
دون الدخول في التفاصيل ومفردات الاتفاق اللبناني الاسرائيلي برعاية امريكية ، فان الهدف المركزي للاتفاق يتمثل في بعدين هما نزع سلاح المقاومة الاسلامية في لبنان ، وضم لبنان لاحقا لقطيع التطبيع العربي مع اسرائيل، وكل ما تبقى من بنود الاتفاق (مناطق تجريبية، وانسحاب واسرى ..الخ) هي مجرد شروح على المتون ، والمتن هو نزع السلاح والتطبيع.
وإذا تم تحقيق الهدفين المركزيين تكون اسرائيل قد أكملت السور الجيوسياسي الواقي لها ، لان كل حدود اسرائيل مع العالم العربي ستكون مانعة لاي عمل عسكري ضد اسرائيل، وهو هدف استراتيجي تحقق تدريجيا من 1979 الى الآن.ولعل ضم اسرائيل لتبعية القيادة المركزية الامريكية بدلا من الاوروبية منذ 2021 يعزز هذا الترابط الاستراتيجي بين اسرائيل والنظم الرسمية العربية، ويفسر التدخل العربي لحماية اسرائيل من نشاطات محور المقاومة .
ذلك يعني ان نتائج المرحلة القادمة بين اسرائيل ولبنان هي نتائج استراتيجية عليا، ومنع تحقيقها يجب ان يكون هو الهدف العربي المركزي الحالي ، لكن ذلك مرهون بمتغيرات تتحكم في اتجاهات الواقع ، وهي متغيرات محلية(لبنانية) واقليمية(المشرق العربي الكبير) ودولية (بخاصة مواقف الولايات المتحدة وإدارة ترامب).
أولا : لبنانيا:
يمكن تقسيم القوى اللبنانية في البرلمان اللبناني (128 نائبا) في موقفها من اتفاق الاطار وبخاصة البندين السابقين(نزع السلاح والتطبيع) على النحو التالي:
أ- قوى ترفض الاتفاق كله: وتضم حركة امل(15 مقعدا) وحزب الله(13) يضاف له ما مجموعه 13 مقعدا يشغلها تحالف 8 آذار و المردة والتنظيم الشعبي الناصري .(بمجموع 41 عضوا ).
ب- قوى تقبل الاتفاق تماما: وتضم القوات اللبنانية(19 مقعدا) والكتائب(5)
ت- قوى ملتبسة الموقف من خلال القبول او الرفض المشروطين : وهي بقية الكتل التي تصل الى 63 عضوا ،واكبرها التيار الوطني الحر(15 مقعدا) والمستقلون (15) والائتلاف النيابي المستقل(13) الى جانب كتل صغيرة اخرى (التجدد، والاتحاد ،والاحباش،والطاشناق والتقدمي الاشتراكي..الخ).
والخريطة السابقة تشير الى تشرذم واضح في الموقف من تاييد الحكومة الحالية او اسقاطها، ويتراوح اجمالي المؤيدين للاتفاق(تماما او بشروط) ما بين 70- 71 نائبا، ويعارضه ما بين 55-57، ويمكن اعتبار توجهات من 5-7 نواب غير واضحة.
ما سبق يعني ان القوة الصلبة لرفض الاتفاق هي (41) بينما القوة الصلبة لتأييد الاتفاق هي (24)، بينما يتشرذم الباقون حول دعم مشروط او قبول مشروط ، وهؤلاء يشكلون 63 عضوا.
ذلك يعني ان بقاء الحكومة الحالية في لبنان يتارجح بين ثلاثة احتمالات:
1- تغليب الشق الامني على السياسي: اي وقف اطلاق النار، والشروع في ترتيبات امنية ،وتحسين وضع الجيش اللبناني وتوزيعه، ولكن بالمقابل الامتناع عن الصدام مع المقاومة وعدم السير حاليا في خطوات تطبيعية، وهذا التوجه قد يدعمه حوالي 72 عضوا ويعارضه 49 عضوا ، الباقي وهم 7 اعضاء مترددون.
2- تغليب الابعاد الاقتصادية على البعدين السياسي والامني: ويتمثل ذلك في بدء تدفق المساعدات العربية والدولية بشكل واضح، والشروع الجاد في اعادة الاعمار ، وتناقص الهجمات الاسرائيلية لتمكين الاعمار وتدفق المساعدات، وهو ما يؤيده حوالي 85 نائبا، ويتشكك في جدواه حوالي 43 نائبا.
3- انفجار الوضع: ويتمثل في تصاعد الهجمات المتبادلة بين المقاومة واسرائيل ، واتساع النقد للحكومة بخاصة في سياسات الاسترضاء لاسرائيل والولايات المتحدة ، وتزايد المظاهرات ، وتصاعد النقد السياسي الحاد بين تيار المقاومة وتيار خصومها، ويدفع بهذا الاتجاه حوالي 52 عضوا ويعارضه 76 .
4- موقف الجيش اللبناني: نظرا لتباين في انتماءات عناصر الجيش اللبناني حزبيا وفئويا ودينيا ومذهبيا، فان تسعير المواجهة مع المقاومة لفرض نزع السلاح سيجعل احتمالات الانشاق داخل الجيش اعلى، كما ان تكلفة المواجهة مع المقاومة –حتى ولو بمساعدة من اسرائيل- ستكون عاملا اضافيا لارتباك الجيش داخليا، وهو ما يعني ان الجيش اللبناني –حتى لو تبنى نزع سلاح المقاومة نظريا – سيبحث عن طرق اخرى وتدرجية على امل الوصول لغاياته رغم صعوبة ذلك، لكن الجيش قد يرجح اي حل الا المواجهة المباشرة ، وقد يتم ذلك بالعودة لصيغة توافقية بين الجيش والمقاومة وبكيفية “مراوغة” بهدف تأجيل المواجهة لوقت آخر وانتظارا لظروف متجددة.
ثانيا:اقليميا: من الواضح ان المعارضة للنقطتين (نزع السلاح والتطبيع) تتمركز في القوى الشعبية وبخاصة محور المقاومة وايران، بينما تبدو بقية اغلب الدول العربية تميل لتنفيذ النقطتين ، ويبدو الطرفان( العربي والايراني) أكثر تشددا حول هاتين النقطتين ولو من موقف متعارض، وهو ما يعني ان التأزم المحلي(في لبنان) سيستد اطرافه للقوى الاقليمية اكثر.
ثالثا: دوليا: لعل ما اسميناه في مقالات سابقة بدبلوماسية النرد(Dice Diplomacy ) التي يمارسها ترامب تزيد المشهد تعقيدا، والواضح ان مذكرة التفاهم اليراني الامريكي بدات تتفجر في وجهها الألغام ال14 التي سبق وان عددناها في مقال سابق ، مما يعني ان الاستقرار السياسي الاقليمي ما زال دونه خرط القتاد.
وفي تقديري ان القيادة الاسرائيلية تستشعر قدرة على تفكيك آخر نقاط المقاومة في الجبهة الشرقية لها، لذا فلن تجد مشكلة في خلق مبررات لمزيد من الاضعاف العربي ، وقد تعمل على تسعير الجبهة بين العرب وايران او بين امريكا وايران او بين اللبناننيين وبعضهم البعض ،لكي تحصد نتائج لم تخسر فيها اي شيء كما جرى في تدمير العراق وسوريا دون دفع ثمن مواز…ربما.