
ليس كل ما يُرفع يُضرب.. فالتصعيد اللفظي الذي شهده الخليج في الساعات الماضية لم يكن نهاية المطاف، بل كان مجرّد اختبار لحظي لحدود الردع الأمريكي في مواجهة إيران. لكن المفاجأة كانت في النهاية: واشنطن هي من التقطت أنفاسها أولاً.
قبل 48 ساعة فقط، كانت العبارات الأمريكية تصل إلى ذروتها: “ضربة غير مسبوقة”، و”خيارات كلها مطروحة”، و”لن نسمح بتجاوز الخط الأحمر”. أما اليوم، فالصورة مختلفة تماماً. فبدلاً من أصوات الطائرات، نسمع همسات دبلوماسية عن “اتفاق قريب” و”تفاهمات عبر وسطاء”. السؤال الذي يطرحه المراقبون هنا ليس عن ماذا تغيّر في الميدان، لأن الميدان لم يتغيّر، بل عن ماذا تغيّر في غرفة القرار بواشنطن؟
والجواب، بحسب متابعين للشأن الإيراني، أن واشنطن اكتشفت فجأة أن سقف التهديدات الذي رفعته عالياً قد يصبح سقفاً زجاجياً ينكسر فوق رأسها. فالضربة التي بدت سهلة في البيانات الصحفية، بدت مستحيلة عندما وُضعت على طاولة التكاليف الحقيقية.
ثلاث حقائق غيرت المعادلة:
أولاً: أي تحرك عسكري في هذه اللحظة كان سيعني ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط قبل أشهر من الانتخابات الأمريكية، وهذا كابوس لأي إدارة، لأن المواطن الأمريكي لا يغفر لمن يرفع سعر البنزين في محطاته.
ثانياً: إيران لم تردّ بكلمة، بل برسالة عملية عبر مياه الخليج، عندما أظهرت قربها الاستراتيجي من مضيق هرمز. ليس مهماً إن نفّذت تهديدها أم لا، المهم أنها نجحت في إيصال فكرة واحدة: إذا أردتم اللعب بالنار، فاحترق الجميع.
ثالثاً: الضغط الأوروبي والداخلي الأميركي وصل إلى حد لا يمكن تجاهله. ففي الكونغرس، هناك أصوات ديمقراطية ترفض الانجرار إلى مستنقع جديد، وفي العواصم الأوروبية تخشى الحكومات من انفجار إقليمي قريب جداً من حدائقها الخلفية.
هنا، وعلى حافة الهاوية، أدركت واشنطن أن “التراجع” ليس خياراً، بل هو ضرورة تكتيكية. لكنها تريد تصديره إلى الرأي العام على أنه “فرصة جديدة للدبلوماسية”، وليس كاستسلام للضغوط. وهذه لعبة ماهرة، لكنها شفافة لمن يعرف كيف يقرأ المشهد.
قراءة أعمق مما يعلن
في تقديري، ما حدث لا يمكن اختزاله في كلمة “تراجع”. هو أشبه بـ”إعادة ضبط للعبة” في منتصف الشوط. فالجميع يعلم أن طهران تملك خيارات انتقامية لا تقتصر على الصواريخ، بل تمتد إلى وكلائها في اليمن وسوريا ولبنان، وهذا يعني أن أي حرب ستكون إقليمية بامتياز، وهو ما لا تريده أي عاصمة عاقلة اليوم.
اللافت أن إيران لم ترفع سقفها التصعيدي، بل لعبت بذكاء على وتر “الكلفة” وليس “المواجهة”. فأظهرت، دون أن تطلق رصاصة، أنها تستطيع إرباك حسابات الطاقة العالمية، وهذا أبلغ من أي خطاب ناري. وهنا تكمن المفارقة: أمريكا جاءت لتهدد، فوجدت نفسها مضطرة للتفاوض، وليس لأنها ضعيفة، بل لأن الخصم فهم أنّ نقطة ضعفها ليست في قدراتها العسكرية، بل في اقتصادها وسياساتها الداخلية.
ماذا بعد؟
ما نشهده ليس سلمياً، بل هو هدوء حذر يسبق جولة تفاوضية مرتقبة. لكن علامات الاستفهام تبقى ماثلة: هل ستتحول هذه اللحظة إلى اتفاق فعلي يُجمّد الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات؟ أم أنها مجرد وقفة قصيرة قبل أن يعود التصعيد من باب آخر؟
الأيام القادمة، وربما الساعات، ستكون حاسمة. ولكن الذي بات مؤكداً هو أن المنطقة تعيش مرحلة جديدة، حيث لم تعد القوة العسكرية هي المقياس الوحيد، بل أصبحت القدرة على تحمّل الكلفة هي السلاح الأفتك.
في النهاية، يبقى الدرس الأهم: لا يُقاس من يملك القوة، بل من يعرف متى يتوقف، لأن استمرار التصعيد قد يكون أسهل من إدارته، لكنه أيضاً أكثر تدميراً للجميع.
—
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
الاحد الثاني من أغسطس.
القاهره.