كتاب وشعراء

قراءة في نص “فم مخنوق بين ساقين ” للشاعر هاني النراف بقلم رياض عبد الواحد

لا يُقرأ هذا النص بوصفه قصيدةَ صورٍ متجاورة بل بوصفه بنيةً رؤيويةً كاملةً تُعيد مساءلة علاقة الإنسان بالوجود، وبالجسد، وبالمعنى الذي يتساقط من داخله. وهو نصٌّ يرفض المعنى المباشر، ويقيم شعريته على منطقة التوتر بين الحضور والغياب، بين الرغبة في الإمساك بالوجود واستحالة القبض عليه.
يضع النصيص وحده المتلقي أمام صدمة دلالية؛ فـ(الفم) رمز الكلام والاعتراف والخلق لكنه هنا مخنوق، ومحاصر (بين ساقين). لا يعود الجسد فضاءً شهوانياً بل يتحول إلى استعارة للإنسان الذي فقد منفذ التعبير وأصبح وجوده عالقاً بين غريزته ووعيه، بين السفلي والعلوي، بين الحيواني والروحي.
إنه نصيص يعلن منذ البداية أن القصيدة ستشتغل على اختناق المعنى؛ فالفم الذي يُفترض أن ينطق صار عاجزاً، والإنسان محاصر داخل تكوينه الجسدي.
ثيمة الزوال واستحالة الإمساك بالوجود:
مفتتح النص:
(لم تُحسن يوماً الإمساكَ بالزوال
كانت يدُك دائماً جهةَ الإفلات)
هنا مفارقة فلسفية عميقة، فالإنسان لا يفشل في الإمساك بالشيء الموجود بل يفشل حتى في الإمساك بالزوال نفسه. وكأن الشاعر ينقل الأزمة من سؤال: (كيف نمتلك الأشياء؟).إلى سؤال أكثر قسوة: (كيف نفهم فقدانها؟)
اليد التي كانت (جهة الإفلات) ليست يد إنسان عاجز فقط بيد انها يد الكائن الوجودي الذي كتب عليه أن يخسر كل محاولة للقبض على الزمن.
ثم تأتي:
(عدتَ إلى ظلِّك المغبَّرِ بالغياب)
فالعودة ليست إلى الذات بل إلى ظل الذات. وهذا من أقوى مواضع النص’ لأن الشاعر لا يقول إن الإنسان عاد إلى نفسه، بل عاد إلى أثره، إلى نسخة باهتة منه. فالغياب هنا ليس حالة طارئة لكنه مادة تكوين.
الذات بوصفها خراباً داخلياً
يقول:
(أثرٌ موشومٌ في فمِ يقظة)
الاستعارة هنا شديدة الكثافة. فالأثر لا يوجد على الجلد بل في (فم اليقظة). كأن الوعي نفسه يحمل ندبة. اليقظة ليست خلاصاً، بل جرحاً.
ثم:
(في ركنِ أناكَ الشاردِ
وصمتِهِ المثقلِ
بكهولةِ البياض)
هذه صورة تنقل الذات من كونها مركزاً للوجود إلى كونها مكاناً مهجوراً. (الأنا الشارد) تعبير عن اغتراب داخلي، أما (كهولة البياض) فهي صورة مركبة؛ فالبياض عادةً يرتبط بالنقاء والبداية لكنه هنا يشيخ. أي أن حتى الرموز المضيئة فقدت قدرتها على الإنقاذ.
سقوط الجدوى وسؤال السماء:
من أجمل المقاطع:
(حتى تُجيدَ سؤالَ السماء
عن أولِ شيءٍ
يسقطُ من رأسِ الجدوى)
السؤال هنا ليس عن الإله لكن عن سقوط المعنى نفسه. فالقصيدة لا تبحث عن إجابة ميتافيزيقية بل تستنطق لحظة انهيار الغاية.
عبارة (رأس الجدوى) بالغة الذكاء، فالجدوى كائن له رأس يسقط منه أول شيء. إنها أنسنة للمفهوم الفلسفي، وتحويله إلى جسد معرض للانهيار.
الجسد كآخر ملاذ للعدم:
المقطع:
(تحاولُ المشيَ عارياً فوقَ الحشود
حيثُ لا مكانَ هناكَ لرغيفِ الفراغ)
من أكثر المقاطع حداثةً. فالجماعة هنا لا تمنح الحماية غير انها تتحول إلى فضاء خانق. أما (رغيف الفراغ) فهي استعارة مدهشة؛ فالفراغ أصبح شيئاً يُقتات عليه، وكأن الإنسان المعاصر يعيش على نقصه.
ثم:
(ومن سُرَّتِكَ المدلاةِ بينَ ساقيكَ
ينبتُ لكَ فمٌ
يلثمُ انكسارَ المراثي)
هنا يعود النصيص ولكن بنحو أكثر عمقاً. الفم يولد من الجسد السفلي لكنه لا ينطق، بل (يلثم الانكسار) ، إنه انتقال من الكلام إلى التماس مع الجرح. كأن الإنسان لم يعد قادراً على رواية مأساته بل صار يعيشها جسداً.
الزمن ككائن يهزم الإنسان:
(يعاشرُ جسدَ الخطوةِ السابعة
ويرقصُ مشدوهاً تحتَ فواتِها)
الخطوة السابعة تحيل إلى اكتمال رمزي، لكنها تأتي مقترنةً بالفوات. كل اكتمال يحمل داخله بذرة الانهيار. وهذه إحدى الأفكار المركزية في النص: الإنسان لا يسقط لأنه لم يصل، بل لأنه يصل متأخراً دائماً.
خاتمة الانطفاء:
النهاية:
(فلا رمادَ تعبرُ بهِ جسرَ الرملِ
وأنتَ ترتعشُ
خرقةَ ضوءٍ
ريحاً تلهثُ بحثاً عن جدار)
هذه ليست خاتمة موت لكنها خاتمة انكشاف. فالإنسان يصل إلى لحظة لا يملك حتى رماداً يعبر به. لا بقايا، لا أثر، لا شاهد.
والصورة الأخيرة (خرقة ضوء) من أجمل صور النص؛ فالضوء الذي كان رمزاً للخلاص يتحول إلى شيء ممزق، والريح التي تبحث عن جدار هي استعارة لكائن فقد حتى إمكانية الاستقرار.
الخلاصة :
ينتمي هذا النص إلى شعرية العدم الوجودي لا بمعنى التشاؤم بل بمعنى كشف هشاشة المركز الإنساني. إنه يبني عالمه من مفردات: الزوال، الظل، الغياب، الفراغ، الفوات، الرماد، لكنه لا يستسلم لها؛ بل يحولها إلى طاقة كشف.
قوة النص تكمن في أنه لا يقدم أطروحة فلسفية جاهزة بل يجعل المتلقي يعيش تجربة الانهيار الداخلي للمعنى. لغته كثيفة، وصوره ليست زخرفاً بل هي وحدات تفكير. إنه نص يقترب من تقاطعات الشعر الصوفي في بحثه عن ما وراء الظاهر، ومن الفلسفة الوجودية في مساءلته للجدوى، ومن الحداثة الشعرية في تفكيكه لمركزية الذات.
إنه نص لا يقول: (الإنسان ضائع) بل يذهب إلى أبعد:
الإنسان هو ذلك الكائن الذي يكتشف ضياعه في اللحظة التي يبحث فيها عن الطريق.

النص:

فمٌ مخنوقٌ بين ساقين
**
لم تُحسن يوماً الإمساكَ بالزوال
كانت يدُك دائماً جهةَ الإفلات
ومنذُ البدءِ
عدتَ إلى ظلِّك المغبَّرِ بالغياب

أثرٌ موشومٌ في فمِ يقظة
يهجسُ برثاءِ الفجرِ
في ركنِ أناكَ الشاردِ
وصمتِهِ المثقلِ
بكهولةِ البياض
ينتظرُ يدَك أن تُخطئَ العناد
حتَّى تُجيدَ سؤالَ السماء
عن أولِ شيءٍ
يسقطُ من رأسِ الجدوى

بعدَ أن يُملأَ القعرُ
بريبةِ الزحام
تحاولُ المشيَ عارياً فوقَ الحشود
حيثُ لا مكانَ هناكَ لرغيفِ الفراغ
ومن سُرَّتِكَ المدلاةِ بينَ ساقيكَ
ينبتُ لكَ فمٌ
يلثمُ انكسارَ المراثي

وحينَ تُسألُ عن أبديةِ الظلال
لا أحدَ سواكَ يحملُ ندبةَ الشمسِ
يعاشرُ جسدَ الخطوةِ السابعة
ويرقصُ مشدوهاً تحتَ فواتِها
هابطاً بخوارِ مشنوقِ الرأسِ
كي تبدأَ برتقِ محجريكَ
بكحلِ وهمٍ منثور

فلا رمادَ تعبرُ بهِ جسرَ الرملِ
وأنتَ ترتعشُ
خرقةَ ضوءٍ
ريحاً تلهثُ بحثاً عن جدار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى