إدريس آيات يكتب :تتوالى انتصارات الجيش السوداني على ميليشيا الدعم السريع… بين التفوق العسكري والانتصار الرمزي

واصل الجيش السوداني تحقيق مكاسب ميدانية متلاحقة على حساب ميليشيا الدعم السريع، لم تقتصر على التقدم العسكري، بل امتدت إلى تحقيق انتصارات ذات بعدٍ رمزي، كان آخرها نجاحه في ملاحقة وإلقاء القبض على أحد عناصر الدعم السريع المتورطين في تعذيب وقتل النازحة السودانية قسمة علي عمر، في الجريمة التي هزّت الرأي العام في سبتمبر 2025.
ففي ذلك الشهر، انتشر مقطع مصور يوثق تعذيب النازحة قسمة علي عمر، بعدما عُلقت من ذراعيها على شجرة في وسط دارفور على يد أحد عناصر الدعم السريع، قبل أن تفارق الحياة متأثرة بما تعرضت له. وقد أثار المشهد، بما حمله من قسوة ووحشية، موجة غضب واسعة في السودان وخارجه، ولا سيما أن الجاني وثّق فعلته بنفسه، بعدما واصل تعذيب الضحية بدم بارد حتى الموت، الأمر الذي فجّر مطالبات واسعة آنذاك بملاحقته وتقديمه إلى العدالة.
وجاء توقيف هذا المتهم بعد سلسلة من النجاحات التي حققها الجيش السوداني في الميدان، رافقتها انشقاقات متتالية في صفوف الدعم السريع. وكان آخرها، يوم أمس عند الساعة العاشرة صباحًا، وصول قوة منشقة من محور بارا إلى الخرطوم، عقب الهزائم التي مُنيت بها قوات الدعم السريع في محور كردفان والتقدم الذي أحرزه الجيش السوداني. وتشير التقارير إلى أن القوة المنضمة تتكون من سبع عربات قتالية بكامل تجهيزاتها، وعلى متنها 45 عنصرًا.
وأمام مثل هذه المشاهد، أتساءل أحيانًا: هل يُعقل أن تصدر مثل هذه الأفعال عن رجال ينتسبون إلى العروبة والإسلام؟ فالعربي عُرف بالمروءة والشهامة، والإسلام أوصى بالإحسان إلى المرأة، فكيف إذا كانت امرأة مدنية لا تحمل سلاحًا ولا تشارك في القتال؟ إن تعليقها على شجرة وتعذيبها حتى الموت، ثم توثيق ذلك بالصوت والصورة، مشهد لا أجد له نظيرًا إلا في أبشع الجرائم التي شهدتها الحروب.
وهذه الجريمة، إلى جانب مشاهد الإبادة الجماعية ودفن المدنيين أحياءً في الفاشر والجنينة، هي ما أخشى أن يتكرر في النيجر إذا نجح عناصر الدعم السريع في التسلل إلى أراضيها. وحين تطلب الدولة الوثائق الثبوتية لتمييز المواطنين عن المتسللين، يجري توظيف ورقة العرق والقبيلة لإثارة الفتنة وإشعال حرب أهلية بين مكونات الشعب النيجري، الذي يشهد له الجميع بأنه من أكثر شعوب المنطقة تماسكًا وتعايشًا. وإذا لم تتحرك السلطات النيجرية بحزم، فإن جرائم كتلك التي أودت بحياة قسمة علي عمر قد تتكرر، وربما بصورة أشد فظاعة.
ويمثل القبض على المتورط في تعذيب وقتل النازحة السودانية نهاية لمحاولة الإفلات من العقاب، بعد أن تحولت قضية قسمة علي عمر إلى رمز لمعاناة المدنيين، وشاهد حي على الانتهاكات التي ارتكبت بحق الأبرياء خلال الحرب. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قسمة، ابنة نيالا، أيقونة للمظلومين في الوجدان السوداني.
ونسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يعيد إليه الأمن والاستقرار، وأن ينعم هذا الشعب الكريم بما يستحقه من سلام وازدهار بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة.
– قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت