كتاب وشعراء

قراءة تفكيكية في أقصوصة «كبير السفاحين» للكاتبة نجاح الدروبي.. بقلم الأديب والناقد الكبير: عمار بلخضرة

ق.ق.ج
كبير السفاحين
بقلم: نجاح الدروبي

“في نوبته الجنونيَّة الأخيرة أمطر السماء فوق رؤوس العصافير بدمٍ أحمرَ، فاصلاً آلاف الرؤوس والأيدي التي هاجمته وحاصرته.. فجأةً دوَّى صوت إعصار قادم من بلدٍ يتوسَّطه تمثال الحرية وأنقذه، فاستشاطت العصافير غضباً وحاكمته ثمَّ قذفت به في اليمِّ فتقيَّأ اليمُّ جسده خشية أن يتسمَّمَ ماؤه”.

يمكن قراءة أقصوصة «كبير السفاحين» قراءةً تفكيكيةً على نهج Paul de Man من خلال البحث في التناقضات الداخلية التي تجعل النصَّ يهدم يقيناته الظاهرة ويُنتج دلالات متعارضة.

يبدو المعنى المباشر للنصِّ واضحاً؛ فهناك “سفاحٌ محتلٌّ” يمارس القتل الجماعي، ويستمدّ حمايةً من قوة عظمى يرمز إليها “بلد يتوسطه تمثال الحرية”، ثم تتولى العصافير “الشعب الفلسطيني المسالم” محاكمته وإنزال العقاب به. غير أنَّ القراءة التفكيكيَّة لا تتوقَّف عند هذا المستوى الأخلاقي المباشر، بل تسأل: كيف تعمل اللغة على تقويض هذا المعنى؟

أوَّل ما يلفت الانتباه هو المفارقة الكامنة في صورة تمثال الحرية. فالحرية في المتخيَّل الإنساني قيمة سامية ترتبط بالعدالة وحقوق الإنسان، لكن النصَّ يجعلها مصدر نجاة لـ”كبير السفاحين”. هنا تنقلب العلامة على مدلولها؛ إذ تتحوَّل الحرية من رمز للخلاص إلى أداة لحماية القاتل المحتل “سارق الأرض المقدَّسة”. وبهذا لا يعود معنى الحرية مستقراً، بل يصبح مشروخاً بين ما تدَّعيه العلامة وما تمارسه فعليَّاً.

كما يقوم النص على قلب متواصل للثنائيَّات التقليديَّة. فالعصافير، وهي رمز الضعف والبراءة، تتحوَّل إلى قوة قضائيَّة تحاكم الجلاد. أما العابر الغريب/السفاح، الذي يحتلُّ الأرض، فيغدو موضوعاً للمحاكمة والعقاب. وهكذا تتزعزع ثنائية القوي/الضعيف، فلا يبقى أيُّ طرفٍ محتفظاً بموقعه الثابت.

ويبلغ التناقض ذروته في النهاية: “قذفت به في اليم فتقيَّأ اليمُّ جسده خشية أن يتسمَّم ماؤه”. فاليمُّ، وهو فضاء طبيعي محايد، يُضفَى عليه وعيٌّ أخلاقي يجعله يرفض استقبال الجسد. لكن هذه الصورة تُنتج مفارقة أخرى؛ فإذا كان السفاح قد تجاوز حدود الشر إلى درجة أنَّ البحر نفسه يرفضه، فإنَّ العقاب يفقد معناه النهائي، لأنَّ الجسد لا يجد مكاناً يحتويه. فالنصُّ لا يُحقِّق الإقصاء الكامل للشر، بل يعيد إنتاج حضوره في صورة جسد لفظه البحر.

ومن منظور بول دي مان، يمكن القول:
إنَّ بلاغة النص تتغلب على رسالته المباشرة. فالاستعارات والتشخيصات (“العصافير تحاكم”، “اليم يتقيَّأ”) لا تنقل حقيقة مستقرَّة، بل تكشف أنَّ المعنى نفسه نتاج لعبٍ لغوي. فالعدالة التي تبدو منتصرة في النهاية تتعرَّض للتقويض؛ إذ إنَّ إنقاذ السفاح أولاً ثم لفظه لاحقاً يترك القارئ أمام سؤال مفتوح: هل انتصر العدل حقاً أم أن الشر مازال قادراً على الإفلات من كل نظام؟

وعليه، فإنَّ القراءة التفكيكية ترى أنَّ النصَّ لا يقدّم إدانةً بسيطةً للسفاح المتمثِّل بالعابر الغريب فحسب، بل يكشف هشاشة المفاهيم الكبرى التي يستند إليها الخطاب السياسي والأخلاقي: الحرية، العدالة، القوة، والعقاب. فكل مفهوم منها يحمل نقيضه في داخله، ويُنتج النص عبر تناقضاته دلالةً مؤجّلة لا تستقرُّ على معنى نهائي واحد. وهذا تحديداً ما يجعل الأقصوصة قابلة لقراءة تفكيكية عميقة تتجاوز ظاهرها الإدانـي إلى مساءلة اللغة والرموز التي تُبنى بها الحقيقة نفسها.

بقلم الأديب الناقد: عمار بلخضرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى