كتب زكريا شيخ أحمد
أنا لا أجلس.. أنا أتراكم
•••••••••••••••••••••••
تحميل الملف:
عقدة الأمكنة – تعذر العثور على الهوية-
البحث عن: الوجه المتروك في المرآة.
الإحداثيات الجغرافية للذاكرة:
مقعدُ المحطةِ نفسُه.
الرصيفُ الساعةُ ٠٣:١٤ صباحاً.
كلُّ الناسِ الذين مروا من هنا
تركوا طبقاتٍ من جلودِهم على المقاعدِ،
الآنَ …
جسدي يجلسُ فوقَ جسدِ شخصٍ غريبٍ كان يبكي هنا قبلَ مئةِ عامٍ.
أنا لا أجلسُ.. أنا أتراكمُ.
خطأ في تناسخ الأشياء :
دخلتُ المقهى،
طلبتُ قهوةً سوداءَ دونَ سكرٍ.
النادلُ نظرَ إليَّ و قالَ:
لقد دفعتَ الثمنَ بالفعلِ .
أنا لم أدخلْ هذه المدينةَ من قبل،
لكنَّ بصماتِ أصابعي موجودةٌ بالفعلِ
على حافةِ الفنجانِ
و ثمةَ أغنيةٌ
تعرفُ اسمي السرّيَّ تدورُ في الخلفيةِ.
رادار الوقت :
الماضي:
خطٌّ مستقيمٌ ينحني ليصبحَ مشنقةً.
الحاضر:
غرفةٌ جدرانُها من مرايا مقعرةٍ.
المستقبل:
غبارٌ ينتظرُ أن يجتمعَ ليعيدَ تشكيلي.
المفهوم البشري للمشي :
نحنُ لا نمشي إلى الأمامِ.
نحنُ ندورُ حولَ ثقبٍ أسودَ حتى نبتلعَ أنفسَنا.
تفتحُ خزانةَ ثيابِكَ
فتجدُ معطفاً لم تشترِهِ قطُّ،
ترتديْهِ،
فتجدُ في جيبِهِ رسالةً مكتوبةً بخطِّ يدِكَ…
تحذرُكَ فيها من فتحِ الخزانةِ.
خروج اضطراري:
النفاياتُ العقليةُ امتلأتْ بأشخاصٍ كنا نحبُّهمْ.
فراغُ السلةِ؟
نعم / لا
النظامُ لا يستجيبُ، الأشخاصُ يعودونَ على هيئةِ طنينٍ في الأذنِ .
زكريا شيخ أحمد
فكتبت عطش السراب
كل الذين عبروا قبلنا
قبل موتهم
قد صافحونا بالمحطه
بدهشة تشبه دهشتنا الان
حين علمنا اننا نتناوب بالجلوس
على مقاعدهم
….
لم يكن تحميص القهوة
عبثيا
كان مجهز لينسكب بكوب
اعُد خصيص لك
وذاتها المعزوفة على هيئة آلتك الموسيقية
(الساز) اهتزت أوتارها تصدح بـاسمك
ثمة مشانق معلقة
تتأرجح عليها حكاياتنا
ومرايا خداعة ترفض ملامحنا
وغبار مكدس على قارعة طريقنا
يفتح ذراعيه يبتلعنا
ك ثقب اسود
ثم يلفضنا بخزائن العمر
بتمام الرتابة .
نص بمنتهى البلاغة
فكتب زكريا شيخ أحمد
إلى الشاعرة سراب العطش:
لم يكنْ تناوباً يا سراب…
كانَ تواطؤاً سرياً بين الرصيف و العدم.
المصافحةُ التي حدثتْ في المحطةِ
لم تتركْ وراءَها كفاً…
تركتْ رعشةً عالقةً في الهواء لمئة عام
و انتظرتْ وصولي
لتستقرَّ في رجفة يدي و أنا أهزُّ الفنجان.
ترددات الساز المسافر:
عندما اهتزتْ أوتارُ “الساز”
لم تكنْ تعزفُ لحناً غريباً في المقهى،
كانتْ تلم لغتي المبعثرةَ على حواف الطاولات.
هذا الخشبُ الهرمُ الذي أحملُهُ،
ليس آلةً موسيقية..
إنه صندوقُ بريدٍ خشبيٌّ
تجمعُ فيهِ الأرواحُ تنهيداتِها،
و كلما نقرتُ على وترٍ…
صرخَ غريبٌ ماتَ في المنفى:
”الأغنيةُ تخصُّني.. هذا اسمي السرّي! ”
الخروج من الثقب الرتيب:
أنتِ رأيتِ القهوةَ تُسكبُ بـقَدر،
و أنا رأيتُ العمرَ يُسكبُ في الفراغ.
المرايا الخداعةُ التي رفضتْ ملامحَنا
لم تكنْ تكذب..
كانتْ تحمينا من رؤيةِ الوجوهِ التي
سنصبحُ عليها
حينَ تبتلعُنا الخزائنُ من جديد.
نحنُ لا نخرجُ بتمامِ الرتابة،
نحنُ نخرجُ معطوبينَ..
كطنينٍ عاجزٍ عن الصمتِ
و كغبارٍ يرفضُ أنْ يستسلمَ للمكنسة.
شكراً لأنكِ ضبطتِ ساعةَ المحطةِ
على توقيتِ دهشتي
و لأنكِ جعلتِ من “الساز”
جسراً يعبرُ فوقَهُ
كلُّ هؤلاءِ المتراكمينَ في صدي
فكتبت عطش السراب
صندوق بريدك الخشبي
جسرك
الذي يوصلنا اليك
..
امام هذا الحرف وامام قرأتك هذه
لا يسعني إلا الصمت …
شكرا بحجم السماء يا صاحب البريد ..
فكتب زكريا شيخ أحمد
عطش السراب..
أغلقنا الخزانة الآن
و لم نعد نرتدي معاطف الغرباء.
رسالتنا التحذيرية كُتبت و وصلت
و قصيدتنا المشتركة
أصبحت هي الأغنية السرية التي
ستدور في خلفية هذا العالم إلى الأبد.
شكراً لتقاسمكِ هذا التراكم البديع.