رؤي ومقالات

عمرو صابح يكتب :فاروق ملك الإقطاعيين.. كيف أصبح نصيرًا للفلاحين؟

لم يعد الشماشرجية يكتفون بالدفاع عن الملكية أو تلميع صورة الملك فاروق، بل وصل بهم الأمر إلى إعادة كتابة التاريخ من وحي الخيال؛ فيحوّلون الإقطاعي الأكبر في مصر إلى «صديق الفلاح»، ويقدّمون ملكًا لم يجرؤ على الاقتراب من مصالح كبار ملاك الأراضي باعتباره رائد الإصلاح الزراعي وصاحب مشروع للعدالة الاجتماعية!
إنها ليست مجرد مبالغة أو قراءة مختلفة للتاريخ، بل عملية تزوير مكتملة الأركان؛ لأن من يريد أن يعرف حقيقة موقف فاروق من الفلاح المصري لا يحتاج إلى قصائد المديح ولا إلى صور الاحتفالات الملكية، وإنما يكفيه أن ينظر إلى طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي حكمت فيه الأسرة الملكية، وإلى حدود المشروع الذي أُطلق عليه اسم «الملكيات الصغيرة».
الحقيقة أن الملك فاروق، في عام 1948، وبعد أن تكاثرت عليه التحذيرات من أصدقائه الأمريكيين والإنجليز، ومن بعض العقلاء من رجاله، بأن الأرض تغلي تحت قدميه، وأن ثورة شعبية تقترب بسبب التفاوت الطبقي الفادح، حاول أن يخدع شعبه بحيلة بائسة.
فماذا فعل؟
اختار قرية كفر سعد بمحافظة دمياط، وكانت تُعرف وقتها بقرية المعدمين، وانتقى منها 600 شخص، من دون اعتبار لكونهم فلاحين أو أصحاب مهن أخرى، ثم وزّع عليهم أراضي تتراوح مساحتها بين فدانين وخمسة أفدنة، طالبًا منهم أن يقوموا باستصلاحها.
كانت الأراضي بورًا وتحتاج إلى معجزة لاستصلاحها. وطبعًا، لم يجرؤ الملك على المساس بأراضي كبار الإقطاعيين؛ لأنه ابن طبقتهم وحارس مصالحهم وأكبرهم إقطاعًا وملكية. فابتكر هذا المشروع «الاستعراضي» ليُرضي أصدقاءه الأجانب ويُسكِت همسات مستشاريه، من دون أن يقترب خطوة واحدة من الطبقة التي تحمي عرشه.
ذهب بنفسه إلى كفر سعد، وأقاموا له استراحة ملكية وصوانًا ضخمًا، وتسابقت الصحف لتغطية الحدث، بل وصل الأمر إلى إصدار عملة تذكارية لتخليد «المشروع العظيم»!
كل شيء كان حاضرًا: الملك، والاستراحة، والصوان، والصحف، والعملة التذكارية.
أما الإصلاح الحقيقي، فلم يكن حاضرًا!
والنتيجة؟
الفشل الذريع.
لأن من مُنحت لهم الأرض لم يكونوا في معظمهم فلاحين، ولأن الحكومة تقاعست عن توفير المهندسين الزراعيين أو الأدوات اللازمة. سقط المشروع، واندثر كما تندثر كل مشاريع البهرجة الفارغة التي لا تقوم على إرادة إصلاح حقيقية.
وهذه هي الحقيقة التي يريد الشماشرجية اليوم دفنها تحت صور فاروق وعبارات المديح: مشروع الملكيات الصغيرة لم يكن ثورة اجتماعية، ولا إصلاحًا زراعيًا يواجه الإقطاع، وإنما تجربة محدودة فاشلة، يحاول مزوّرو التاريخ الآن نفخها وتحويلها إلى «إنجاز» لمجرد أن صاحبها كان ملكًا.
ولكي نعرف حجم المأساة التي عاشها الفلاح المصري في عهد الملكية، فلننظر إلى الأرقام:
عام 1950: 14.5 مليون مصاب بالرمد الحبيبي (90% من الشعب)، و12 مليونًا بالبلهارسيا (75%)، و8 ملايين بالأنكلستوما (50%).
عام 1939: تصدّرت مصر دول العالم في وفيات الأطفال.
عام 1951: 441 ألف وفاة سنويًا بسبب سوء التغذية وفقر الدم وانعدام النظافة والرعاية الصحية.
وكان النصيب الأكبر من هذا الجحيم للفلاحين في الريف المصري.
تلك هي الصورة الحقيقية التي يحاول الشماشرجية طمسها وهم يتحدثون عن «الفردوس الملكي» و«الملك صديق الفلاح».
ثم جاءت ثورة يوليو…
وفي 9 سبتمبر 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول، ليضع حدًا لسطوة 1789 مالكًا كبيرًا على 372,305 أفدنة.
تلاه القانون الثاني عام 1961، الذي حدّد الملكية بـ100 فدان للفرد و50 فدانًا للأسرة، وحرّم التحايل بالبيع للأبناء، فآلت إلى الإصلاح الزراعي 214,132 فدانًا جديدة.
ثم جاء القانون الثالث عام 1969، الذي جعل الحد الأقصى 50 فدانًا فقط.
حتى عام 1969، وُزّع على الفلاحين ما يقرب من مليون فدان (989,184 فدانًا تحديدًا)، استفادت منها أكثر من 325 ألف أسرة.
هنا فقط أصبح الإصلاح الزراعي سياسة دولة، لا حفلة ملكية ولا مشروعًا دعائيًا.
لم يقتصر الأمر على توزيع الأراضي؛ بل أنشأت الثورة الجمعيات الزراعية في كل القرى، وخطّطت للزراعة على مستوى الجمهورية، وزوّدت الفلاحين بالبذور والمبيدات والأسمدة، وضمنت لهم تسويق محاصيلهم.
صار التغيير في الملكية الزراعية مدعومًا بخطة شاملة، أنهت البطالة، ورفعت مستوى الفلاح، وربطت حياته بخطة اقتصادية قومية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
والأعظم من ذلك كان التغيّر الجذري في حياة الريف.
المدارس وصلت، والوحدات الصحية انتشرت، والوعي ارتفع، والتعليم تحسّن، والصحة العامة نهضت.
أما المشروع الأكبر للثورة، فكان السد العالي، مشروع الزراعة الأول. حوّل الري من ريٍّ بالحياض إلى ري دائم، واستصلح قرابة مليوني فدان.
وفي عهد جمال عبد الناصر زادت الرقعة الزراعية بأكثر من 15%، لأول مرة تسبق الأرض الزيادة السكانية. لقد كان عبد الناصر أول حاكم مصري منذ عهد الفراعنة يوسّع رقعة وادي النيل.
ولمن يريد أن يفهم حجم الكارثة التي كانت مصر تتجه إليها قبل الثورة، تكفيه واقعة منشورة في جريدة «المصري» الصادرة في 18 يناير 1952، أي قبل ستة أشهر فقط من الثورة.
فقد صرّح السعيد السبع بك، مدير مصلحة الأملاك الأميرية، بأن «المصريين سيموتون جوعًا عام 2000» بسبب تراجع الأراضي الزراعية بمعدل 10 آلاف فدان سنويًا.
وكان هذا التراجع قد بلغ 400 ألف فدان منذ عام 1910.
ولم يتوقف هذا النزيف إلا بفضل السد العالي ومشروعات الري بعد الثورة، حيث تضاعفت الرقعة الزراعية مرات ومرات، حتى بلغت اليوم 11 مليون فدان، بإنتاجية تعادل أكثر من 18 مليون فدان.
العملات التذكارية لا تصنع إنجازًا، وصور الاحتفالات لا تحقق عدالة اجتماعية، والمشروع الفاشل لا يتحول إلى إنجاز تاريخي بمجرد أن يعيد الشماشرجية تسميته. فالتاريخ لا يُكتب بالصوان الملكي ولا بالعملات التذكارية، وإنما بما تغيّر فعلًا في حياة الناس.
-الصورة: العملة التذكارية التي أمر الملك فاروق بإصدارها تخليدًا لمشروعه الفاشل، والتي يستغلها الشماشرجية ومزوّرو التاريخ حاليًا لتلميع العهد الملكي البائد.
___
المراجع
الفلاحون — د. الأب هنري عيروط اليسوعي
فاروق وسقوط الملكية في مصر 1936–1952 — د. لطيفة سالم
مبادئ في السياسة المصرية: مذكرات — محمد علي علوبة باشا
تقرير البنك الدولي رقم 870-أ — واشنطن، 5 يناير 1976
الانهيار بعد عبد الناصر… لماذا؟ — عادل حسين
تجربة عثمان — عبد الله إمام
مستقبل الزراعة في مصر — د. منصور عبد الفتاح

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى