كتاب وشعراء

أنا بخير …..بقلم محب خيري الجمال

(1)
مساء الخير يا ضوء
هأنذا أعودُ إليكِ قبلَ أن أرحل،
وفي فمي طعمُ ليلةٍ قضمتْ نجمةً ثم نامتْ.
أعودُ إليكِ
كمن يفتشُ في جيبِ معطفه عن إبرةٍ ضائعة،
فيجدُ بدلَها طفولةً صغيرة مخاطةً بخيطٍ من الصوف.
لا تسأليني كيف مضى الليل.
كان طويلا حتى إنَّ القمرَ خلعَ ياقةَ معطفه
ووضعَ رأسهُ على ركبتي وبكى.
وأنا
كنتُ أعدُّ حباتِ البرتقال في سلةِ العتمة،
واحدةً للحب،
واحدةً للغائبين،
واحدةً لأمي،
وأتركُ الرابعةَ للملكوت
كي لا يقولَ الله إنني احتفظتُ بكلِّ شيءٍ لنفسي.
(2)
مساء الخير يا ضوء،
لم أتناول فطوري بعد،
وضعتُ على الطاولة قطعةَ خبزٍ وكوبَ ماء،
وجلستُ أراقبُ الصباح
وهو يربطُ حذاءه كي لا يتعثرَ في جثثِ الأمس.
كان في الشارع عاملٌ يرفعُ قميصه عن كتفيه،
وعلى جلده شمسٌ صغيرة تتعلمُ المشي.
كانت شجرةٌ
تسندُ ظهرَها إلى الهواء، كعجوزٍ تحفظُ حواديتَ الجدات
وتخجلُ من نهاياتها.
مررتُ تحتها فوقعتْ على رأسي ورقة.
ورقةٌ واحدة.
كأنَّ الشجرةَ لم تجدْ في خزائنها شيئا آخر تهديني إيّاه.
أخذتُها. وضعتها في جيبي.
منذ ذلك الصباح
وأنا أحملُ شجرةً دون أن يعرفَ أحد.
(3)
مساء الخير يا ضوء،
تغبطني أحزاني. نعم،
أشعرُ بها أحيانا تجلسُ حولي كعائلةٍ قديمة،
تأكلُ من طبقي،
وتسألني عن صحتي، وتضحكُ حين أكذبُ وأقول:
أنا بخير.
الحزنُ الذي عاشَ معي طويلا صارَ يعرفُ مقاساتِ روحي.
يفصّلُ لي من القطن قمصانا واسعةً
كي لا أختنق. ويحشو وسادتي بصوفٍ رطب
من مواسمَ لم تأتِ،
ثم يتركني أعدُّ في العتمة الأشياءَ التي كان يمكنُ أن تحدث،
واحدةً واحدة،
كأنني أعدُّ نقودي قبل أن أشتريَ بها شيئا لا أعرفه.
أحيانا
أجدهُ جالسا على حافةِ السرير يمررُ إبرةَ الخياطة بين أصابعه
ويقول: هاتِ قلبك.
فأعطيهُ إياه.
ربما لأنني ضعيف. أو لأنني تعبتُ من إخفائه.
(4)
مساء الخير يا ضوء
أعرفُ أنني كنتُ قاسيا على روحي.
كنتُ أطالبها أن تمشي مستقيمةً فوقَ طينٍ يتحرك.
أن تضحكَ والملحُ تحتَ لسانها.
أن تفتحَ النافذة للريح ثم تشكرَها
حين تعبثُ بستائرِ القلب.
كنتُ أظنُّ أن الصمتَ فضيلة.
حتى اكتشفتُ أن بعضَ الصمت قطعةُ قماشٍ سوداء
تُلقى على فمِ الميت
كي لا يخبرَ أحدا عن سببِ موته.
لذلك ها أنذا أتكلم.
تكلمتُ حتى صارَ صوتي مسمارا في حنجرتي.
تكلمتُ عن الخوف
حتى خرجَ الخوفُ منّي حافيا.
تكلمتُ عن الحب
حتى صارَ الحبُّ موسيقى بعيدة تعزفُ في بيتٍ نسيتُ عنوانه.
وتكلمتُ عن الله
حتى شعرتُ أن الروحَ تخلعُ نعليها عند بابِ الملكوت.
هناك حيث لا يحتاجُ القلبُ إلى ترجمان.
حيث تصيرُ الدمعةُ نوعا من الصلاة.
وحيث يمكنُ للإنسان أن يقول: طوبى لكِ يا روحي
لأنكِ لم تتعلمي كيف تصيرينَ حجرا.
(5)
مساء الخير يا ضوء
كنتُ أريدُ منكِ أن تأخذي عني هذا الوجع.
ثم فهمتُ شيئا غريبا: الوجعُ لا يُعطى.
الوجعُ يُهذَّب. نضعهُ في إناءٍ من طين،
نتركهُ تحتَ المطر،
نغطيهُ بقماشةٍ بيضاء، ثم ننتظرُ.
ربما بعد سنوات يفتحُ الوجعُ عينيه ويقول: كنتُ بابا
وأنتَ ظننتني جدارا.
يا لهذا القلب كم بابا ماتَ وهو يظنُّ نفسهُ جدارا.
(6)
مساء الخير يا ضوء،
أريدُ أن أخبركِ عن الذين مرّوا بي.
كان بعضهم مثلَ موسيقى جميلة في غرفةٍ مغلقة.
سمعتُهم ولم أرهم.
وكان بعضهم مثلَ برتقالةٍ تبدو كاملةً من الخارج،
وحين شققتها وجدتُ فيها شتاءً كاملا.
وكان بعضهم أكثرَ قسوة، تركوا لي ياقةَ الرصيف
كي أعلّقَ عليها معطفي كلَّ مساء
وأنتظرَ عابرا لا يعرفُ اسمي.
أما الذين أحببتهم
فقد أخذوا معهم قطعًا صغيرةً مني.
واحدٌ أخذَ نافذة.
آخرُ أخذَ مفتاحا.
ثالثٌ أخذَ أغنية.
وواحدةٌ أخذتْ مني ذلكَ الجزءَ الساذج
الذي كان يعتقدُ
أن اليدَ التي تربتُ على كتفك
لن تكونَ يوما هي اليدَ ذاتها التي تدفعك إلى الغياب.
ومع ذلك
أحمدُ الله. لا على الألم.
على أنني ما زلتُ قادرا على النظرِ إلى وجهِ امرأةٍ
دون أن أبحثَ في عينيها عن قبرٍ قديم.
ما زلتُ أستطيعُ أن أحبَّ شجرة.
أن أسمعَ موسيقى وأبكي.
أن أشمَّ رائحةَ البرتقال
فتعودَ جدتي من مكانٍ لا أعرفه.
حواديتُ الجدات على فكرة
ما زالت تسكنني. كلما ضاقَ العالمُ
أخرجُ واحدةً منها
وأضعها قربَ الوسادة. فتنامُ الوحوش.
(7)
مساء الخير يا ضوء،
تعالي قليلا. اجلسي هنا. لا أريدُ كلاما.
ضعي يدكِ
على هذا الجزءِ من صدري حيث يعيشُ وجعٌ صغير
له أسنانُ طفل.
لا تخافي منه. إنه أنا حين كنتُ صغيرا
وأردتُ أن أكبرَ بسرعة.
كبرتُ.
يا للسخرية كبرتُ حتى صرتُ أشتاقُ إلى الطفل
الذي كنتُه
ولا أعرفُ أين خبأتهُ السنوات.
ربما تركتهُ في جيبِ قميصٍ قديم.
ربما يعيشُ الآن تحتَ شجرةٍ بعيدة يأكلُ البرتقال
ويضحكُ دون حساب.
ربما، لم يكن يريدُ مني كلَّ هذه الحكمة.
كان يريدُ فقط
أن أعودَ إلى البيت قبلَ أن تبردَ أمه.
(😎
مساء الخير يا ضوء،
أريدُ أن أرحل.
أريدُ أن أمشي حتى يتعبَ الطريقُ مني.
حتى يسقطَ الماضي من كتفي كقماشةٍ مبتلة.
