
الجبهة العربية السورية والسعي لاستعادة السيادة الوطنية !!
د . محمد سيد أحمد / مصر
تمثل الأزمة السورية واحدة من أكثر الأزمات السياسية والجيوسياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، إذ تجاوزت كونها صراعًا داخليًا لتتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي ألقى بظلاله على مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها ووحدة أراضيها. وبعد سنوات طويلة من الحرب وما رافقها من انهيار اقتصادي واجتماعي ومؤسسي، لا يزال السؤال الجوهري المطروح هو: كيف يمكن للدولة السورية أن تستعيد سيادتها الكاملة على كامل ترابها الوطني؟
لقد شهدت سورية خلال السنوات الأخيرة تغيرات سياسية وعسكرية عميقة انتهت إلى استيلاء فصيل إرهابي على السلطة بقيادة أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني. ويرتبط اسم الجولاني بتاريخ طويل من النشاط الإرهابي، إذ قاد “جبهة النصرة” التي كانت فرعًا لتنظيم القاعدة في سورية، وهو ما أدى إلى إدراجه لسنوات على قوائم الإرهاب الأمريكية وفرض عقوبات عليه، كما أعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق مكافأة عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه. ومع التحولات التي شهدتها الساحة السورية، طرأت تغيرات على موقعه السياسي وعلاقاته الإقليمية والدولية، إلا أن خلفيته السابقة لا تزال تشكل محورًا للنقاش السياسي والإعلامي، كما أنها تثير تساؤلات لدى كثير من المراقبين بشأن طبيعة المرحلة الجديدة ومستقبل الدولة السورية، خاصة وأن الرجل لم ينتخب من الشعب السوري، بل جاء على الدبابة الأمريكية والتركية والصهيونية ليغتصب السلطة، ويفرض على السوريين أمرًا واقعًا.
وفي موازاة هذه التحولات الداخلية، بقيت مسألة الوجود العسكري الأجنبي من أبرز التحديات التي تواجه مفهوم السيادة الوطنية. فالعدو الصهيوني ما زال يحتل هضبة الجولان السورية منذ عام 1967، وهو احتلال لا تعترف به غالبية دول العالم، وتعتبره الأمم المتحدة مخالفًا للقانون الدولي. وخلال السنوات الأخيرة كثف العدو الصهيوني عملياته العسكرية داخل الأراضي السورية، مستهدفًا مواقع عسكرية وبنى تحتية ومنشآت مختلفة، كما وسع انتشاره العسكري في بعض المناطق الحدودية عقب سقوط النظام واستيلاء الجولاني على السلطة، وهو ما ينظر إليه الشعب السوري بوصفه انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة ووحدة أراضيها.
إلى جانب ذلك، يستمر الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سورية، حيث تنتشر قوات أمريكية في عدد من القواعد العسكرية بالتعاون مع قوات محلية. وتؤكد الولايات المتحدة أن وجودها يهدف إلى منع عودة تنظيم داعش وحماية الاستقرار في المنطقة، مع أن الجميع يعلم علم اليقين أنها الراعي الرسمي للإرهاب وعدم الاستقرار في منطقتنا، ويعتبر الشعب السوري أن هذا الوجود هو انتهاك للسيادة الوطنية.
أما في الشمال السوري، فتحتفظ تركيا بوجود عسكري واسع في عدد من المناطق الحدودية، وتدير نفوذًا سياسيًا وأمنيًا في مناطق مختلفة عبر فصائل سورية متحالفة معها وعلى رأسها الجولاني، وتعلن أنقرة أن وجودها يهدف إلى حماية أمنها القومي ومنع تمدد الجماعات المسلحة التي تعدها تهديدًا لأمنها، على الرغم من أن الجميع يعلم أنها هي التي أدخلت هذه الجماعات التكفيرية الإرهابية للأرض العربية السورية، ويرى الشعب السوري أن هذا الوجود يمثل مساسًا بوحدة الأراضي السورية، ويطالب بإنهائه.
إن اجتماع هذه الوقائع يضع الدولة السورية أمام مشهد شديد التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل استعادة السيادة الكاملة هدفًا بالغ الصعوبة. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن السيادة لا تعني مجرد السيطرة العسكرية على الحدود، وإنما تشمل احتكار الدولة لاستخدام القوة، وقدرتها على إدارة مؤسساتها، وفرض القانون على كامل أراضيها، وإقامة علاقات خارجية مستقلة تعبر عن الإرادة الوطنية.
وقد أدى تعدد مراكز القوة داخل سورية إلى آثار عميقة على المجتمع والدولة. فاستمرار الانقسام الجغرافي والإداري أدى إلى تباين في القوانين والإدارات والخدمات، وأثر في حركة السكان والاقتصاد، وأضعف قدرة المؤسسات الوطنية على أداء وظائفها بصورة موحدة. كما أسهم استمرار التدخلات الخارجية في تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحظى بقبول مختلف أبناء الشعب السوري.
وفي المقابل، برزت داخل سورية وخارجها أصوات وتيارات سياسية متعددة منذ سقوط النظام تؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لاستعادة سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، وإنهاء جميع أشكال الوجود العسكري الأجنبي، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية بما يحفظ وحدة البلاد واستقلال قرارها السياسي. وخلال هذا الأسبوع تم تدشين الجبهة العربية السورية بواسطة وجه وطني معروف لدى جميع أبناء الشعب السوري، ويلقى قبولًا واحترامًا على المستوى القومي العربي وهي الإعلامية العربية السورية الكبيرة “فاطمة جيرودية ” والتي تعلن عن حركة تحرر وطني حقيقي لاستعادة السيادة الوطنية.
ومع دعمنا للجبهة العربية السورية نؤكد أن استعادة السيادة الوطنية عملية معقدة لا تقتصر على الإطاحة بالإرهابيين من سدة الحكم، وإنهاء مظاهر الوجود العسكري الأجنبي، بل تتطلب أيضًا إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري، وإصلاح المؤسسات، وإعادة الإعمار، وتهيئة بيئة سياسية تسمح للسوريين بتحديد مستقبلهم عبر آليات سياسية تحظى بالشرعية والقبول الشعبي، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي ويحافظ على وحدة الدولة واستقلالها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم / د. محمد سيد أحمد