علي أبو حبلة يكتب:نكسة حزيران 1967: بداية الانهيار والتفكك العربي وانتهاء مرحلة المدّ القومي العربي

تُعدّ نكسة حزيران عام 1967 واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في التاريخ العربي المعاصر، ليس فقط بسبب خسارة الأراضي العربية واحتلال ما تبقى من فلسطين وسيناء والجولان، وإنما لأنها شكّلت نقطة تحول استراتيجية وسياسية وفكرية أدّت إلى اهتزاز المشروع القومي العربي، وفتحت الباب أمام مرحلة طويلة من التفكك والانقسامات والصراعات التي ما زالت المنطقة العربية تعاني من تداعياتها حتى اليوم.
ففي الخامس من حزيران/يونيو 1967، شنّت إسرائيل حرباً خاطفة ضد مصر وسوريا والأردن، انتهت خلال ستة أيام فقط باحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية. ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل كانت زلزالاً سياسياً ونفسياً أصاب الوجدان العربي في الصميم، وأسقط الكثير من المسلمات التي سادت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
المشروع القومي العربي قبل النكسة
شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات صعوداً غير مسبوق للفكر القومي العربي بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي رفع شعارات الوحدة العربية والتحرر الوطني ومواجهة الاستعمار وبناء التنمية المستقلة. وقد حقق هذا المشروع شعبية واسعة امتدت من المحيط إلى الخليج، خاصة بعد تأميم قناة السويس عام 1956 وصمود مصر في مواجهة العدوان الثلاثي.
في تلك المرحلة، سادت قناعة عربية بأن الوحدة والتكامل العربيين يشكلان الطريق نحو النهضة والتحرر والتنمية، وأن إسرائيل تمثل مشروعاً استعمارياً يمكن هزيمته عبر توحيد القدرات العربية السياسية والعسكرية والاقتصادية.
النكسة وسقوط الحلم القومي
جاءت حرب حزيران لتكشف حجم الخلل البنيوي في الأنظمة العربية آنذاك، سواء على مستوى التخطيط العسكري أو الإدارة السياسية أو طبيعة المؤسسات الحاكمة. وأدّت الهزيمة إلى تراجع الثقة الشعبية بالمشروع القومي الذي كان يُنظر إليه باعتباره مشروعاً للتحرير والوحدة.
ورغم أن قمة الخرطوم عام 1967 أعادت قدراً من التضامن العربي عبر “اللاءات الثلاث”، إلا أن آثار النكسة كانت أعمق من أن تُعالج بقرارات سياسية أو شعارات إعلامية. فقد بدأت الخلافات العربية تتوسع، وتزايدت النزعات القطرية على حساب الهوية القومية الجامعة.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت الدولة الوطنية العربية تتقدم على فكرة الأمة العربية الواحدة، وتحولت الأولويات من مشاريع الوحدة والتكامل إلى حماية الأنظمة وإدارة الأزمات الداخلية.
صعود البدائل الفكرية والسياسية
أدّت النكسة إلى إعادة تشكيل الخريطة الفكرية والسياسية في العالم العربي. فقد تراجعت جاذبية الخطاب القومي لمصلحة تيارات أخرى، من بينها الحركات الإسلامية والتيارات اليسارية والتنظيمات الوطنية المحلية.
وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، برز دور منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الفلسطينية المسلحة باعتبارها حاملة لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وانتقل مركز الثقل السياسي تدريجياً من الأنظمة العربية إلى الحركة الوطنية الفلسطينية.
كما ساهمت الهزيمة في نشوء موجة واسعة من النقد الذاتي العربي، حيث ظهرت دراسات وأعمال فكرية حاولت تفسير أسباب الإخفاق، وربطت الهزيمة بغياب الديمقراطية وضعف المؤسسات وهيمنة الفردية السياسية وتقييد الحريات العامة.
من الانقسام إلى التفكك العربي
إذا كانت النكسة قد شكّلت بداية تراجع المشروع القومي العربي، فإن العقود اللاحقة شهدت تسارعاً في مسار التفكك. فقد جاءت اتفاقيات السلام المنفردة، والحروب العربية البينية، والاحتلالات الأجنبية، والصراعات الإقليمية، لتعمّق الانقسامات داخل النظام العربي.
ومع نهاية الحرب الباردة، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما أعقبه من اضطرابات إقليمية، دخل العالم العربي مرحلة غير مسبوقة من الاستقطاب والتفكك، تراجعت خلالها المؤسسات العربية المشتركة، وضعفت قدرة النظام العربي على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
واليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود على النكسة، تبدو المنطقة العربية أمام واقع مختلف تماماً عما كان سائداً عام 1967؛ إذ أصبحت الصراعات الداخلية والانقسامات الإقليمية والتدخلات الخارجية تشكل التهديد الأكبر للأمن القومي العربي، في وقت تتراجع فيه مشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي العربي.
القضية الفلسطينية بين النكسة واليوم
مثّلت نكسة حزيران منعطفاً خطيراً في مسار القضية الفلسطينية، إذ أدت إلى استكمال السيطرة الإسرائيلية على كامل فلسطين التاريخية. كما أدت إلى تعقيد مسار التسوية السياسية، وتوسيع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورغم التحولات السياسية الإقليمية والدولية، بقيت القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة العرب على بناء موقف سياسي موحد. غير أن الانقسامات العربية والفلسطينية المتراكمة حدّت من إمكانية بلورة استراتيجية عربية شاملة قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة.
الدروس المستفادة
تكشف تجربة حزيران 1967 أن الأمم لا تُهزم فقط بسبب التفوق العسكري لخصومها، بل أيضاً نتيجة ضعف مؤسساتها، وغياب المساءلة، وتراجع المشاركة الشعبية في صنع القرار، وافتقارها إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
كما تؤكد التجربة أن الشعارات الكبرى، مهما كانت جاذبيتها، لا يمكن أن تتحول إلى إنجازات مستدامة من دون بناء مؤسسات قوية، واقتصادات منتجة، وأنظمة حكم رشيدة تستند إلى القانون والكفاءة والمشاركة المجتمعية.
خاتمة
لم تكن نكسة حزيران مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة تاريخية فاصلة دشّنت مرحلة جديدة في التاريخ العربي الحديث. فقد مثّلت بداية أفول مرحلة المدّ القومي العربي، وكشفت هشاشة البنى السياسية والعسكرية التي كانت قائمة آنذاك، وفتحت الباب أمام تحولات فكرية واستراتيجية ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
غير أن استحضار ذكرى النكسة لا ينبغي أن يكون مناسبة للبكاء على الماضي أو اجترار الهزائم، بل فرصة لإعادة قراءة التجربة العربية بموضوعية، واستخلاص دروسها في بناء الدولة الحديثة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وصياغة مشروع عربي واقعي يقوم على التعاون والتكامل واحترام إرادة الشعوب، باعتبار ذلك المدخل الضروري لمواجهة التحديات الراهنة وصون الحقوق العربية وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.