حتى تصيرَ خطواتي
موسيقى لا يعرفُها أحد.
سأتركُ وراءي كلَّ ما لم أستطع إصلاحه.
سأتركُ الطينَ
للطين.
والرمادَ
للرماد.
والأسماءَ
للريح.
وسأخذُ معي
إبرةً، وقليلا من القطن،
كرةً من الصوف،
ورقةَ الشجرة،
وبرتقالةً تكفي لنهارٍ واحد.
هذا كلُّ ما أحتاجه.
ربما يحتاجُ الإنسان إلى أقلَّ مما يظن كي يبدأَ حياته مرةً أخرى.
(9)
مساء الخير يا ضوء،
إن رأيتِني أبكي لا تمسحي وجهي.
اتركي الماءَ يجدُ طريقه.
ربما تعرفُ الدموعُ ما لا تعرفهُ الكلمات.
ربما تحملُ من الروح رسائلَ لا يستطيعُ الفمُ قراءتها.
دعيني أبكي.
لقد أخفيتُ الماءَ طويلا
حتى صارَ في عروقي نهرٌ لا يعرفُ مصبَّه.
دعيني أبكي ثم أضحك.
أضحكُ كما يضحكُ مجنونٌ رأى الله في رغيفِ خبز.
أضحكُ
كما تضحكُ سنبلةٌ حين يمرُّ بها الهواء ولا يحصدها.
أضحكُ
كمن اكتشفَ فجأةً أن الموتَ كان طوالَ الوقت يطرقُ البابَ الخطأ.
(10)
مساء الخير يا ضوء،
هأنذا أعودُ إليكِ
قبلَ أن أرحل. وفي قلبي مقعدٌ فارغ. لا أعرفُ لمن.
ربما لكِ.
ربما لطفلٍ لم يولد.
ربما لله
حين يقررُ أن يتركَ في القلب كرسيا صغيرا يجلسُ عليه السرُّ.
أنا لا أعرف.
كلُّ ما أعرفهُ أنني لم أعد أريدُ أن أربحَ العالم.
أريدُ فقط
أن أخسرَهُ دون أن أخسرَ روحي.
أن أمشي
وفي يدي خبزٌ دافئ.
أن أجدَ شجرةً تسمحُ لي أن أستريحَ تحتها
دون أن تسألني من أين جئت.
أن أسمعَ موسيقى من نافذةٍ مجهولة.
أن أشمَّ البرتقال.
أن أتذكرَ حواديتَ الجدات.
أن أقولَ لله
بصوتٍ لا يسمعهُ أحد: طوبى لكِ يا روحي
ما زلتِ هنا.
وأن تقولَ لي السماء
دون صوت: خذ نفسًا آخر. هناك صباحٌ لم يأتِ بعد.
صباح الخير يا ضوء،
سأرحلُ الآن.
لا تحاولي إيقافي.
فأنا هذه المرة لا أهربُ من شيء.
أنا فقط
أذهبُ لأرى ماذا يمكنُ أن يصنعَ القلبُ
حين يُتركُ أخيرا دون حراسة.
وربما
حين أصلُ إلى مكانٍ بعيد،
أفتحُ كفي فأجدُ ورقةَ الشجرة
ما زالت هناك.
أجدُ الإبرة.
القطن.
الصوف.
رائحةَ البرتقال.
وأجدُ شيئا آخر لم أضعهُ في يدي، قليلا من الضوءمثلا،
عندها سأفهمُ
أنكِ لم تكوني في آخرِ الطريق.
كنتِ الطريقَ وهو يتعلمُ كيف يصيرُ فجرا
ضوء،
إن تأخرتُ عليكِ فلا تغضبي.
لم أتناول فطوري بعد، على فكرة هذه عادتي التي لا أشتريها
وما زالَ عليَّ أن أجلسَ قليلا مع قلبي،
أن أطعمهُ
قطعةَ خبز،
وأقولَ له: كُلْ يا صديقي لدينا عمرٌ آخر
ينتظرُ أن نخطئ فيه بطريقةٍ أجمل.
كُلْ يا صديقي من وجعك
كُلْ واسكُتْ، عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى