
كتب “سيغموند فرويد” مقالةً عام 1919 بعنوان ” الزوال” عن حادثة غريبة مع الشاعر الالماني الكبير ماريا ريلكه عندما كانا يعبران حقلا والازهار مشرقة وفجأة بدا على ريلكه أنه على وشك البكاء. سأله فرويد” ماذا بك؟ انه يوم جميل وهناك نباتات جميلة من حولنا، وهذا رائع”.
أجاب ريلكه :” لا أستطيع تحمل حقيقة أنه في يوم ما كل هذا سيفنى. كل هذه الأشجار، كل هذه النباتات، كل هذه الحياة تسير إلى الفناء”.
خجل الشاعر الكبير ماريا ريلكه من مشهد موت الازهار يوماً وزوال ما هو جميل وحاضر الآن ، أي أن ذاكرة الشاعر مرتبطة بالمستقبل، بما سيزول يوما وهو قائم الآن. هذه اللحظة بالذات، لحظة القلق من الزوال، في قمة الامساك بلحظة جميلة، حنين متجه الى المستقبل وليس الى الماضي. كان يعبران الحقل نفسه لكن بذاكرة وخيال ووعي مختلف.
من المخاطر الثقة بالذاكرة وصورها لان الذاكرة تمنح فضائل وهمية لاحداث واماكن واشخاص ووقائع لا تكون جرت في الحقيقة كما تجري في الذاكرة التي تعيد صياغة الحدث بطريقة مختلفة. نحن لا نشتاق بالضرورة إلى الماضي كما كان، وإنما إلى الصورة التي صنعتها ذاكرتنا عنه. مما يخلق الحنين كما حدث في رواية” الجهل” لـــــــــــــــــــ ميلان كونديرا وتكون الخيبة عندما لا تتناسب الذكريات مع الواقع.
عندما عادت إيرينا وجوزيف ـــــــــــــــــــــ كونديرا نفسه ـــــــــــــــ إلى وطنهما الأصلي تشيكوسلوفاكيا بعد سنوات طويلة من المنفى؛ ليكتشفا أن الوطن الذي كان يحضر في مخيلتهما ويغذّي حنينهما لم يعد موجوداً، وأن الناس هناك قد تغيروا تماماً، مما يولد شعوراً بالعزلة والجهل المتبادل. الجهل هنا ليس عدم المعرفةبل الشعور بالالم أو العودة المستحيلة الناتج عن الفجوة بين الواقع وبين الذاكرة.
الحنين نوع من المرض او الوجع ومحاولة استعادة ما لا يمكن استعادته لذلك يعود جوزيف وارينا الى المنفى كما عادت الروائية ايزابيل الليندي من تشيلي الى المنفى عندما اكتشفت ان الوطن الذي حلمت به سنوات المنفى ليس هو الذي وجدته كما تقول في سيرتها” بلدي المخترع” أي اختراع وطن أفضل من العيش في وطن مخرب.
الحنين عادة يتجه نحو الماضي، مكان أو شخص، أو علاقة مفقودة، أو موت، أو سفر، الحنين ليس شعوراً في إتجاه واحد،
قد يكون الحنين لمكان أكثر قسوة عند شخص من الحنين نحو شخص غائب.
هو شغف وشوق وحزن نحو جزء مفقود.
لكن كيف يمكن الشعور بالحنين للقادم ، لما لم يحدث بعد إلا في الخيال؟
ليس كل الناس يعيشون الحنين بشكل متشابه وأقسى أنواع الحنين هو الخوف من فقدان من هو حاضر، الخوف من زوال الحضور البهي. من فراغ الامتلاء.
متى يحدث هذا الشعور بالحنين المتجه نحو المستقبل وليس الماضي؟ ليست هناك قاعدة كقانون لذلك،
لكن يحدث عادة في لحظة شديدة الكثافة من الفرح البري النقي:
إلى أي درجة من الفظاعة أن تتوجع وأنت في ذروة الفرح، أن تخاف وأنت أمام طمأنينة،
أن تتداعي وأنت في قمة تماسكك؟ أن تفرغ وأنت ممتلئ؟ هو الخوف من الفقدان .
عالم النفس البريطاني كولن موراي باركس حدد أربع مراحل للحداد بعد الصدمة والفقدان:
* الصدمة والذهول والارتباك. حالة انكار في ألا يكون الواقع حقيقياً.
* الشوق والبحث عن الجزء الغائب المبتور فجأة لانه صار جزءاً من كيانك العضوي النفسي. البحث في الهواء عن ما هو غائب.
* الفوضى واليأس واختفاء كل الواقع والتركيز على ما هو غائب: يصبح الغياب إمتلاءً ويكون الانسحاب للعزلة لان الضجيج يفسد حضور الغياب.
* والمرحلة الرابعة قبول الواقع والتصالح معه. لكن البعض يغرق في المرحلة الاولى ولا يغادرها والبعض تظهر بعد شهور من الحادث وهناك صنف تظهر عليه بشكل مخفف نظرا لتجاربه وفريق يتعامل مع الحدث بعقلانية مع اقل قدر ممكن من التوتر الزائل.
عالم النفس فرويد اعتبر حداد الفقدان كنوع من الحنين لاستعادة الجزء المفقود كما يفعل جزء مبتور من بعض الزواحف في العودة الى الاصل ، في حين اعتبر جاك ديريدا الحداد نوعاً من الموت، اي رغبة خفية في اللحاق بالجزء الغائب منا الذي شكّل ذاكرتنا. قد لا أرد عليك، قد لا أسمعك، ربما لا أشعر بمرورك ليس لاني اتجاهلك بل لأنك لا تعرف أنني في معركة طويلة لا تعرف عنها شيئا.
في رواية “الجهل” لميلان كونديرا يتحدث المنفي جوزيف عن بلده وعن الحنين الذي يساوي المرض والوجع وكونديرا نفسه عاش المنفى أكثر من نصف قرن ومات في فرنسا ودفن فيها ورفض العودة الى بلده ولو جثة الذي حاربه مرتين: في الزمن الشيوعي وبعد الانهيار ، كتب:
” “الجهل : العودة في اليونانية تعني نوستوس nostos. ألغوس Algos تعني معاناة. النوستالجيا هي إذاً المعاناة الناتجة من الرغبة غير المشبعة بالعودة. وفي كل لغة تملك هذه الكلمات صبغة معنوية مختلفة، وهي عادة ما تعني الحزن الناتج من استحالة عودة المرء لبلده الأصلي…anoranza في الإسبانية مشتقة من الفعل anorar المأخوذ بدوره من اللفظة الكتالونية enyorar، المشتقة بدورها من الفعل اللاتيني ignorer جهل الشيء. وعلى ضوء هذا الاشتقاق، يتكشف لنا الحنين على أنه ألم الجهل. أنت بعيد، ولا أعلم عنك شيئاً”.
لكن الحنين للوطن لا يرتبط دائما بالمنفى فقد تكون في الوطن وتشعر بالاغتراب والنفي وتشعر بــــ” الحنين” لوطن متخيل او حقيقي لم يعد موجوداً وهو أقسى من حنين المنفى: أن ترى وطنا يتهدم وتتهدم معه دون أن تفعل شيئاً.
عادت الروائية التشيلية ايزابيل الليندي الى تشيلي بعد ان هربت منه عام 1973 على اثر انقلاب دموي دبرته المخابرات الامريكية ضد الرئيس المنتخب شرعيا سلفادور الليندي ومقتله وتنصيب الجنرال الطاغية بينوشيت كرئيس ، عادت عام 2001 لكنها لم تجد تشيلي التي حلمت بها سنوات المنفى وعادت ثانية الى منفاها وكتبت ” بلدي المخترع” كتاب سيروي تقول:
” أن تحلم بوطن متخيل أفضل من أن تراه مخرباً”
في” الالياذة” اليونانية ملحمة هوميروس عاد عوليس بعد عشرين سنة منفى وهو يحارب من أجل ايثاكا ويحلم بها لكنه عندما عاد لم يجد من يتذكره.
كم كان البير كامو كبيراً وعميقاً عندما قال منتصف القرن الماضي: ” أوروبا تحتضر، عندما إنتهى زمن الحنين”.
حلّ الإبتكار مكان العاطفة، صار إنتظار إختراع هاتف جديد خبراً ساراً
أكثر من إنتظار غائب، فرحة تقليب صفحات الهاتف، أكثر متعة من تقليب صفحات الذاكرة أو كتاب،
غابت مساحات التأمل وحلت مكانها مساحات الإملاء، حتى الحرية تخضع ” لمعايير” النشر، زيارة محل الاحذية أو ملابس النوم أهم من زيارة المكتبة.
تحول نصف البشرية إلى أسرى عادات في مساحة ضيقة. الفرح أمام محل الملابس الداخلية،
أكبر من الفرح أمام ذكرى منزل آيل للسقوط دفنت فيه يوماً جزءاً من قلبك.
الحنين نوع من الوجع في اليونانية.
في الحنين يهرب جزء منك إلى مكان أو شخص، تركض خلفه ولا تلحق،
هو الشوق الفار أو طفل الأحشاء الهارب، تتحول من حطب الى جواد بري.
أقسى أنواع الحنين هو الخوف من فقدان من هو حاضر ،الخوف من زوال الحضور البهي من فراغ الامتلاء. متى يحدث هذا الشعور في الحنين المتجه نحو مستقبل غياب؟
في رواية” الهوية” ميلان كونديرا وجدت الهاجس نفسه: يجلس جان مارك وحبيبته شانتال لتناول العشاء على ضفة البحر. كل شيء أبيض.
الطاولات والكراسي والبحر والقمر والارض والمصابيح الصيفية والاغطية،
جو حلمي شفاف حتى الهواء أبيض،
لكن شانتال تحس بحنين لا يقاوم نحو جان مارك وهو جالس أمامها. يحدث مارك نفسه:
” حنين؟ كيف يمكن لها أن تحس بالحنين وهو تجاهها؟ كيف يمكن معاناة غياب من هو حاضر؟كيف يمكن معاناة الغياب في حضور المحبوب،
اذا كان يتلامح للمرء مستقبل لا يعود فيه المحبوب موجوداً”
فقدان من هو حاضر والخوف من فراغ ممتلئ الان وزوال من هو الأكثر حضورا