تقارير وتحقيقات

التاج المحفور بالنار في جلود “العبيد” .. خطايا الملكية البريطانية تطارد تشارلز

كتب:هاني الكنيسي
كان التاج البريطاني رمزًا للسلطة فوق رأس الملك أو الملكة.. لكنه كان أيضاً وسمًا يُحرق به جلد العبيد.
هذا ما كشفته وثيقة محفوظة في أرشيف شركة “بحر الجنوب”South Sea Company، نشرتها بشجاعة صحيفة ‘الغارديان’.
الوثيقة التي عثر عليها المؤرخ ‘نيكولاس رادبورن’ Nicholas Radburn (من جامعة “لانكستر”)، تتضمن توجيهات صريحة من مجلس إدارة الشركة إلى وكلائه في العاصمة الأرجنتينية ‘بوينس آيرس’، تقضي بوسم أجساد المستعبدين الأفارقة عن طريق “كي الجلد بقطعة معدنية على شكل التاج”، رغم تحذيرات طبية من مخاطر العملية.
وفي متن الرسالة الموثقة، وصفت الإدارة فكرة الوسم بأنها: the most effectual way to distinguish our Negroes from others، أي “الطريقة المثلى للتمييز بين زنوجنا (عبيدنا) وغيرهم”.
ووفقًا للوثائق، أرسل البريطانيون بعد ذلك “علامة فضية صغيرة على شكل تاج”، مع تعليمات بتسخينها حتى الاحمرار وكيّها على الكتف الأيسر لكل عبد.
الرسالة “اللا إنسانية” لم تكن صادرة عن تجار رقيق صغار، بل عن مجلس إدارة شركة مرتبطة رسميًا بالتاج البريطاني.
وعن ذلك، يقول ‘رادبورن’ إن رجالاً من النخبة البريطانية كانوا يجتمعون في قاعة مجلس إدارة الشركة في لندن، يحتسون الشاي، ويناقشون بالتفصيل “كي أجساد بشر في الجانب الآخر من المحيط”.
الوثيقة التاريخية تكشف عن جانب مظلم من ماضي العائلة الحاكمة بعد استعادة الملكية في بريطانيا عام 1660.
‘جيمس’ دوق يورك، الذي أصبح لاحقاً الملك “جيمس الثاني” King James II، كان مستثمراً رئيسياً في “الشركة الملكية الأفريقية”، التي تأسست عام 1672، وكانت من أكبر مؤسسات الاتجار بالأفارقة المستعبدين. وتؤكد أبحاث ‘بروك نيومان’ Brooke Newman أن تلك الشركة -التي كانت تعقد اجتماعات مجلس إدارتها في جناح ‘جيمس’ الخاص داخل “قصر وايتهول”- استخدمت علامات تحمل الحرفين DY، في إشارة إلى “دوق يورك”، لوسم المستعبدين.
ولذلك يصف المؤرخ ‘ويليام بيتيغرو’ الملك جيمس الثاني بأنه ” أهم تاجر رقيق إنجليزي في القرن السابع عشر”.
وفي عام 1713، أبرمت الملكة ‘آن’ ما سُمّي “امتياز الأسيينتو” Asiento لتوريد 4,800 إفريقي مستعبد سنوياً إلى المستعمرات الإسبانية في الأمريكتين.
وفي خطاب موثّق أمام مجلس اللوردات البريطاني، قالت الملكة ‘آن’ حرفيًا: “لقد أصررتُ على إبقاء عقد الامتياز (الأسينتو) معنا لمدة 30 عاماً”.
وقد مُنحت حقوق “الأسيينتو” لشركة “بحر الجنوب”، التي كانت ‘آن’ نفسها أكبر المستثمرين في حصصها، ثم أصبح الملكان ‘جورج الأول’، و’جورج الثاني’، من كبار المستثمرين فيها والداعمين لنشاطها في تجارة الرقيق.
وبحسب قاعدة بيانات “رحلات نقل العبيد بحرًا” Slave Voyages، نقلت الشركة 43,220 إفريقياً مستعبداً من غرب أفريقيا ومدغشقر إلى الكاريبي والأمريكتين بين عامي 1714 و1740، ومات نحو 7 آلاف شخص على متن سفنها، نتيجة الأوبئة والجوع.
“كانت شركةً لا تعرف الرحمة وتحظى بدعم الملكية في تجارة الرقيق”، على حد تعبير المؤرخ ‘رادبورن’.
هذه الوثائق والوقائع تؤكد ما توصلت إليه دراسات أكاديمية حديثة، بأن العبودية كانت متشابكة مع النظام المالي والسياسي البريطاني، واستفادت منها شركات ومصارف ومؤسسات تعليمية وثقافية، وتوارثت أرباحها أجيال لاحقة.
بريطانيا ألغت تجارة العبيد رسميًا عام 1807، لكنها لم تلغ العبودية في معظم مستعمراتها إلا عام 1833. والمفارقة أن البرلمان الإنجليزي خصص 20 مليون جنيه إسترليني لتعويض “مالكي العبيد”، لا المستعبدين.
ولم تُسدّد لندن “القرض” الذي موّل تلك التعويضات بالكامل إلا عام 2015.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة قرون، يُستعاد هذا التاريخ البريطاني المخزي على يد الملك تشارلز الثالث الذي وصف العبودية بأنها ” فظاعة مروعة”، وأعلن في 2023 دعمه للبحث في صلات الملكية البريطانية بهذه التجارة، لكنه لم يقدم اعتذاراً رسمياً، مثلما رفضت الحكومات البريطانية المتعاقبة دفع أي تعويضات.
وفي سبتمبر الجاري، طلبت جامايكا -بدعم من جميع دول الكاريبي عبر “تجمع كاريكوم ” CARICOM- من ‘تشارلز’ أن يسمح بتوجيه أسئلة قانونية إلى “اللجنة القضائية” التابعة لمجلس الملك الخاص Privy Council، وفي مقدمتها: هل كان الاستعباد والنقل القسري إلى جامايكا انتهاكاً للقانون؟ وهل ثمة مسؤولية تستوجب التعويض المالي؟
فجاء رد القصر دبلوماسيًا، خاويًا من الفعل أو حتى الوعد بالفعل: “إن الملك ملتزم بتعزيز فهم أكبر لقضية العبودية وإيجاد سبل لمعالجة المظالم التاريخية”، دون أن يتطرق من قريب أو بعيد لمبدأ التعويضات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى