كتاب وشعراء

الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي… الرجل الذي جعل من الإعلام ضميراً، ومن الكلمة وطناً لا يشيخ.. بقلم الأديب المبدع: حامد الضبياني

ليست السيرة الذاتية في حقيقتها قائمةً من الوظائف والشهادات والألقاب، فهذه جميعها تستطيع الأوراق أن تحفظها، لكن الإنسان لا تحفظه الأوراق، بل تحفظه الأثر الذي يتركه في العقول، والصدى الذي يخلقه في الأرواح، والضوء الذي يزرعه في الأزمنة القادمة. وهناك رجالٌ إذا مرّوا في الحياة لم يعبروا الشوارع وحدها، بل عبروا التاريخ، وحملوا معهم أسئلة الإنسان الكبرى، وأعادوا ترتيب العلاقة بين المعرفة والواقع، وبين الفكر والمجتمع، وبين الإعلام بوصفه رسالة، والإعلام بوصفه تجارة.ومن هؤلاء يبرز الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي بوصفه مشروعاً فكرياً متكاملاً، لا يمكن اختزاله في لقب أكاديمي، ولا في منصب إداري، ولا في عدد الكتب التي ألّفها، لأنَّ حضوره أكبر من ذلك كله؛ إنَّه حالة ثقافية نادرة صنعتها سنوات طويلة من التأمُّل والعمل والتجربة، حتى أصبح اسمه مرادفاً للعقل الذي لا يكتفي بتفسير العالم، بل يسعى إلى تغييره بالكلمة والمعرفة.
وُلِد في بغداد عام 1949، في الفضل، تلك المدينة الصغيرة المختبئة داخل المدينة الكبرى، حيث الأزقَّة لا تلد البيوت وحدها، بل تلد الحكايات أيضاً. هناك بدأت الحروف الأولى تتشكَّل في وجدانه، وهناك عرف أنَّ الإنسان يولد مرَّتين؛ مرَّة من رحم أمه، ومرَّة من رحم الكتاب. ولم تكن مكتبة والده مجرَّد رفوف خشبيَّة تتكدَّس عليها الكتب، بل كانت مختبراً مبكراً لتكوين العقل، ففيها تعرّف على الفلسفة، والفكر الاجتماعي، والرواية، والمدارس النقدية، والأفكار اليسارية التي كانت تناقش العدالة والحرية والإنسان. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الكتاب عنده وسيلة للمعرفة فحسب، بل أصبح أسلوباً للحياة، وصديقاً دائماً لا يخونه الزمن.كان يمكن لهذا الفتى البغدادي أن يعيش حياة عادية مثل آلاف الشباب، لكنه اختار الطريق الأصعب؛ طريق السؤال. فالذين يسألون كثيراً لا يعيشون حياة هادئة، لأنَّ السؤال الحقيقي لا يترك صاحبه حتى يقوده إلى اكتشاف جديد. ولذلك مضى نحو الإعلام، لا باعتباره مهنة تبحث عن الخبر، بل باعتباره علماً يبحث عن الإنسان، فأنجز دراسته العليا حتى نال الدكتوراه في الإعلام والدعاية عام 1985، ثم بدأ رحلة التدريس في جامعة بغداد، قبل أن تتحوَّل الجامعات العربية إلى محطات واسعة في مشروعه العلمي، متنقِّلاً بين العراق وليبيا وتونس والأردن والإمارات، حاملاً معه عقل الأستاذ الذي لا يلقّن، بل يصنع العقول.
ثمانية عشر عاماً قضاها عميداً لكلية الإعلام في جامعة عجمان، لم تكن سنوات إدارة جامعيَّة عابرة، بل كانت مختبراً لإنتاج أجيال كاملة من الإعلاميين والباحثين. فالجامعة عنده ليست مبنىً من الإسمنت، وإنما مصنع للأفكار، والطالب ليس رقماً في سجل الامتحانات، وإنما مشروع إنسان يحمل مسؤولية المستقبل. ولذلك لم يكن يكتفي بشرح المناهج، بل كان يعيد صياغة فلسفة التعليم نفسها، فشارك في تأسيس البرامج الأكاديمية، وصمَّم مناهج الإعلام الرقمي والعلاقات العامة وعلم الاجتماع، وأسهم في إنشاء برامج الدراسات العليا، ودافع عنها علمياً حتى أصبحت جزءاً من البناء الأكاديمي العربي الحديث.
ولأنَّ الزمن لا ينتظر أحداً، كان البياتي من أوائل الذين أدركوا أن العالم يغادر الورق نحو الشاشة، وأن الصحافة التقليدية تدخل عصرًا جديداً لا يشبه ما قبله.فكتب مبكراً عن الإعلام الرقمي، والاتصال الإلكتروني، والمجتمع الرقمي، والدبلوماسية الرقمية، قبل أن تتحوَّل هذه المفاهيم إلى حقول علمية مستقلة. لقد قرأ المستقبل قبل أن يصل، ورأى التحولات وهي ما تزال بذورًا صغيرة، فكان واحداً من الأصوات العربية التي أسَّست لفلسفة الإعلام الجديد بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية، لا مجرَّد تطور تقني.
