
خذوا نظرةً
إنَّ هاتي العيونَ مرايا العصورِ،
فلا تحسبوا ما ترونهُ دمعاً،
ولا تحسبوا أنَّ هذا الشحوبَ
مجرَّدَ ما خلَّف العمرُ فينا.
فماءُ النواظرِ لا يخدعنَّكم؛
وراءَ صفائهِ تنامُ دهاليزُ الخذلانِ،
وفي قاعها وجوهٌ عبرت ولم تعد،
وأعمارٌ عاشت، ورفاتُ رجاءٍ لم يكتمل.
فلا تسألوني:
من أين جاء البياضُ إلى شعري؟
أهذا فجرٌ؟
لا… إنَّه بعضُ كفنٍ
تركتهُ الحروبُ لناجٍ غادرَ المقصلةَ.
عبرتُ بفلكِ النجاةِ بحرَ العدمِ،
لكنَّني حين جفَّت مياهُ الطوفانِ
أبصرتُ أنَّ الوجودَ هباءٌ،
فبكيتُ على الغرقى دون دمعٍ،
وتجرَّعتُ لعنةَ البقاءِ.
أكنتُ نجماً حقَّاً،
أم أنَّ العتمةَ اخترعت لي سماءً
كي لا أعرفَ أنَّني كنتُ أسقط؟
كانت المجرَّاتُ تتَّسع لخطوي،
وأهزُّ مداراتها كلما مال في الضوء شيءٌ،
حتى استفاق الظلامُ في روحي،
فعرفتُ متأخراً أنَّ الذي كان يلمعُ بعيداً
لم يكن نجمي…
كان سقوطي.
أصعدُ كلما هوت بي الجهاتُ،
أحملُ نهاري على كتفي،
وكلما قاربتُ بابَ السّماءِ
تدحرج منّي الضوءُ،
فأعودُ إلى أوَّلِ العتمةِ.
لم تسألني السّماءُ إلى أين أمضي؛
محت اسمي من مداراتها
وتركتني للريحِ،
كأنَّني جهةٌ أخطأها الوجودُ.
حتى الشّهبُ كانت تمرُّ بقربي
لا تعرفني.
فأيُّ منفى هذا،
حين لا تكونُ بعيداً عن وطنك،
بل بعيداً عن مكانكَ في الوجودِ؟
لا تنخدعوا بما يلمعُ في عيني؛
فالأشياءُ قُبيل انطفائها
تتذكَّر الضوء جيداً.
وهذا البريقُ ليس نافذةً للفجرِ،
إنَّه آخرُ ما يفعلهُ الليلُ
حين يعجزُ عن البقاءِ مظلماً.
كي نبلغَ السّماءَ أتغني اللغة
بنينا من أصواتنا سلَّماً
كلما ارتفعنا
تكسَّرت الكلماتُ في أفواهنا،
حتى صار لكلِّ فمٍ منفاه.
وحين لم يبقَ بيننا وبين الغمامِ
إلا حجرٌ أخيرٌ…
نسينا اسمَ السماءِ.
التفتنا إلى الأرضِ كي نعودَ،
فلم نفهمْ ما كانت تقوله أفواه الطرقُ.
والآن، وأنتم تقفون معي أمام المرايا،
أيَّ وجهٍ ترون؟
لا تشيروا إليَّ؛
فالمرآةُ تعرفُ كيف تعيدُ الملامحَ،
ولا تعرفُ من الذي تركها هناك.
اقتربتُ منها فابتعد وجهي،
رفعتُ يدي فتأخَّر ظلِّي،
وحين ناديتُ اسمي
التفتَ الذي في المرآة…
وبقيتُ أنا أنتظر.
مددتُ يدي إليه فمدَّ يده،
لكنَّ الزجاجَ لم يكن بيننا…
التفتُّ مذعوراً،
فلم أجد الغرفة، ولا الواقفين،
ولا حتى المرآة. كان هناك وجهٌ واحدٌ
يحدّق من الجهة الأخرى…
أهو وجهي.
عندها تذكَّرت
ما لم يحدث قط:
أنَّني دخلت هذه المرآة
منذ أربعين عاما…
لكن الطفل الذي دخلها
لم يكن أنا !!!
✍️ إبراهيم علي الإدريسي
2026/8/27 – بغداد