
«”ليس كل ما تراه حقيقة… وأغلب ما تراه ليس إلا الجزء الذي سمح لك الآخرون أن تراه.”»
توقفت طويلًا أمام رجلٍ كان يربّت على كتف صديقه وهو يقول له بابتسامة عفوية: “يا بختك… حياتك كلها سفر ونجاح.”
ابتسم الرجل الآخر في هدوء، ولم يقل شيئًا.
لكنني تخيلت، للحظة، لو أن قلبه هو الذي أجاب بدلًا منه، لربما قال: “لو عرفت ثمن هذه الجملة… لما قلتها.”
منذ تلك اللحظة، أدركت أن أكبر مشكلة في عصرنا ليست أن الناس يختلفون، وإنما أنهم يحكمون على بعضهم بعضًا بسرعة، ويصدقون ما يرونه أكثر مما ينبغي.
نحن نعيش زمنًا أصبحت فيه الصورة أبلغ من الحقيقة، واللقطة أقوى من الحكاية، والانطباع الأول حكمًا نهائيًا لا يقبل الاستئناف.
يكفي أن يرى أحدهم صورة، أو يقرأ تعليقًا، أو يشاهد مقطعًا لا يتجاوز بضع ثوانٍ، حتى يظن أنه عرف صاحبها، وأحاط بظروفه، وفهم حياته كلها.
وكأن الإنسان يمكن أن يُختصر في صورة…
أو تُروى حياته في منشور…
أو تُقاس قيمته بلحظة اختار أن يشاركها مع الآخرين.
الحقيقة أن المشكلة ليست في الصورة، وإنما في أعيننا التي اعتادت أن ترى الواجهة، ثم تتوهم أنها رأت المبنى كله.
فنحن لا نرى من حياة الآخرين إلا ما يقع في دائرة الضوء، أما ما يحدث في العتمة، فلا يراه أحد.
نرى النجاح، ولا نرى سنوات الإخفاق التي سبقته.
نرى السفر، ولا نرى الأيام التي عمل فيها صاحبه حتى نسي معنى الراحة.
نرى الضحكة، ولا نسمع الأنين الذي اختبأ خلفها.
نرى الأناقة، ولا نعرف كم من التعب يسكن داخل صاحبها.
ونرى القوة… ولا نعلم كم مرة انهار صاحبها بعيدًا عن العيون.
وكم مرة سمعنا هذه العبارة تتكرر بلا تفكير:
“يا بختك…”
يا بختك لأنك تسافر.
يا بختك لأنك تعمل في المكان الفلاني.
يا بختك لأن الناس تعرف اسمك.
يا بختك لأن صورك جميلة.
يا بختك لأنك تبدو سعيدًا دائمًا.
ولو استطاعت الحقيقة أن ترد، لما قالت أكثر من جملة واحدة:
“تعال… خذ الشيلة كلها .. لو قدرت تشيلها ؟”
خذ المسؤوليات التي لا يراها أحد.
خذ الضغوط التي لا تُكتب في السيرة الذاتية.
خذ الليالي التي مرّت بلا نوم.
خذ الخوف الذي يلازم صاحبه ك ظله.
خذ الخذلان الذي لا يعرفه إلا صاحبه.
خذ الدموع التي جفّت قبل أن يخرج صاحبها إلى الناس مبتسمًا.
خذ المعارك التي خيضت في صمت، دون تصفيق، ودون شهود.
ثم بعد ذلك… قل إن شئت: “يا بختك.”
«”نحن لا نرى إلا الصورة الأخيرة… ولا نعرف الثمن الذي دُفع قبل أن تُلتقط.”»
كم من إنسان تمنّى الناس مكانه، بينما كان هو يتمنى ليلةً واحدة ينام فيها مطمئن القلب، لا يطارده القلق، ولا يوقظه الخوف، ولا تثقل صدره المسؤوليات.
لقد صنعت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا يبدو مكتملًا، بينما هو في الحقيقة ناقص.
فهي لا تكذب…
لكنها لا تقول الحقيقة كاملة.
إنها تعرض ما اختار الناس أن يُظهروه، وتُخفي ما آثروا أن يبقى بعيدًا عن الأعين.
ولذلك أصبحنا نقارن حياتنا بكل تفاصيلها، بحياة الآخرين في أجمل لحظاتها.
نقارن تعبنا اليومي بصورة التُقطت في لحظة فرح.
ونقارن قلقنا الداخلي بابتسامة ثابتة أمام الكاميرا.
ونقارن واقعنا الكامل… بلقطة واحدة من واقع غيرنا.
وهذه ليست مقارنة، بل ظلم لأنفسنا قبل أن تكون ظلمًا للآخرين.
حتى أقرب الناس إليك لا يعرفون كل ما تحمله في قلبك، ولا كل ما مررت به في طريقك، فكيف بمن يحكم عليك من صورة، أو من تعليق، أو من منشور؟
الحياة تشبه المسرح.
نجلس جميعًا أمام الستار، نصفق لمشهد، أو ننتقد أداء ممثل، أو نُعجب بديكور، لكننا لا نرى ما يحدث خلف الكواليس؛ حيث التعب، والانتظار، وإصلاح الأخطاء، والخوف من الفشل، والدموع التي لا يراها الجمهور.
وربما كانت الكواليس هي الحقيقة الوحيدة، أما ما على خشبة المسرح فليس إلا الجزء المُعد للعرض.
الحقيقة أن لكل إنسان حياةً أخرى لا يراها أحد.
هناك معارك لا يسمع لها صوت.
وأوجاع لا تجد الكلمات التي تصفها.
وخوف يختبئ خلف القوة.
ووحدة تختبئ خلف الضحك.
وتعب يختبئ خلف النجاح.
ولعل أكثر الناس رحمة، ليس أكثرهم علمًا، وإنما أكثرهم إدراكًا أن ما يراه ليس كل الحقيقة.
فكلما اتسعت خبرة الإنسان بالحياة، خفّت أحكامه على الآخرين، لأنه يعلم أن لكل باب مغلق حكاية، ولكل وجه هادئ عاصفة، ولكل نجاح ثمنًا لا يعرفه إلا صاحبه.
لذلك…
لا تتعجل حكمًا.
ولا تُطلق مقارنة.
ولا تقل لأحد: “يا بختك” قبل أن تعرف الطريق الذي سار فيه، والثمن الذي دفعه، والأعباء التي يحملها بصمت.
ربما لهذا قالوا قديمًا: لا تحكم على كتاب من غلافه. ولو عاشوا زمننا لقالوا: ولا تحكم على إنسان من صورته، ولا من ضحكته، ولا من منشورٍ على شاشة هاتف. فالحقيقة لا تسكن الواجهة، بل تختبئ دائمًا خلف الستار و كواليس لن تمر بخيالك …
ويبقى السؤال… كم إنسانًا ظلمناه بأحكامنا، فقط لأننا لم نرَ من حياته إلا ما سمح لنا أن نراه؟