
متى يكتب الشاعر؟
حين يعجز الكلام العادي عن حمل ما حدث.
حين يرى رجلاً يُؤخذ منه حقه أمام عينيه
فيعود إلى بيته و في فمه شيءٌ يشبه الصمت
و في يده ورقة تقول إن القانون كان موجوداً،
لكن العدالة كانت في مكانٍ آخر.
يكتب حين يرى المظلوم يعتذر عن صوته
و الظالم يتحدث بثقة.
يكتب حين يكتشف أن بعض الأبواب
تُفتح بالمفاتيح و بعضها بالأسماء.
و حين يرى أماً
تخبئ دمعتها كي لا يخاف طفلها
ثم تبتسم له كأن العالم ما زال مكاناً صالحاً
للحياة.
هناك يبدأ الشعر.
يكتب الشاعر حين يخسر شيئاً لا يستطيع
استعادته،
وجهاً،
وطناً،
ثقةً،
صديقاً كان يظن أن الغياب لا يعرف طريقه
إليه.
يكتب حين يُخذل من الجهة التي ظنها أماناً
و حين يعود من المعركة و يكتشف أن الذين
شجعوه كانوا يتفرجون فقط.
يكتب حين يغضب، لكن غضبه لا يجد يداً
يضرب بها العالم فيضعه على الورق.
يكتب لأن الصرخة تحتاج أحياناً
إلى أن تعيش أطول من صاحبها.
و يكتب أيضاً حين يرى شيئاً صغيراً
ينقذ شيئاً كبيراً .
طفلاً يضحك لرجلٍ عجوز في حافلة.
بنتاً صغيرة تخلع معطفها
و تغطي به كلباً يرتجف في المطر.
غريباً يدفع ثمن خبز رجلٍ لا يعرفه
ثم يمضي كأنه لم يفعل شيئاً .
يداً تمتد إلى يدٍ أخرى
دون أن تسألها من أي جهة جاءت.
عندها يعرف الشاعر
أن الإنسان لم يفسد كله فيكتب.
و يكتب حين يرى الوحشية أيضاً .
حين يرى طفلاً يبحث عن حذائه
وسط بيتٍ لم يعد بيتاً.
حين يرى مدينةً تتعلم أسماء موتاها
أسرع مما تتعلم أسماء شوارعها.
حين يرى إنساناً يحدّق في الكاميرا بعينين
لا تطلبان الشفقة،
فقط تريدان أن يعرف أحد أن هذا حدث فعلاً .
يكتب الشاعر لأن بعض المشاهد إذا بقيت في
القلب أفسدته فيخرجها إلى القصيدة.
ليست القصيدة حزناً فقط…
القصيدة هي المكان الذي يلتقي فيه
الحزن بالغضب
و الخذلان بالكرامة
و الوحشية بالرحمة
و الإنسان بما تبقى فيه من إنسان.
الشاعر لا يكتب
حين يكون لديه شيء يقوله.
يكتب حين يصبح السكوت نوعاً من الخيانة.
حين يرى الظلم و لا يستطيع أن يرده
فيحاول أن يمنحه اسماً .
و حين يرى الخير و لا يريد له أن يمر
كحادثة عابرة فيحفظه.
و حين يرى الجمال وسط الخراب
فيضع حوله سوراً من الكلمات
كي لا تقتله الأيام.
لهذا قد تبدأ القصيدة
من صفعة
أو جنازة
أو خيانة،
أو خبرٍ سيئ عند الفجر.
و قد تبدأ من طفلٍ ضحك في المكان الخطأ.
من يدٍ مسحت دمعة غريب.
من امرأةٍ قسمت رغيفها مع جائع.
من رجلٍ أعاد شيئاً لا يخصه رغم أنه كان
يحتاجه.
ثم تكبر القصيدة.
تخرج من الحادثة إلى الإنسان
و من الإنسان إلى السؤال
و من السؤال إلى شيءٍ لا اسم له.
شيءٍ يجعلنا بعد أن ننتهي من القراءة،
ننظر إلى العالم قليلاً ثم نتساءل:
كيف استطاع كل هذا الخراب
أن يترك فينا رغبةً واحدة
في أن نكون طيبين؟
هناك… ربما …
يولد الشعر الحقيقي
عندما لا يعود الشاعر يكتب عن نفسه.
عندما يصبح قلبه نافذةً واسعة
يمرّ منها وجعُ الآخرين و فرحُهم
و خوفُهم و أخطاؤهم و أحلامُهم الصغيرة.
عندما يأخذ العالم كما هو:
بظلمه و عدله، بدموعه و ضحكاته،
بأنيابه و يديه الممدودتين ثم يقول:
رأيت…
ثم يكتب كي لا يستطيع العالم
أن يقول يوماً:
لم يرني أحد.