بجنون؟ أحببت بلا أمان؟
أحببت كمن يلقي بنفسه في النار لأنه ظن أن اللهب برد؟
ينظرون إلي بتعجب ، ثم يبتعدون
لأن سؤالي يهدم بيوتهم من الورق
طيور الحب المهاجرة لا تبني بيوتاً من ورق
تبني أعشاشاً في أفئدة المجانين
وهناك تبيض فراخاً من نار وزجاج
لا أحد يراها سوى المجانين
وحين يحب مجنون مجنونة مثله
تتوقف الأرض عن الدوران لأن العاشقين المجانين
يصنعان مركزاً جديداً للكون
ومركز الكون ليس الشمس ولا الأرض
مركز الكون هو عيناها ، عينا سيلا
حيث رأيت نفسي للمرة الأولى ، لا كإنسان طبيعي
بل كمجنون يحب مجنونة. وذاك أجمل أشكال النور
( يعود إلى الكرسي ، جالساً القرفصاء تحته كطفل )
فكرت يوماً أن أهرب. ليس من المصحة ، من هذا الجسد
الفخ الأكثر إحكاماً. يأكل ، يشتهي ويتألم ثم يموت
وفي المنتصف هناك ، أنا. أين أنا بالضبط؟
هل أنا في رأسي؟ في قلبي؟ في أنفاسي؟
كنت جالساً ذات ليلة ، حاصرتني الأسئلة
حتى شعرت أنني سأختفي وحينها شعرت بالحرية
الحرية في اللاشيء. في أن تكون لا شيء
ولا شيء يخاف من لا شيء
المجنون الحقيقي هو من يقرر أن يصبح لا شيء
لأن العقلاء كلهم أشياء
أشياء مشغولة بذاتها وبالأشياء الأخرى
وماذا يحدث عندما تتوقف الأشياء؟ تسقط
كلها تسقط في النهاية
سيلا سقطت. سقطت في بئر عيني وغرقت
لكنها من شدة حبها لي ، تعلمت أن تتنفس تحت الماء
والآن هي سمكة. سمكة ذهبية
تسبح في حدقة عيني اليسرى
كلما رمشت ، تضحك. كلما بكيت
تسبح نحو دمعتي وتشربها وتقول :
‘هذا ماء الحياة ، هذا حب مجنون لمجنون ‘
( يقف فجأة ، يركض نحو الباب الحديدي ، يطرقه بقبضتيه)
افتحوه! لا ، لا تفتحوه. أنا هنا. هنا. في هذا البياض
في هذا الكرسي. في هذا الضحك
أنا المجنون الذي يعرف أن الجنون هو العافية الحقيقية
سيلا هنا أيضاً ، أحببتك أيتها المجنونة الجميلة
أحببت جنونك الذي جعل جنوني مشروعاً
أحببت كيف كنت تحتضنين ظلالي
عندما كانت تخاف من جسدها
أحببت كيف كنت ترقصين مع وهمي في الغرفة المعتمة
أحببتك لأنك الوحيدة التي لم تقل لي يوماً :
‘ تعافى ‘ قلت لي بدل ذلك : ‘ ازدد جنوناً حتى نلتقي
في أرض ما بعد العقل ، حيث لا أبواب ولا مفاتيح
حيث نحن معاً ونبكي من الفراغ ‘
( يهدأ ، يزحف إلى منتصف المسرح ، يتخذ وضع الجنين)
خذيني معك يا سيلا. إلى ظلمة رحمك
إلى ظلمة حبك. هناك سأولد من جديد
هذه المرة مجنوناً من البداية. سأحب قبل أن أتعلم الكلام
سأبكي قبل أن أتعلم التمثيل
سأصرخ في وجه النور :
‘ أطفئ نفسك!
أنا لا أريد رؤية الأشياء كما هي
أريدها كما يحلم بها المجانين
مقلوبة. سائلة. متشظية. جميلة ‘
( طارق يبقى صامتاً لوقت طويل. ثم يرفع رأسه
عيناه تلمعان ، يبتسم ابتسامة غامضة )
هل تعرفون أن الحب المجنون هو الحب الوحيد
الذي لا يموت. لأن العاقل يحب حتى يتعب. ثم يتوقف
والمجنون يحب حتى يموت
ثم يستمر. يتحول إلى أسطورة
إلى حكاية تروى في المصحات ليلاً
إلى ضحكة خلف الباب الحديدي
إلى نبضة في سلك الكهرباء
إلى أول حرف من أسم الحبيبة على الجدار الأبيض
( يتجه نحو الباب الحديدي ، ويفتحه ببطء
يخرج. لكن صوته يرتد من خلف الباب )
أنا المجنون وأعرف أن الجنون والحب توأمان
لا أخاف من المجانين ، أخاف ممن لا يحبون بجنون
لأنهم فقط لم يعيشوا بعد
( إضاءة سوداء. ثم ضوء خافت جداً يكشف الكرسي فارغاً )
ستار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى