كتاب وشعراء

بقايا رجل .. وشمعة تنصهر …بقلم د. مصطفى عبد المؤمن

قصة قصيرة
كان الليل يهبط ببطءٍ على البيت العتيق، والهدوء يملأ أركانه إلا من صوت عصا تتحسس الطريق، وصوت أنفاس رجل فقد بصره منذ سنوات، لكنه لم يفقد كبرياءه.
كان “رأفت” يعيش خلف جدرانٍ عالية، لا يفتح أبوابه إلا قليلًا، ولا يسمح لأحدٍ بالاقتراب من عالمه المعتم.
ومنذ أن احترقت عيناه بذلك السيخ المشتعل في ليلةٍ غامضة، صار يكره الناس كما يكره الشفقة، وأصبح الغضب طريقته الوحيدة ليخفي هشاشته.
لم يكن وحده في البيت…
كان معه أخوه الأصغر “فتحي”، رجلٌ وقح اللسان، ثقيل الظل، يتصرف كأن البيت ملكه، يضحك بصوتٍ مرتفع، ويستهين بألم أخيه كأن العمى مجرد حادثٍ عابر.
وكان هناك شيءٌ غامض في البيت لا يُقال.
شيءٌ يتسلل مع الصمت كلما ذُكرت زوجة فتحي.
لم يكن رأفت يطيق سماع اسمها، ولم يكن فتحي يسمح لأحدٍ بالحديث عن الليلة التي احترق فيها السيخ، تلك الليلة التي فقد فيها رأفت بصره، واختفت بعدها زوجة فتحي من البيت كأنها لم تكن.
وحين جاءت “أمينة” لتعتني برأفت، دخلت البيت وكأنها دخلت سردابًا قديمًا مليئًا بالأسرار.
في البداية، قابلها رأفت بجفاءٍ حاد.
كان يصرخ لأسبابٍ تافهة، ويرفض مساعدتها، ويتعمد كسر الأشياء فقط ليسمع ارتباكها.
أما فتحي… فكان أكثر إزعاجًا.
كان يقترب منها بطريقةٍ وقحة، يرمقها بنظراتٍ ثقيلة، ويلقي كلماتٍ تحمل سخريةً مبطنة جعلتها تشعر أن وراء ضحكاته شيئًا قذرًا لا يُطمأن له.
لكنها صبرت.
ومع الأيام، بدأت تلاحظ أمورًا صغيرة لم ينتبه لها أحد.
كلما ذُكرت الحادثة، يتوتر فتحي.
وكلما اقترب الحديث من زوجته الغائبة، يهرب من المكان.
أما رأفت، فكان يصمت فجأة، كأن قلبه يعرف شيئًا لا يستطيع عقله الوصول إليه.
ومرت الأيام…
وصار البيت أقل قسوة.
صوت أمينة وهي تقرأ الكتب، رائحة القهوة التي تعدها كل صباح، خطواتها الهادئة بين الغرف… كلها أشياء أعادت لرأفت إحساسًا قديمًا بالحياة.
وفي ليلةٍ ممطرة، جلس معها طويلًا، واعترف للمرة الأولى بخوفه.
قال بصوتٍ مرتجف: “أنا لا أخاف الظلام… أنا أخاف الحقيقة التي لم أرها.”
سألته بهدوء: “أي حقيقة؟”
فسكت لحظة، ثم قال: “قبل الحادثة… سمعت صراخًا.
سمعت زوجة فتحي تبكي… ثم سمعت فتحي يهددها.
وبعدها شعرت بالنار في وجهي.”
ارتعشت أمينة.
لأول مرة، شعرت أن الحادث لم يكن قضاءً عابرًا.
وبدأت تراقب فتحي أكثر.
حتى جاء ذلك اليوم…
حين عاد رأفت من رحلة علاج طويلة أخبره الأطباء بعدها أن بصره قد يعود جزئيًا.
كان الجميع يظن أن الأمر مستحيلًا… إلا أمينة.
وبعد أسابيع من العلاج، حدثت المعجزة الصغيرة.
عاد إليه الضوء باهتًا أول الأمر، كأن العالم يخرج من الضباب ببطء.
وكان أول وجهٍ رآه… وجه أمينة.
ابتسم يومها كطفلٍ يتعلم النظر لأول مرة.
لكن الضوء لم يُرجع إليه الأشياء الجميلة فقط… بل أعاد الحقيقة أيضًا.
في إحدى الليالي، رأى فتحي يدخل غرفته القديمة مرتبكًا، يبحث وسط الأدراج بعصبية.
وحين غادر، دخل رأفت الغرفة يتحسس المكان بعينيه المرتجفتين، حتى وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
كان داخله…
صورة قديمة لزوجة فتحي، وعلى ذراعها آثار حروق واضحة.
ورسالة قصيرة بخطٍ مرتعش:
“رأفت… إذا حدث لي شيء، فاعلم أن أخاك هو من أشعل النار. حاولتُ أن أمنعه من قتلك بعد أن اكتشف أنك عرفت حقيقته… لكنه دفع السيخ نحوك دون قصد وهو يتشاجر معي.”
تجمدت يداه.
وفجأة، فهم كل شيء.
لم يكن الحادث قضاءً أعمى.
كان جريمة خرجت عن السيطرة.
زوجة فتحي لم تهرب… بل اختفت خوفًا بعد تلك الليلة، وربما ماتت، أو أُجبرت على الرحيل.
أما فتحي، فظل يعيش بجوار أخيه الأعمى مطمئنًا أن الظلام قد دفن الحقيقة للأبد.
وفي المواجهة الأخيرة، وقف رأفت أمام أخيه لأول مرة بعينين مفتوحتين.
ارتبك فتحي، وتراجع للخلف كأنه رأى شبحًا.
قال رأفت بصوتٍ هادئ: “كنت أعمى… لكنني الآن أراك جيدًا.”
ولأول مرة، سقطت وقاحة فتحي، وظهر خوفه الحقيقي.
أما أمينة… فقد فهمت أن الرجل الذي أحبته الروح لا العينين، كان يرى منذ البداية أكثر من الجميع.
لكنها رغم ذلك رحلت.
لأن قلبها كان معلقًا بإنسانٍ آخر ينتظرها بعيدًا.
وحين ودعته، قالت والدموع بعينيها: “أحيانًا يعود البصر متأخرًا… لكنه حين يعود يكشف كل شيء.”
رحلت…
وبقي رأفت جالسًا قرب النافذة، يتأمل شمعة صغيرة تذوب ببطء.
هذه المرة لم يكن يخاف الظلام.
لأنه أخيرًا رأى الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى