
يا جماعة الخير، إحنا محتاجين قعدة “مصاطب” عاقلة نفهم فيها الفزورة دي.
إحنا من صغرنا في المدارس بنقرأ في كتب الدراسات إن “الدولة” عبارة عن: حتة أرض، وشوية بني آدمين اسمهم الشعب، وحكومة بتدير الليلة. يعني بالعقل والمنطق كده، الشعب هو “صاحب المحل”، والحكومة دي مجرد “مُدير لـ الفروع” واخد تفويض مؤقت عشان يشوف طلبات الزباين.
لكن اللي بيحصل دلوقتي على أرض المحروسة يخلف عقول أكبر دكاترة الفلسفة!
فجأة، وبقدرة قادر، المدير قفل على نفسه المكتب وبقى يتكلم بصيغة: “أنا الدولة.. والدولة أنا!”.
تفتح التلفزيون تلاقي المسؤولين من أول الراس الكبيرة لحد أصغر متحدث رسمي، نازلين فينا تلطيش كلامي:
“الدولة عملت.. الدولة سوت.. الدولة بنت كوبري.. الدولة جابت قرض.. والدولة زعلانة منكم عشان مابتستحملوش!”.
يا فندم ثانية واحدة بس.. هو فين “إحنا الشعب” من الجملة المفيدة دي؟
إحنا بقينا مجرد “عنصر” كمالة عدد في البطاقة؟ ولا إحنا الكفيل اللي مطلوب منه يدفع الفاتورة وهو ساكت؟
المشكلة إن النظام بدأ معانا بـ “الاقتراب الناعم”.. فاكرين؟ وعود من عينة “بكرة تشوفوا” و”سنتين وهنعدي عنق الزجاجة”. إحنا بقالنا اتناشر سنة جوة الزجاجة دي لما اتقطع نفسنا، واكتشفنا في الآخر إن العنق مسدود، والوعود طلعت كبشة ورق بتطير في الهوا!
والنتيجة؟
فقر مرقع، وأحوال تصعب على الكافر، والواحد مننا مبقاش عارف يلبي أبسط الاحتياجات اليومية، سيبك من المواسم والمدارس اللي بقت بتعمل أزمة قلبية لكل رب أسرة.
الجنيه بتاعنا غطس في بحر “التعويم” ومطلعش وبقي اقل من 2 سنت بعد ماكان باتناشر، والأسعار بتجري بأقصى سرعة، والأجور واقفة مشلولة بتتفرج عليها!
وطبعاً، لما تيجي تتكلم أو تقول “يا جماعة أنا جعان” أو “الأولويات دي غلط”، تلاقي السياسة اختفت تماماً من الحياة العامة. المجال انقفل بالضبة والمفتاح، والأفواه اتكممت.
ولو فتحت بقك بكلمة، تلاقي “طقم الاتهامات الجاهز” متفصل عليك مقاس إكس لارج. طقم كده علي بعضه متكرر ومكتوب بـ “كربون” واحد—على رأي يوسف داوود—تبدأ بـ “إثارة البلبلة وتكدير السلم العام”، وتنزل المحطة اللي بعدها على طول بتهمة “الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة”!
أخبار كاذبة إيه يا فندم إذا كان جيبي الفاضي هو أصدق خبر في البلد؟!
وفي وسط الهوجة دي، تطلعلك المبررات الحكومية الجاهزة، اللي هي برضه طقم محفوظ: “أصل الكورونا.. أصل الحرب الروسية.. أصل البحر الأحمر.. أصل إحنا بنعمل جراحة من غير بنج عشان نصلح تشوهات تاريخية!” وعشان العملة السودا اللي عملناها في 2011 وخسرتنا 450 مليار دولار.
وطبعاً الأسطوانة المشروخة الأهم: “احمدوا ربنا إننا مستقرين ومش زي دول الجوار!”.
يا فندم على عيني وعلى راسي، الأمن مهم ومحدش يكرهه، بس هو الاستقرار معناه إننا نموت من الجوع مستورين في بيوتنا؟
المشكلة الأعظم بقى، واللعبة المقفولة اللي تخليك تشد في شعرك، هي إن مفيش أي أمل في الأفق.
النظام بيشطح في قراراته ومشاريعة وعاصمته الجديدة زي ما هو عاوز، وعلى الشعب إنه يتحمل لوحده آثار “الهوى المالي الغلاب” ده. ولما تسأل: “طب والعمل؟ نتخلص من الحال ده إزاي؟”، تلاقي الأبواب كلها متقفلين بمليون قفل.
المعارضة كشّت، الأحزاب بقت ديكور، والبرلمان بقى بيبصم وهو مغمض وعينيه على “حياة كريمة” اللي بنسمع عنها في الإعلانات ومابنشوفهاش في سوق الخضار. فبقيت واقف في النص: لا أنت عارف تعيش، ولا عارف تتكلم، ولا عارف تغير المدير اللي خرب المحل ومقعدك على البلاطة، ومطالب منك في الآخر تبتسم وتقول: “تحيا الدولة اللي عملت وسوت!”.