رؤي ومقالات

التعالق الاجناسي

التعالق الأجناسي حين تعبر الكتابة حدود الأجناس:

كثيراً ما يرد مصطلح التعالق الأجناسي في الدراسات النقدية دون أن تتضح دلالته لدى القارئ غير المتخصص ومن هنا جاءت هذه القراءة محاولةً تقريب المفهوم والإضاءة على حضوره في النصوص الأدبية وكيف أصبح أحد أبرز ملامح الكتابة الحديثة
إذ كلما ظنّ النقد أنه أحكم إغلاق الأجناس الأدبية داخل حدودها جاءت الكتابة لتفتح باباً جديداً فمنذ ولادة النص الأول لم يكن الإبداع يعترف بالسياجات بل كان يختبر قدرته على العبور وما نسميه اليوم(التعالق الأجناسي) ليس ظاهرة طارئة وإنما الإسم الذي منحه النقد لحركة قديمة ظلت ترافق الأدب كلما اتسعت التجربة وضاقت القوالب
لم تُخلق الأجناس الأدبية لتكون قوالب جامدة وإنما وُجدت لتيسّر قراءة النصوص وفهم خصائصها فحين قسّم (أرسطو) الفنون كان يقرأ طرائق التعبير ولم يكن يسنّ قوانين تمنع الكتابة من النمو غير أن الإبداع ظل أكثر رحابة من كل تصنيف لأن التجربة الإنسانية لا تتحرك في خط واحد فهي تتذكر وتحلم وتتأمل وتحكي في اللحظة نفسها ولهذا أخذت الكتابة تبحث دائماً عن شكل يستوعب هذا الثراء
ومن هنا تتضح دلالة التعالق الأجناسي فهو حوار فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه طرائق التعبير دون أن تتنازل عن هويتها
فالقصيدة قد تستثمر السرد لتوسيع أفقها الزمني
والرواية قد تستعير التكثيف الشعري لتمنح لحظاتها الداخلية عمقًا أكبر
والمسرح قد يحتضن التأمل الفلسفي ليكشف ما تعجز الحركة وحدها عن الإفصاح عنه
إننا أمام تفاعل يثري النص
ولسنا أمام إلغاء للفوارق بين الأجناس
وتراثنا العربي يقدم شواهد مبكرة على هذه الظاهرة
وإن لم يسمها بهذا الاسم (فالمقامات) مزجت السرد بالإيقاع والبلاغة
ورسائل أبي (حيان التوحيدي ) تحركت بين الفكر والأدب
وكتابات (النفري) استعصت على الإنتماء إلى جنس واحد لأن التجربة التي حملتها كانت أوسع من أي تصنيف
وهذا يؤكد أن المصطلحات تتغير أما الإبداع فيسبقها دائماً
وقد وسّع النقد الحديث هذه الرؤية فأصبح النص يُقرأ كونه كياناً حياً يدخل في حوار مع الأجناس والفنون ويعيد تشكيل أدواته وفق حاجته التعبيرية
لذلك لم يعد السؤال الأكثر أهمية: إلى أي جنس ينتمي هذا النص؟
وإنما: كيف استطاع أن يبني عالمه؟ لأن القيمة الجمالية لا تقاس بعدد العناصر التي يستعيرها الكاتب لكن بقدرته على صهرها في بناء متماسك يشعر القارئ معه أن كل عنصر وجد مكانه الطبيعي
غير أن التعالق الأجناسي لا يتحقق بمجرد جمع أدوات متفرقة فقد يتحول إلى استعراض شكلي إذا غابت الضرورة الفنية
أما حين تفرض التجربة لغتها الخاصة فإن العناصر الوافدة تذوب في نسيج النص حتى تبدو وكأنها وُلدت فيه وعندها يصبح التعالق فعلاً إبداعياً يوسع أفق القراءة ويمنح النص طاقة تعبيرية أكبر
لقد أثبتت الكتابة الحديثة أن الأجناس الأدبية لا تزداد قوة بالانعزال وإنما بالحوار
فكل جنس يحتفظ بخصوصيته ويكتشف في الوقت نفسه إمكانات جديدة عبر انفتاحه على غيره وهكذا يغدو التعالق الأجناسي علامة على حيوية الأدب وليس على اضطرابه
وحين نكف عن سؤال النص: إلى أي جنس تنتمي؟
ونبدأ بسؤاله: كيف صنعت عالمك؟ نكون قد اقتربنا من جوهر القراءة فالنص العظيم يبتكر حدوده بنفسه ويقنع قارئه أن الجمال يولد من صدق الرؤية واتساع أفقها
لا من صرامة التصنيف
وخلاصة القول:
فإن التعالق الأجناسي هو تفاعل فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه وسائل التعبير دون أن يفقد أيٌّ منها هويته فليس المقصود إذابة الحدود بين الشعر والسرد والمسرح وإنما الإفادة من طاقاتها الجمالية لبناء نص أكثر ثراءً واتساعاً لذلك لم يعد نجاح النص مرهوناً بإنتمائه إلى جنس أدبي واحد إنما بقدرته على توظيف هذه العلاقات في خدمة رؤيته وصياغة تجربة متماسكة تفتح أمام القارئ آفاقاً جديدة للفهم والتأويل

مرشدة جاويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى