كتاب وشعراء

“العبور الأخير”… حين يتحوّل العبور إلى اختبار للإنسان.. قراءة نقدية في قصة الكاتبة نجاح الدروبي.. بقلم الأديب والناقد اللبناني الكبير الدكتور: عبد الكريم بعلبكي

قصَّة قصيرة
العبور الأخير
بقلم الكاتبة: نجاح الدروبي

زحف القطار وقت الأصيل كطفل يحبو وئيداً، قبل أن يستشيط غضباً وتتسارع تروسه بجنون. أخذ ينفث من جوفه الحالك سُحُباً سوداء لوّثت وجه السماء الصافية، كأنَّه يمدُّ أذرعاً مظلمة ليخنق قرص الشمس الأرجواني. تراجعت الشمس نحو الأفق واختبأت على عجل خلف الشفق ذعراً من الموت الداكن، بينما انتشرت رائحة الرماد المحترق في الآفاق، باثَّةً الرعب في أوصال البشر والشجر والدواب.
في المقلب الآخر من هذا المشهد المهيب، كان “سبيع” يتربَّع على عرش دراجته المتواضعة، شاهداً صامتاً على هذا الهيجان الميكانيكي. وكانت عيناه ترجوان انقشاع آخر عربات القطار الأهوج، ليعلن نهاية يوم مضنٍ من الكدح والشقاء.
لقد حفر في صخر التعب طويلاً اليوم، وجمع من عرق جبينه أموالاً إضافيَّةً، ليست لعوزٍ، بل ليدقَّ بها أبواب حلمه الأكبر: الاقتران برفيقة العمر التي زفَّتها إليه أمنيات والدته واختيارها.
لم تكن غائبة عنه قط؛ إذ سكن طيفها الآسر شغاف قلبه، وانطبعت ملامحها الفاتنة في أعمق أغوار روحه كأيقونة مقدَّسة من الجمال.
كانت صورتها تعصف بأحاسيسه، وتهزُّ وجدانه، وتغمر أنفاسه بالفرح العارم كلما لاحت في خاطره.
هكذا، كان سارحاً بطيفها العذب، عبر سكة الحديد دون أن يلتفت للوراء، ومضى يطوي الأرض نحو ملاذه الدافئ، باحثاً عن منزله ليتدثَّر داخل سكينة اللقاء الحالم.
فها هي أمُّه تستقبله بوجه بَشوش، تُمطره بعبارات الرضا والتوفيق، وتطلب منه وضع دراجته في فِناء البيت ليغتسل ويرتاح من عناء عملٍ مُضنٍ يستنزف الجهد، ثم التفتت إليه قائلة:
-“هجم الشتاء علينا مبكراً هذا العام يا ولدي، وما إن يرحل وتطلَّ تباشير الربيع، حتَّى نُحدِّد موعداً لزفافك على وفاء.”
غمرت “سبيعاً” نشوةٌ عارمةٌ حين سمع كلمات أمِّه. وجلس على بساط رقيق بانتظار وجبة الطعام، مستحضراً صورة وفاء؛ يتذكَّر قوامها الفارع، وعينيها السوداوين الضاحكتين، وبشرتها البيضاء، وقلبها الطيِّب.
في هذه اللحظة، قطعت الأمُّ خلوته بعدما تناهى إلى مسامعها صوته وهو يتنهَّد:
-“آه..! متى يأتي الربيع؟”.
فأجابته مبتسمةً: “نعم، متى يأتي ذلك اليوم الذي أراك فيه عريساً، وأرى أطفالك يمرحون حولي وينادونني: جدَّتي؟!”.
وضعت الطعام أمامه، وربتت على كتفه بحنان قائلة:
-“سنذهب غداً لزيارتها، لقد اشتريت لك سواراً جميلاً لتقدِّمه هديَّةً لها”.
هزّ رأسه موافقاً. وبعد أن تناول عشاءه، تمدّد فوق فراشه، يداعبه الفرح ويحلم باللحظة التي ستجمعه بها؛ حتى إنَّ عينيه أبتا أن تغمضا رغم غشاوة التعب والإرهاق البادية فيهما. وظلَّ على حاله تلك حتَّى بزوغ أوَّل خيط للفجر.. حين كانت السماء تكفّ عن زرقتها الصافية، لتكتسي برداءٍ رماديٍّ غائم وقاتم.