ولم يكن الباحث الذي يحبس نفسه داخل الجامعات، بل خرج إلى الحياة بكلِّ تفاصيلها. كتب في الصحافة، وأدار صحفاً عراقية مهمة، وعمل في الإذاعة والتلفزيون، وكتب السيناريو والبرامج الثقافية، وترأس مراكز البحوث، وشارك في التخطيط الإعلامي، وقدَّم الاستشارات للأمم المتحدة، واليونيسف، وجامعة الدول العربية، ومؤسسات عربية ودولية عديدة. وهكذا ظلَّ يتحرَّك بين النظرية والتطبيق، حتى أصبحت تجربته نموذجاً للمثقف الذي لا يفصل الفكر عن الواقع، ولا الجامعة عن المجتمع.
إنَّ أكثر ما يلفت النظر في مشروع ياس خضير البياتي أنه لم يكن باحثاً يكرِّر ما كتبه الآخرون، بل كان منتجاً للأفكار. أكثر من خمسة وثلاثين كتابًا، وعشرات البحوث المحكمة، ومشاركات علمية في مؤتمرات عربية وعالمية، وجوائز أكاديمية مرموقة، وأبحاث منشورة في مجلات عالمية مفهرسة، كلها تشهد أن الرجل لم يكن يكتب من أجل النشر، وإنما كان يكتب لأن الأفكار حين تتراكم في داخله تصبح الكتابة ضرورة أخلاقية، تماماً كما يصبح النور ضرورة للعين. ومن يتأمَّل كتبه يكتشف أنَّه لم يكن يلاحق الموضات الفكرية، بل كان يصنع مساراتها. فمن “احتلال العقول” إلى “يورانيوم الإعلام”، ومن “الاتصال الرقمي” إلى “الإعلام الرقمي”، ومن “الدبلوماسية الإعلامية الرقمية” إلى دراساته الحديثة في الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية، نقرأ عقلاً يتطوَّر باستمرار، لا يخاف من الجديد، ولا يتقوقع داخل أمجاد الماضي، بل يتعامل مع المعرفة باعتبارها كائناً حيَّاً ينمو كلَّ يوم.
ولعلَّ أجمل ما في هذه التجربة أنها بقيت عراقية الروح مهما ابتعدت الجغرافيا. فقد حمل بغداد معه إلى كل جامعة، وكل مؤتمر، وكل كتاب، وظل العراق حاضراً في وجدانه، ليس باعتباره مكان الميلاد فقط، بل باعتباره مسؤولية فكرية وأخلاقية. ولذلك عاد إلى وطنه ليتولَّى رئاسة قسم الإعلام الرقمي في جامعة النور، وكأنَّه يؤكِّد أن المبدع الحقيقي لا ينسى التربة التي أنبتت جذوره مهما ارتفعت أغصانه في فضاءات العالم.
لقد تتلمذ على أعلام كبار مثل علي الوردي وعبد الجليل الطاهر ويونس التكريتي وغيرهم، لكنه لم يظل ظلاً لهم، بل تحوَّل إلى مدرسة قائمة بذاتها، حتى أصبح هو الآخر أستاذاً لأجيال من الباحثين والإعلاميين الذين انتشروا في الجامعات والمؤسسات الإعلامية العربية، يحملون شيئاً من منهجه، وشيئاً من لغته العلمية، وشيئاً من إيمانه بأنَّ المعرفة لا قيمة لها إن لم تتحوَّل إلى خدمة للإنسان.
ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ عاش بين الكتب أكثر مما عاش بين الضجيج، لأنَّ الكتب تمنح أصحابها نوعاً من الخلود الهادئ. وياس خضير البياتي واحد من أولئك الذين لم يبحثوا عن الشهرة بقدر ما بحثوا عن القيمة، ولم يطاردوا الأضواء بقدر ما طاردوا الحقيقة، فصار اسمه حاضراً في المكتبات قبل أن يكون حاضراً في المنصَّات، وفي الجامعات قبل أن يكون حاضراً في وسائل الإعلام.
إنَّه يثبت أنَّ المثقف الحقيقي ليس من يعرف أكثر، بل من يجعل الآخرين يعرفون أكثر، وليس من يحتفظ بالحكمة لنفسه، بل من يحوِّلها إلى جسور تعبر عليها الأجيال. ولذلك فإنَّ الحديث عن ياس خضير البياتي لا ينتهي عند حدود سيرة شخصية، بل يبدأ من سؤال أكبر: كيف يستطيع إنسان واحد أن يترك هذا الكمّ من الأثر في الفكر والإعلام والجامعة والمجتمع؟ والجواب بسيط في ظاهره، عميق في جوهره؛ لأنه آمن بأنَّ الكلمة مسؤولية، وأن المعرفة رسالة، وأن الإنسان لا يُقاس بعدد سنوات عمره، بل بعدد العقول التي أيقظها، وعدد النوافذ التي فتحها للضوء.وهكذا يبقى الدكتور ياس خضير البياتي واحدًا من الوجوه العراقية والعربية التي استطاعت أن تنتصر للعلم على الضجيج، وللفكر على السطحية، وللإنسان على كلِّ أشكال التهميش، وأن تكتب اسمها بالحبر الذي لا يجف، لأنَّ الذين يزرعون المعرفة في العقول لا يغيبون، بل يتحوَّلون إلى ذاكرة حيَّة تمشي مع الزمن، وتكبر كلَّما كبرت الأجيال التي نهلت من عطائهم.

*بقلم: حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى