رؤي ومقالات

إدريس آياتيكتب :أربع سوخوي جزائرية فوق النيجر… هل وُلدت مظلة الردع الجزائرية تجاه الساحل؟

 في الجغرافيا السياسية؛ هناك أحداث أمنية؛ نطلق عليها ” Game changer”؛ لأنّ بها تُقاس تحولات في عقيدة الدول والأمم. وما حدث في النيجر خلال الساعات الماضية ينتمي إلى النوع من التبدلاّت الجيوسياسية الكبرى في شمال أفريقيا وغربها على سواء.
لأن الجزائر لم تكتفِ بإدانة التمرد العسكري الذي شهدته نيامي، بل انتقلت إلى مستوى آخر تمامًا؛ إرسال أربع مقاتلات جزائرية من طراز Su-30 إلى النيجر، استجابة لطلب السلطات النيجرية.
وهنا ليس المهم عدد الطائرات الأربع، وإنما معنى وجودها. فأربع مقاتلات لا تستطيع تغيير ميزان القوى العسكري في منطقة الساحل، لكنها منذ لحظة وصولها غيّرت شيئًا أكثر أهمية، وهي: عتبة الردع.
فالرسالة الجزائرية أنّ أمن النيجر، من الآن فصاعدًا، شأنًا ممتدًا لأمن الجزائر. وهذا يقودنا إلى مفهوم استراتيجي مهم هو «المحيط الأمني الممتد»؛ أي أن الدولة لا تنتظر وصول التهديد إلى حدودها حتى تعتبره تهديدًا لأمنها القومي، وإنما تنظر إلى أمن محيطها المباشر باعتباره جزءًا من أمنها.
ونظرًا بأنّ الجزائر والنيجر تتقاسمان حدودًا تتجاوز 950 كيلومترًا تقريبًا؛ فلا تنظر الجزائر إلى جنوبها باعتباره مجرد فراغ جغرافي، وإنما باعتباره عمقًا استراتيجيًا.
▪️ العام 2020 كنقطة التحول
لفهم معنى وصول المقاتلات الجزائرية إلى نيامي، علينا أن نعود ست سنوات إلى الوراء، إلى دستور الجزائر لعام 2020. فقبل ذلك، كانت العقيدة الجزائرية شديدة التحفظ تجاه استخدام قواتها خارج الحدود. لكن دستور 2020 أحدث تطورًا مؤسسيًا مهمًا؛ إذ نصت المادة 91 على إمكانية اتخاذ رئيس الجمهورية قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد موافقة ثلثي كل غرفة من غرفتي البرلمان.
مع ضرورة الإشارة إلى نقطة مهمة في وجهة نظري، وهي أنّ الجزائر لم تتخلَّ عن مبدأ عدم التدخل، وإنما أعادت تعريف حدود الدفاع عن أمنها في بيئة إقليمية أصبحت أكثر خطورة.
وحتمًا كانت تجربة ليبيا بعد عام 2011 من أهم العوامل التي دفعت الجزائر إلى إعادة التفكير في مفهوم أمنها الإقليمي؛ فقد أدركت أن انهيار دولة مجاورة لا يبقى داخل حدودها، فالإرهاب والتهريب والسلاح وشبكات الجريمة كلها قادرة على عبور الحدود.
وإذا أردنا تبسيط مسار هذا التحول لفهمه، فيمكن اختصاره في ثلاث محطات:
2011: صدمة ليبيا. ثم عام 2020: تكييف دستوري للعقيدة العسكرية الجزائرية. وعام 2026 عام التطبيق بمقاتلات سوخوي جزائرية في النيجر بطلب من سلطاتها.
وهكذا انتقلت العلاقة بين البلدين تدريجيًا من تقارب دبلوماسي إلى ترابط استراتيجي.
والدليل ليس فقط وجود الطائرات الجزائرية في الأجواء النيجرية، وإنما في عدة قطاعات ابتداءً من الطاقة.
ففي فبراير 2026، أعادت الجزائر والنيجر تفعيل شراكة الكهرباء بين ” سونيلغاز” و ” نيجيليك” النيجرية، مع بحث دعم شبكة الكهرباء ونقل الخبرات الجزائرية. وفي يونيو 2026، وقعت شركات تابعة لـ ” سوناطراك” ثلاث مذكرات تفاهم مع شركة النفط النيجرية ” سونديب”، شملت أعمالًا جيوفيزيائية ومسحًا زلزاليًا وتعاونًا في قطاع المحروقات.
والأهم من كل ذلك هو التحول في الخطاب السياسي نفسه؛ فقد أصبح الأمن بين البلدين يُطرح باعتباره قضية مشتركة.
ففي وثيقة منشورة عن نشاطات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وردت عبارة شديدة الدلالة:
«أمن النيجر هو أمن الجزائر».
وترتيبًا على ما سبق؛ إن بدأت دولة في ربط أمنها القومي بأمن دولة مجاورة، فإن العلاقة تنتقل من مجرد حسن جوار إلى اعتماد أمني متبادل. وهذه هي النقطة التي تجعل وصول طائرات سوخوي إلى نيامي تحولاً جيوسياسيًا عظيمًا.
والتساؤل الذي ظلّ يُطرح في الأوساط السياسية والإعلامية أفريقيًا؛ منذ البارحة؛ هل نحن أمام بداية تشكّل مفهوم جزائري جديد، تصبح بموجبه استقرار النيجر جزءًا من الأمن القومي الجزائري؟
فالبيئة المحيطة بالجزائر مشتعلة؛ تتغير بسرعة؛ ليبيا إلى الشمال الشرقي، وتونس إلى الشمال، والنيجر جنوبًا، فيما يشهد الساحل الجنوبي، ولا سيما مالي ومنطقة أزواد، تحولات عسكرية وسياسية وأمنية عميقة. ومن تداعياتها الآثار الأمنية العابرة للحدود.
▪️ماذا عن الادعاءات التي صدرت عن ” تدخّل جزائري” في الشأن النيجري؟
بدت لأول وهلة أن الجزائر تدخلت في الشأن الداخلي في النيجر؛ لأنّ بعض خصوم الجزائر ممن خاب ظنّهم بعدم نجاح التمرد؛ روّجوا لتلك الشائعات.
لكن يبدو أنّ المروّجين أهملوا حقيقة وهي؛ أنّ الجزائر لم تدخل النيجر لتفرض نظامًا سياسيًا؛ بل دخلت، بطلب من السلطات النيجرية، لدعمها في مواجهة محاولة نسخ نموذج تمرّد مسلّح؛ بدعمٍ خارجي، حالة مُماثلة للسودان حيث تمردًا ثم حربًا بالوكالة، وهنا إذن يستحيل الحديث عن ” تدخل في شأن النيجر الداخلي” إنّما يسمّى في القانون الدولي؛Requested Security Assistance — المساعدة الأمنية المطلوبة. وهذا فارق سياسي وقانوني واستراتيجي كبير.
فالجزائر لم تفرض وجودها على النيجر؛ النيجر طلبت دعمها؛ وهذا يمنح العملية شرعية ثنائية وسياسية.
▪️لكن ما الأبعاد الجيوسياسية وراء وصول الطائرات الجزائرية في سماء النيجر؟
في تقديري، فإن الرسالة هنا استراتيجية بالدرجة الأولى؛ وهي موجهة قبل كل شيء إلى خصوم النيجر، وإلى فاعلين آخرين يراقبون المشهد من خارج منطقة الساحل.
قد يقرأ كثيرون ما حدث في نيامي باعتباره مجرد تمرد عسكري فاشل انتهى بانتهاء ساعاته الأولى. لكن القراءة الجيوسياسية تقول شيئًا أكبر.
فاستجابة الجزائر، بعد أقل من 24 ساعة من محاولة التمرد، كشفت أن الجزائر لم تعد تنظر إلى حدودها باعتبارها نهاية مسؤوليتها الأمنية كما كان الأمر في السابق.
بل إن النيجر، تحديدًا، قد ازدادت أهميتها في حسابات صانع القرار الجزائري، إلى درجة أن الجزائر أصبحت مستعدة لتوفير مظلة ردع لها عندما ترى أن استقرارها مهدد. وبحكم موقع الجزائر الجغرافي، وقوتها العسكرية، وحدودها مع النيجر والساحل، أعادت بهذه الخطوة تعريف مفهوم العمق الاستراتيجي.
وبعبارة أبسط: الجزائر لا تقول للنيجر فقط؛ نحن معكم. بل تُرسل رسالة إلى دولة ” أبو درهم” وعملائها في المنطقة؛ ممن يفكرون في زعزعة استقرار النيجر بأنّ الطريق إلى النيجر يمر الآن أيضًا عبر حسابات الجزائر الاستراتيجية والجيوأمنية.
وهنا تحديدًا تبرز كلمة واحدة: الردع. لأن الرسالة الجزائرية، في جوهرها، هي أن النيجر لن تُترك لتتحول إلى «سودان آخر»؛ حيث يبدأ تمرد عسكري، ثم يتحول إلى حرب مفتوحة، ثم إلى صراع بالوكالة تتداخل فيه القوى الإقليمية والدولية.
وهنا لا أجدني إلا أمام تساؤل أوسع:
هل كانت السودان لتصل إلى حربها الحالية، التي امتدت قرابة ثلاث سنوات، وما رافقها من انتهاكات وإبادات جماعية في دارفور على يد ميليشيا الدعم السريع، لو تحرك جيران السودان وحلفاؤه الأقوياء – وعلى رأسها مصر- منذ الساعات الأولى لتمرد آل دقلو، كما تحركت الجزائر مع النيجر؟
مع صعوبة الإجابة عن هذا السؤال، لكنه يفتح بابًا مهمًا لفهم قيمة الردع المبكر قبل أن يتحول التمرد إلى حرب.
وعلى كل حال، فإن الخطوة الجزائرية تبدو تجسيدًا عمليًا لما قاله الرئيس عبد المجيد تبون: “أمن النيجر من أمن الجزائر”؛ وهي نقطة تحوّل جيوسياسي هام في المنطقة، ستذكر كواحد من أبرز ” الأيام التاريخية الأمنية” ومرحلة أمنية جديدة في القارة الأفريقية!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى