ثقافه وفنون

الغربة لم تهزم يونس ناصف… بل أنجبت لغةً جديدة للنحت.

كتب د. طاهر حلمي

هناك فنانون تأخذهم الغربة بعيدًا عن أوطانهم، فتبهت ملامح تجربتهم الإبداعية مع الزمن، وهناك قلة نادرة تتحول الغربة في حياتها إلى طاقة خلاقة، تزيدها نضجًا، وتمنحها قدرة أكبر على إعادة اكتشاف الإنسان والوطن معًا. ومن هؤلاء النحات المصري د. يونس ناصف، الذي لم تهزمه الغربة، ولم تستطع سنوات الابتعاد عن مصر أن تطفئ جذوة الانتماء في داخله، بل جعلته أكثر التصاقًا بذاكرته الأولى، وأكثر إيمانًا بأن الفن الحقيقي لا يعترف بالمسافات.

استطاع يونس ناصف، بوعيه التنويري، ورؤيته الفلسفية، وإمكاناته التشكيلية الرفيعة، أن يبتكر لغة نحتية خاصة، تقوم على أقصى درجات الاختزال الشكلي، لكنها تفيض بثراء تعبيري وإنساني استثنائي. لذلك جاء معرضه الأخير المقام بمتحف مختار ليؤكد أننا أمام تجربة فنية ناضجة، لا تراهن على الإبهار البصري، بل على عمق الفكرة، وبلاغة الكتلة، وصدق الإحساس.

ذهبت إلى المعرض وأنا أحمل شعورين متداخلين؛ شعور الصديق الذي جاء ليبارك لصديق الغربة نجاحه، وشعور الفنان الذي يعرف جيدًا حجم المعاناة التي يعيشها المبدع خارج وطنه. فنحن معًا نمارس الفن بأقصى حدود الإيمان به، ونعرف أن الطريق ليس مفروشًا بالورود، وأن الإبداع في الغربة يحتاج إلى إرادة لا تقل صلابة عن الحجر الذي ينحته الفنان.

كنت أظن أن زيارتي لن تتجاوز أداء واجب التهنئة، ثم أغادر، لكن ما إن وقعت عيناي على الأعمال حتى تبدلت كل حساباتي. لقد خطفت المنحوتات بصري، ثم استولت على وجداني، حتى إنني لم أحتفِ بصديقي كما كنت أود، لأنني كنت مشغولًا بمحاورة أعماله أكثر من محاورته هو.

دخلت في حالة من الاندماج الحسي والبصري العميق، وكأن كل منحوتة كانت تستوقفني لتروي حكايتها قبل أن تسمح لي بالانتقال إلى الأخرى. ورغم صغر أحجامها، فإنها امتلكت حضورًا طاغيًا لا يتناسب مع أبعادها المادية، وكأن الفنان نجح في تكثيف الإنسان كله داخل كتلة صغيرة، تحمل من المشاعر ما تعجز عنه الأعمال الضخمة أحيانًا.

كانت رؤوسًا بلا ملامح، لكنها مفعمة بالحياة. لم تكن تدعوني إلى الاكتفاء بالمشاهدة، بل كانت تستدرجني إلى الإصغاء. شعرت أن كل رأس يخفي ذاكرة مثقلة، وأن كل كتلة تحمل وجعًا قديمًا، وأن كل اختزال لم يكن حذفًا للشكل، بل اختزالًا للعمر، وللألم، وللإنسان نفسه. كانت الوجوه، رغم صمتها، تروي حكايات دفينة، وتبث حالات تعبيرية متنوعة يغلب عليها الحزن، حتى خُيّل إليّ أنها تتألم من ذلك الاختزال العميق الذي فرضه الفنان عليها، وكأنها تحاول أن تصرخ دون أن تمتلك ملامح الصراخ.

وهنا أدركت أنني لا أشاهد منحوتات، بل أقرأ نصوصًا إنسانية مكتوبة بالحجر.

تمتلك أعمال يونس ناصف طابعًا خاصًا ومتفردًا، استطاع من خلاله أن يرسخ بصمة واضحة في مسار النحت المعاصر. فهو لا ينشغل بمحاكاة الجسد بقدر ما ينحاز إلى اختزال جوهر الإنسان، حيث يتراجع الجسد ليمنح الرأس سلطة التعبير، وكأن الوجود الإنساني بأكمله قد انكمش داخل وعاء الفكر والذاكرة والوجدان.

ورغم طمس الملامح وغياب التفاصيل التشريحية، فإن التعبير لا يتضاءل، بل يزداد كثافة. وهنا تتجلى براعة النحات المحترف؛ إذ تتحول الكتلة إلى لغة، والصمت إلى خطاب بصري بالغ البلاغة. فما يبدو تبسيطًا في الشكل، هو في الحقيقة تكثيف شديد للمعنى، واختزال واعٍ يحرر العمل من أسر الوصف إلى رحابة التأويل.

وتختلف الحالة الشعورية من منحوتة إلى أخرى، لكنها جميعًا تنتمي إلى عالم إنساني واحد، تتعدد فيه الأسئلة أكثر من الإجابات. فكل قطعة تحمل طاقة إيحائية تتجاوز حجمها المادي، وتدعونا إلى قراءة ما لم يُنحت بقدر ما نتأمل ما نُحت. وهنا تكمن قيمة هذه التجربة؛ فهي لا تقدم الإنسان كما يبدو، بل كما يُحس ويُعاش، فتغدو المنحوتة نصًا بصريًا مفتوحًا، تتجدد دلالاته مع كل نظرة جديدة.

ولعل أكثر ما يميز تجربة يونس ناصف أنه لم يختزل الشكل وحده، بل اختزل الزمن أيضًا. فلا عمر يحدد هذه الوجوه، ولا هوية تقيدها، بل تتحول إلى رموز إنسانية تتجاوز المكان والزمان، لتصبح مرآة للإنسان أينما كان، وهي سمة لا يبلغها إلا الفن الذي يلامس جوهر الوجود.

إن هذا المعرض ليس مجرد مناسبة لمشاهدة أعمال نحتية، بل هو دعوة للتأمل في تجربة فنان مصري حافظ على هويته الفنية، رغم سنوات الغربة، وظل قلبه معلقًا بتراب وطنه، بينما كانت أنامله تواصل الحفر في أعماق الإنسان.

ولهذا أدعو كل محبي الفن، والنحاتين، والنقاد، وطلاب كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية، وكل متذوق للجمال، إلى زيارة هذا المعرض. فهو ليس معرضًا عابرًا، بل تجربة بصرية وإنسانية تستحق المشاهدة والدراسة، لأنها تكشف كيف يمكن للاختزال أن يكون أكثر بلاغة من الإسهاب، وكيف تستطيع كتلة صغيرة أن تحتضن وطنًا كاملًا، وإنسانًا كاملًا، وعمرًا كاملًا.

لقد أثبت يونس ناصف أن الفنان الحقيقي لا يُقاس بقربه أو بعده عن وطنه، وإنما بمقدار ما يحمله الوطن في قلبه. فما زالت أنامله تعشق تراب مصر، وما زال وجدانه ينحت ملامحها في كل عمل يبدعه. لذلك خرجت من المعرض وأنا لم أعد أرى تلك المنحوتات مجرد رؤوس صامتة، بل رأيتها وجوهًا مصرية تختبئ خلف الاختزال، وتنتظر من يتأملها ليكتشف أن الفن العظيم لا يحتاج إلى كثرة التفاصيل، بل إلى صدق الإحساس، وأن الغربة قد تُبعد الجسد عن الوطن، لكنها لا تستطيع أبدًا أن تنتزع الوطن من قلب الفنان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى