كتاب وشعراء

رفاتُ رجاءٍ لم يكتمل.. بقلم: إبراهيم علي الإدريسي ‏

خذوا نظرةً
‏إنَّ هاتي العيونَ مرايا العصورِ،
‏فلا تحسبوا ما ترونهُ دمعاً،
‏ولا تحسبوا أنَّ هذا الشحوبَ
‏مجرَّدَ ما خلَّف العمرُ فينا.

‏فماءُ النواظرِ لا يخدعنَّكم؛
‏وراءَ صفائهِ تنامُ دهاليزُ الخذلانِ،
‏وفي قاعها وجوهٌ عبرت ولم تعد،
‏وأعمارٌ عاشت، ورفاتُ رجاءٍ لم يكتمل.

‏فلا تسألوني:
‏من أين جاء البياضُ إلى شعري؟
‏أهذا فجرٌ؟
‏لا… إنَّه بعضُ كفنٍ
‏تركتهُ الحروبُ لناجٍ غادرَ المقصلةَ.

‏عبرتُ بفلكِ النجاةِ بحرَ العدمِ،
‏لكنَّني حين جفَّت مياهُ الطوفانِ
‏أبصرتُ أنَّ الوجودَ هباءٌ،
‏فبكيتُ على الغرقى دون دمعٍ،
‏وتجرَّعتُ لعنةَ البقاءِ.

‏أكنتُ نجماً حقَّاً،
‏أم أنَّ العتمةَ اخترعت لي سماءً
‏كي لا أعرفَ أنَّني كنتُ أسقط؟

‏كانت المجرَّاتُ تتَّسع لخطوي،
‏وأهزُّ مداراتها كلما مال في الضوء شيءٌ،
‏حتى استفاق الظلامُ في روحي،
‏فعرفتُ متأخراً أنَّ الذي كان يلمعُ بعيداً
‏لم يكن نجمي…
‏كان سقوطي.

‏أصعدُ كلما هوت بي الجهاتُ،
‏أحملُ نهاري على كتفي،
‏وكلما قاربتُ بابَ السّماءِ
‏تدحرج منّي الضوءُ،
‏فأعودُ إلى أوَّلِ العتمةِ.

‏لم تسألني السّماءُ إلى أين أمضي؛
‏محت اسمي من مداراتها
‏وتركتني للريحِ،
‏كأنَّني جهةٌ أخطأها الوجودُ.
‏حتى الشّهبُ كانت تمرُّ بقربي
‏لا تعرفني.

‏فأيُّ منفى هذا،
‏حين لا تكونُ بعيداً عن وطنك،
‏بل بعيداً عن مكانكَ في الوجودِ؟

‏لا تنخدعوا بما يلمعُ في عيني؛
‏فالأشياءُ قُبيل انطفائها
‏تتذكَّر الضوء جيداً.
‏وهذا البريقُ ليس نافذةً للفجرِ،
‏إنَّه آخرُ ما يفعلهُ الليلُ
‏حين يعجزُ عن البقاءِ مظلماً.

‏كي نبلغَ السّماءَ أتغني اللغة
‏بنينا من أصواتنا سلَّماً
‏كلما ارتفعنا
‏تكسَّرت الكلماتُ في أفواهنا،
‏حتى صار لكلِّ فمٍ منفاه.
‏وحين لم يبقَ بيننا وبين الغمامِ
‏إلا حجرٌ أخيرٌ…
‏نسينا اسمَ السماءِ.

‏التفتنا إلى الأرضِ كي نعودَ،
‏فلم نفهمْ ما كانت تقوله أفواه الطرقُ.

‏والآن، وأنتم تقفون معي أمام المرايا،
‏أيَّ وجهٍ ترون؟
‏لا تشيروا إليَّ؛
‏فالمرآةُ تعرفُ كيف تعيدُ الملامحَ،
‏ولا تعرفُ من الذي تركها هناك.

‏اقتربتُ منها فابتعد وجهي،
‏رفعتُ يدي فتأخَّر ظلِّي،
‏وحين ناديتُ اسمي
‏التفتَ الذي في المرآة…

‏وبقيتُ أنا أنتظر.
‏مددتُ يدي إليه فمدَّ يده،
‏لكنَّ الزجاجَ لم يكن بيننا…
‏التفتُّ مذعوراً،
‏فلم أجد الغرفة، ولا الواقفين،
‏ولا حتى المرآة. كان هناك وجهٌ واحدٌ
‏يحدّق من الجهة الأخرى…
‏أهو وجهي.

‏عندها تذكَّرت
‏ما لم يحدث قط:
‏أنَّني دخلت هذه المرآة
‏منذ أربعين عاما…

‏لكن الطفل الذي دخلها
‏لم يكن أنا !!!

‏✍️ إبراهيم علي الإدريسي
2026/8/27 – بغداد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى