رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : الجيش اللبناني آخر أعمدة الدولة خطر السقوط ؟؟؟

الجيش اللبناني آخر أعمدة الدولة خطر السقوط؟؟

ميخائيل عوض  / لبنان

*الحرب  الجارية ليست جولة … بل لحظة ولادة عالم جديد*
إن ما يجري في المنطقة لا يمكن افتراضه جولة من جولات القتال والاشتباك، بل حرب تأسيسية كبرى لإعادة تشكيل عالم جديد بنظام عالمي جديد. لذلك يرى أن كل الضخ الإعلامي عن تهدئة قريبة أو تفاهمات جزئية لا يزال حتى اللحظة ضمن إطار “الهبة الباردة” التي يستخدمها ترامب لشراء الوقت وإعادة التموضع، لا أكثر.
فالمشهد الإقليمي يعجّ بحراك دبلوماسي لافت: وفود قطرية إلى طهران، اتصالات تركية مكثفة، وحضور باكستاني أمني وعسكري على مستوى عالٍ.
إن القيمة الحقيقية لهذه التحركات لا تكمن فقط في بعدها التفاوضي، بل في دلالتها السياسية العميقة، إذ إنها تعكس بداية انحسار السيطرة الأمريكية التقليدية على الإقليم، وبدء تشكل بيئة جديدة تحاول فيها دول المنطقة إدارة مصالحها بعيدًا عن الإملاء الغربي المباشر.
بحسب هذا التحليل، فإن دولًا كانت حتى الأمس القريب أدوات صريحة في المشروع الأمريكي، بدأت تدرك أن ميزان القوى تغيّر، وأن الاستمرار في الاصطفاف الكامل خلف أمريكا قد يقودها إلى الانهيار مع انهيار المشروع نفسه. لذلك تظهر محاولات التموضع الجديدة، ومحاولات فتح قنوات مع إيران بعد سنوات من التصعيد والمواجهة.

*إيران تفاوض من موقع المنتصر لا من موقع المحاصر*
إن الموقف الإيراني الرسمي كان الأكثر وضوحًا وسط الضجيج الإعلامي. فبينما تتحدث وسائل الإعلام الغربية والعربية عن أجواء انفراج وشيكة، خرجت الخارجية الإيرانية لتؤكد أن لا اتفاق فعليًا حتى الآن، وأن الشروط الجوهرية للتهدئة لم تنضج بعد.

ويعتبر أن هذا الموقف بالغ الأهمية لأنه يعكس حقيقة ميزان القوى الحالي. فإيران،  نجحت في إسقاط العناوين الكبرى التي رفعتها واشنطن و”إسرائيل” مع بداية الحرب: إسقاط النظام، تدمير البرنامج النووي، السيطرة على القرار الإيراني، وخنق الصين اقتصاديًا عبر تفجير الخليج.

بدلًا من ذلك، انتقل سقف التفاوض  إلى نقاشات حول أمن الملاحة ومضيق هرمز وآليات الإدارة والضمانات، أي أن الحرب أجبرت واشنطن على النزول من مشروع الهيمنة الشاملة إلى محاولة احتواء الخسائر.
إن طهران تفاوض بعقلية “تاجر البازار التاريخي”، بينما يقود ترامب المواجهة بعقلية “السمسار” الباحث عن صفقة سريعة أو صورة نصر إعلامية. ولهذا فهو يحذر من أن التصريحات الأمريكية المتناقضة قد تكون مجرد مناورة تمهّد إما لضربة غادرة، أو لابتزاز تفاوضي جديد.

*تركيا وقطر… بداية التحول الكبير*
من أبرز النقاط  التحول في سلوك تركيا وقطر تحديدًا.  فالدولتين لعبتا خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في مشاريع إسقاط الدول والجيوش وتمزيق المنطقة خدمة للمشروع الأمريكي.

لكن الحرب الحالية — بحسب رؤيتنا — بدأت تفرض حقائق جديدة. فأنقرة والدوحة تدركان أن النظام الدولي يتغير، وأن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة، لذلك تحاولان إعادة التموضع قبل فوات الأوان.

وأن هذه التحولات ليست أخلاقية ولا ناتجة عن تبدل في القناعات، بل نتيجة مباشرة لتغير ميزان القوى الميداني والاستراتيجي. فالبيئة الدولية لم تعد كما كانت، والهيمنة الأمريكية لم تعد قادرة على فرض إرادتها المطلقة كما في العقود الماضية.
ومن هنا نرى أن أهم ما أنتجته الحرب حتى الآن هو بداية تشكل بيئة إقليمية تحاول فيها شعوب المنطقة ودولها الإمساك بإدارة الإقليم بدل تركه بالكامل للهيمنة الأنغلوسكسونية.

*ترامب لا يزال يميل إلى التصعيد*
ورغم أجواء التفاوض، نعتقد أن احتمال التصعيد لا يزال الأعلى. ويستند في ذلك إلى طبيعة شخصية ترامب نفسها، وإلى سلوك الإدارات الأمريكية حين تدخل مرحلة استخدام المخزون العسكري والسياسي قبل أي تسوية.
فترامب  — يتصرف كتاجر صفقات يبحث عن مكسب أخير، وقد يلجأ إلى تصعيد مفاجئ إذا شعر أن بإمكانه تحقيق إنجاز نوعي أو فرض شروط جديدة بالقوة.
لذلك يحذر من الانخداع بالموجات الإعلامية التي تتحدث عن اتفاقات قريبة، معتبرًا أن المنطقة لا تزال تعيش أخطر مراحل الحرب، وأن كل الاحتمالات مفتوحة.

*لبنان يُؤكل قطعة قطعة*

نرفع لهجة التحذير وبتحليل خارج السقوف نرى أن ما يجري في لبنان لم يعد مجرد أزمة سياسية أو انهيارًا اقتصاديًا أو خلافًا على صلاحيات وحصص، بل عملية تفكيك منهجية لبقايا الدولة اللبنانية تُدار على البارد، وبإشراف مباشر من “خلية واشنطن” التي باتت تتحرك داخل مفاصل الدولة كأنها سلطة فوق السلطة.الخطير،  إن هذه الخلية لم تعد تكتفي بالتأثير على القرار السياسي، بل انتقلت إلى مرحلة افتراس المؤسسات الواحدة تلو الأخرى: المجلس النيابي تحت الضغط، القضاء تحت التهديد، المصارف تحت السيطرة، والإدارات العامة يجري تدجينها بالخوف والعقوبات والابتزاز المالي، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية نفسها التي تُعتبر آخر ما تبقى من هيكل الدولة.

المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالضغط على المقاومة أو محاصرة بيئة سياسية معينة، بل انتقلت إلى مرحلة أخطر بكثير: مرحلة إعادة تشكيل لبنان ككيان منزوع الإرادة والسيادة والقدرة على الاعتراض. ولهذا نتوقف  عند العقوبات الأمريكية على ضباط في الجيش اللبناني باعتبارها حدثًا تأسيسيًا بالغ الخطورة، لأنه للمرة الأولى بهذا الوضوح يتم التعامل مع المؤسسة العسكرية اللبنانية كأنها جهاز تابع يُسمح لوزارة الخزانة الأمريكية أن تفرز ضباطه وتحدد المقبول والمرفوض فيه وفق معيار الولاء السياسي والأمني للمشروع الأمريكي. هنا، بحسب المنطق لا يعود الحديث عن عقوبات تقنية أو مالية، بل عن إعلان وصاية مكتملة الأركان على آخر مؤسسات الدولة.

الأخطر، كما نرى، ليس القرار الأمريكي نفسه بل الصمت اللبناني المذلّ أمامه؛ صمت السلطة، صمت الحكومة، صمت المؤسسات، وصمت أولئك الذين يملأون الشاشات حديثًا عن السيادة والكرامة فيما يُداس ما تبقى من هيبة الدولة أمام أعينهم.
كان يفترض أن يهتز البلد كله، أن يُستدعى السفير الأمريكي، أن يُعقد مجلس وزراء طارئ، أن يصدر موقف واضح يقول إن الجيش اللبناني ليس شركة أمنية تعمل بإمرة السفارة الأمريكية. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، وكأن المطلوب تعويد اللبنانيين تدريجيًا على فكرة أن القرار الحقيقي لم يعد في بيروت، وأن كل مؤسسة يمكن أن تُؤكل قطعة قطعة حتى يتحول لبنان إلى هيكل فارغ تديره السفارات والأجهزة الخارجية. ومن هنا يأتي تحذيره العالي السقف: ما يجري ليس تفصيلًا إداريًا، بل بداية مرحلة تلتهم فيها الدولة نفسها، فردًا فردًا ومؤسسة مؤسسة، حتى لا يبقى في النهاية سوى سلطة شكلية تحرس الخراب وتوقّع على أوامر الخارج.

   وهنا يصبح السؤال المرعب : ماذا يبقى من لبنان عندما تصبح كل مؤسسة خاضعة لإشارة من السفارة أو لتقرير من وزارة الخزانة الأمريكية؟ بالنسبة له، ما يجري هو أخطر من الاحتلال التقليدي، لأن الاحتلال الواضح يولّد مقاومة، أما هذا النوع من السيطرة فيُنتج دولة شكلية بوجوه لبنانية لكنها تعمل بعقل وإرادة الخارج. الأخطر أيضًا أن جزءًا من الطبقة السياسية لا نرى في ذلك إهانة ولا خطرًا وجوديًا، بل يعتبره “أمرًا واقعًا” يجب التكيف معه حفاظًا على السلطة والمواقع والمصالح. لذلك فإن سقف تحذيرنا إلى الحد الأقصى: لبنان لا يُدار اليوم كدولة مستقلة، بل يجري سحبه تدريجيًا إلى وضع الكيان المفكك الذي تُدار مؤسساته بالأوامر الخارجية، وإذا استمرت الأمور بهذا المسار فلن يبقى شيء اسمه دولة، بل مجرد خرائط طائفية وأمنية متصارعة فوق أرض مستباحة بالكامل.

*الجيش اللبناني… آخر ما تبقى من أعمدة الدولة*

الجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة عسكريةبل هو آخر خط دفاع عن فكرة لبنان نفسها. ولذلك فإن استهدافه ليس استهدافًا لفئة أو لضباط بعينهم، بل محاولة لكسر العمود الأخير الذي يمنع سقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع.  نتحدث هنا بلغة شديدة القسوة والتحذير، لأنننا نرى أن المؤسسة العسكرية دخلت أخطر مراحلها منذ الحرب الأهلية: إنها مرحلة الاستنزاف المركب، حيث يُضرب الجيش اقتصاديًا لإفقار جنوده، وسياسيًا لعزله، ومعنويًا لإهانة ضباطه، وسياديًا لإظهاره كمؤسسة خاضعة للقرار الأمريكي. العقوبات الأخيرة بالنسبة له ليست إجراءً ماليًا بل “رسالة إذلال” تقول لكل ضابط: مستقبلك ورتبتك وكرامتك يمكن أن تُسحق إذا لم تنسجم مع المشروع المطلوب. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الجيوش لا تنهار فقط بالقصف والحروب، بل تنهار عندما يُضرب إيمانها بنفسها ويُزرع الخوف داخلها ويشعر ضباطها أن دولتهم تخلت عنهم. ومن هنا نطلق  الإنذار الأخطر: إذا تصدع الجيش، فإن لبنان سيدخل فورًا مرحلة الانهيار الكبير؛ ستعود الحواجز، وتنهض الميليشيات، ويتحول الأمن إلى جزر متقاتلة، وسيبكي الجميع على لبنان الذي كان يوم لا ينفع الندم. لذلك يرى أن السكوت الرسمي على إهانة الجيش ليس خطأً سياسيًا بل جريمة وطنية مكتملة الأركان، لأن المؤسسة العسكرية ليست تفصيلًا يمكن العبث به، بل هي آخر الجدران التي تمنع سقوط الدولة في الهاوية. ولهذا زعبر باللهجه الحادة: يا حيف على بلد يُهان فيه جيشه ويُستهدف ضباطه فيما المسؤولون يتصرفون كأن شيئًا لم يحدث، ويا حيف على سلطة تخاف من إزعاج السفارة أكثر مما تخاف من انهيار وطن كامل.

*العالم يتغير… وبعض اللبنانيين ما زالوا يعيشون في الماضي*

إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الحصار أو الأزمة الاقتصادية أو الضغوط الخارجية، بل العمى السياسي الكامل لدى جزء واسع من طبقته الحاكمة، وكأن هؤلاء يعيشون خارج الزمن ولا يرون أن العالم كله يتغير أمام أعينهم. فبينما تتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجيًا، وتتمرد أوروبا على كثير من إملاءات واشنطن، وتعيد دول الخليج تموضعها، وتنهض آسيا كمركز ثقل عالمي جديد، لا يزال بعض اللبنانيين يتصرفون بعقلية التسعينيات؛ عقلية أن أمريكا تحكم العالم وحدها، وأن رضا السفارة هو الطريق الوحيد للبقاء في السلطة.

هذه ليست مجرد قراءة خاطئة، بل انتحار سياسي ووطني، لأن المنطقة دخلت فعلًا مرحلة انتقال تاريخية كبرى، ومن لا يقرأ التحولات الجديدة سيُدفن تحت أنقاض النظام القديم وهو  ما زال حيًا. ولذلك نسخر بمرارة من أولئك الذين ما زالوا يراهنون على القوة الأمريكية المطلقة، بينما حتى حلفاء واشنطن الكبار بدأوا يفتحون خطوط تفاوض وتفاهم مع خصومها إدراكًا منهم أن ميزان القوى العالمي يتغير بسرعة هائلة. أما في لبنان، فما زالت فئات من السلطة تتعامل مع السفارة الأمريكية كأنها المرجعية العليا، غير مدركة أن المشروع الذي تحتمي به يعيش هو نفسه أزمته الوجودية الأخيرة. ومن هنا يأتي التحذير العنيف: الذين يربطون مصير لبنان بمشروع يتهاوى سيدفعون البلد كله نحو الكارثة، لأن العالم الجديد يُولد الآن بالنار والحروب والتحولات الكبرى، ومن يبقى أسير الماضي سيستيقظ متأخرًا على واقع لا يشبه شيئًا مما عرفه سابقًا.

*الحرب طويلة… لكن الهزيمة الأمريكية حتمية*
بالتأكيد أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن المنطقة لا تزال في قلب مخاض تاريخي كبير، لكننا نصر على أن المسار العام كان واضحًا بالنسبة له منذ بداية الطوفان العجائبية: هي حرب تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وتراجع الهيمنة الأمريكية وخروجها ووكلائها من المنطقة والتاريخ وصعود نظام عالمي جديد يولد بولادة العالم الجديد.

ومن هذا المنطلق نعتبر أن ما يجري اليوم، بكل مآسيه وفوضاه وضغوطه، ليس إلا المرحلة الأخيرة من محاولة أمريكية إسرائيلية يائسة للحفاظ على نظام عالمي يتهاوى.
أما لبنان، فيقف — بحسب تحذيرنا  — أمام لحظة مصيرية: إما حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش، وإما الانزلاق نحو انهيار شامل لن ينجو أحد من تداعياته.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى