
كتب:هاني الكنيسي
رغم ستار التعتيم الذي أُسدل على الاجتماع الأخير بين ترمب والنتنياهو الذي دام 90 دقيقة الثلاثاء الماضي، وبخلاف البيانات “الرسمية” المقتضبة حول “الأجواء الإيجابية” التي سادت اللقاء، فإن ما تسرّب عبر الإعلام الأميركي والعبري لم يكن كافيًا لإشباع فضول المهتمين -أمثالي- بما دار فعليًا خلف الأبواب المغلقة.
لكن تقرير موقع ‘المونيتور’ Al-Monitor الأمريكي، إضافةً لتسريبات إسرائيلية جديدة -أبرزها ما نشرته صحيفة ‘معاريف’ اليوم- فتح نافذة لا بأس بها على كواليس اللقاء في المكتب البيضوي.
بحسب ‘المونيتور’ (موقع إخباري مستقل مقره واشنطن)، ونقلًا عن “مصدر مقرّب من النتنياهو “حضر الأحاديث التمهيدية واطلع على تفاصيل اللقاء مباشرة”، فإن الاجتماع كان “سياسياً واستراتيجياً” بالدرجة الأولى، ودار حول ثلاثة ملفات رئيسية:
أولها يتعلق بمذكرات التوقيف الصادرة من الجنائية الدولية ICCبحق النتنياهو الذي طلب “صراحةً” من ترمب – في حال فوزه في انتخابات أكتوبر المقبلة- “استخدام نفوذ الولايات المتحدة لوقف الإجراءات ضده”. ووفقا لما ورد في التقرير، قال النتنياهو للرئيس الأميركي حرفيًا إن “المعركة ضد المحكمة ليست قانونية فقط، بل سياسية أيضاً”، وإنه يحتاج إلى دعم واشنطن لإبطال ما وصفه بـ“الاستهداف السياسي لإسرائيل”.
المصدر أكد للموقع أيضا أن “ترمب أبدى تعاطفاً واضحاً”، وكرر موقفه القديم من المحكمة الجنائية الدولية، واصفًا إياها بأنها “جسم غير شرعي سبق أن استهدف جنوداً أميركيين”.
الملف الثاني، بحسب ‘المونيتور’، كان الحرب على إيران. إذ قدّم النتنياهو للرئيس ترمب “تقييماً أمنياً مفصلاً” حول نشاط إيران الإقليمي، بما في ذلك الضربات بالمسيرات والصواريخ في السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان والأردن والعراق وقبرص وتركيا وأذربيجان. وقال إن إسرائيل “تتوقع تصعيداً إيرانياً أكبر في حال تغيّر الوضع السياسي في واشنطن”، وإنه يريد “تنسيقاً كاملاً” مع إدارة ترمب إذا توسّعت الحرب.
وبحسب المصدر، فإن الرئيس الأمريكي أكد في المقابل أنه “لن يتردد في استخدام جميع الوسائل الممكنة” لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وأنه لن يسمح لطهران بإطالة أمد المفاوضات إلى أجل غير مسمى، مضيفاً: “لا توجد أي فرصة لأن نتوصل إلى اتفاق حقيقي… فهم يواصلون إطلاق الصواريخ، وهذه المرة على قواعد أمريكية في الأردن”.
الملف الثالث كان غزة أو ما تبقى منها. إذ اشتكى النتنياهو وبكى من الضغوط التي تعرّض لها في عهد إدارة بايدن، قائلًا إن واشنطن “قيّدت حرية إسرائيل في العمل العسكري”، وإن “عودة ترمب إلى البيت الأبيض تعيد لإسرائيل حرية الحركة”. فرد ترمب -حسب رواية ‘المونيتور’- بأن إسرائيل يجب أن تكون “أكثر حزماً”، وأن القيود الحالية “غير ضرورية”.
وفي وصف “أجواء الاجتماع”، قال المصدر إن اللقاء كان “ودياً للغاية”، وإن ترمب تعامل مع ‘بيبي’ باعتباره “حليفاً شخصياً”، بينما كان النتنياهو حريصًا معظم الوقت على إقناع ترمب بأن التحقيقات الدولية التي تلاحقه تستهدف أيضاً “السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط”، وأن إسقاطها سيكون “انتصاراً مشتركاً”.
وبحسب المصدر الإسرائيلي نفسه، فقد خرج النتنياهو من الاجتماع “مرتاحاً”، وبشّر مقربين منه بأن “ترمب سيقف معي في معركتي مع الجنائية الدولية”.
لكن بموازاة هذه الأجواء، كان لبعض “التوترات الداخلية” في إسرائيل، ولتصريحات وزير الدفاع المتهور ‘يسرائيل كاتس’، تأثيرها على الاجتماع وربما على مزاج ترمب شخصيًا.
فبحسب ما نقلته صحيفة ‘معاريف’ عن مسؤولين إسرائيليين مطلعين، حاول النتنياهو إقناع ترمب بـ“إكمال الخطوة ضد إيران”، مستنداً إلى “معلومات استخباراتية” حول عمليات طهران السرية في المنطقة. إلا أن تصريحات ‘ كاتس’ قبيل بدء الاجتماع “أثارت غضباً أمريكيا”، عندما قال للصحافيين إن “الطائرات الأمريكية كانت تقلع من قواعد في إسرائيل صوب إيران”.
هذه التصريحات “المحظورة رقابياً” وفق قواعد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وصفها السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن ‘مايك هرتسوغ’ بأنها كانت بمثابة “دعوة مباشرة لإيران كي تهاجم إسرائيل”.
ونقلت الصحيفة العبرية عن مسؤولين أمنيين أن وزير الدفاع “خرق بروتوكولات الأمن لأسباب سياسية بحتة، من أجل الظهور في صورة القومي المتشدد قبل انتخابات الليكود”، مضيفةً أن “تصريحات ‘كاتس’ أغضبت مسؤولين كباراً في واشنطن وتل أبيب، على حد سواء”.
دبلوماسي إسرائيلي قال لصحيفة ‘معاريف’ إن النتنياهو في واشنطن “كان يسير في حقل ألغام”، خصوصًا مع تنامي المقتنعين بأنه شخصيًا من “زجّ بترمب في المغامرة الإيرانية”، وهو التصور الذي يعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي “سامًا سياسياً”، ولذلك كان تصريحه المتكرر عبر شبكة ABC مخاطبًا المشاهد الأمريكي: “لا أحد يملي على ترمب ما يفعله.. لا أحد”.
وإذا كان النتنياهو قد خرج من اجتماع البيت الأبيض “مرتاحاً”، حسب ‘المونيتور’، فالمؤكد أن الرأي العام الأمريكي لا يسير في الاتجاه الذي ينشده. إذ تكشف أحدث استطلاعات الرأي أن معظم الأمريكيين “لا يرى ضرورة لاستئناف الحرب على إيران أو توسيعها”.
بينما تشهد صورة إسرائيل -والنتنياهو تحديداً- تراجعاً لافتاً في عيون الأمريكيين.
فبحسب استطلاع ‘الإيكونوميست’ بالتعاون مع مؤسسة ‘يوغوف’ هذا الأسبوع، فإن 49٪ من الأميركيين “يؤيدون اعتقال نتنياهو استناداً إلى مذكرة الجنائية الدولية”، مقابل 27٪ يعارضون، فيما قال 23٪ إنهم غير متأكدين.