بدأت حبَّات المطر تسقط فوق رأس “سبيع” وهو يقود دراجته إلى مكان عمله. مرّ اليوم ثقيلاً ومُملَّاً، فقد عافت نفسه النشيطة العمل وشغفها الشوق لليلٍ يذهب فيه مع أمِّه لخطبة حبيبته وفاء.
ومع أوَّل جنوحٍ للظلام، قفل عائداً. كانت الشوارع خاويةً، والطبيعة تثور في ذلك اليوم الشتوي. وعند قطعه لسكَّة الحديد، تعثَّر فجأةً وهوى بين قضبانها. حاول النهوض، لكن الألم شلَّ حركته؛ لقد انكسرت ساقه وعلق في الفخِّ الممتدِّ تحت الشبح الأسود لليل.
تعالت صرخاته طلباً للنجدة دون مجيب، فالناس يلوذون ببيوتهم.
تضاعفَ المطرُ غزارةً، وتكسَّرت نيران البرق في السماء لترسم في نفسه شريطاً من الرعب والاقتراب من الموت، خاصَّةً حين دَوَّى من بعيد صوت قطار يقترب نحوه بثقة، ليبقى “سبيع” وحيداً يعتصر كمداً فوق ساقه المُسمَّرة في حديد السكَّة.
وما كان من ذلك الهيكل الحديدي إلا أن نفث الآهات الصدئة من رئتيه، وأطلق الزفرات الحارقة من حلقه الفولاذي، وغدا وجهه الشاحب المصفرّ -المضاء بكشافات باهتة- يدور في حلقة مفرغة من العويل والبكاء، متلاحماً مع سماء انفتقت قرحتها فأغدقت عليه بدموع سوداء مالحة. بلَّلته بحبَّاتها كأنَّها تغسله من خطيئة لم يرتكبها، دون أن يسمع صوته أحد. هذا الصوت المعدني المخنوق تكسَّر بين أنياب البروق، كأنَّه صدى لنادي القلوب المحطَّمة والأماني المبثورة. كيف لا؟ والقطار المجنون.. ذلك الطاغية الأعمى الذي سابق الرياح، قد غدا قريباً، يتنفَّس فوق عنق الفتى أكثر فأكثر. كان صوت صفيره لزجاً، أعلى من توسُّلات الشاب ورنَّات المطر؛ إنَّه جعجعة وحش كاسر يلوك الصمت.
وفي لحظة خاطفة، مدَّ القطار مخالبه الفولاذية وسرق قدم سبيع، مبتلعاً إياها دون رأفة، بينما أطلق الفتى صرخة شقّت جوف الليل:
-“آه يا أمِّي! ثم غاص في غيبوبة دمويَّة طويلة، نام فيها الكون كلُّه عن ألمه؛ لكنّ أمَّه، وفي الجانب الآخر من المدينة، أحسَّت بغريزتها الفطرية أنَّ حبلاً سرِّيَّاً قد قُطع، وأنَّ شرَّاً حاق بقلبها النابض في صدر ولدها. خرجت مساءً، وقلبها يخفق كطائر يرتطم بقفص صدري مكسور، كانت متوتِّرة هائجة كبحر أسود تتلاطم أمواجه في عتمة حالكة. انطلقت مسرعةً تستبق الخطا، تهيم على وجهها في شوارع ممسوخة، وتنظر في كلِّ الاتجاهات مناديةً بوجه غسله الهلع:
-“ولدي! ولدي الحبيب أين أنت؟”.
وما إن وجدته مكوَّماً على نفسه كجنين مجهض، والدم ينزف منه بغزارة ليسقي تراب السكَّة الحديديَّة، حتَّى صكَّت وجهها برعب هزَّ أركان الليل، وركضت باتجاهه تلملم شتاته، وتبكي قائلة:
-“سبيع! ماذا حصل لك يا ولدي يا فلذة كبدي؟ يا ناس أنقذوني.. أنقذوني أرجوكم!”.
أعادت النداء عدَّة مرَّات في اللحظة الواحدة، متوسِّلةً للعدم، وهي تذرف الدموع الغزار الممتزجة ببكاء المطر وعويل الرعد الذي بدا كأنَّه يضحك ساخراً من عجزها. وعندما لم يستجب لها سوى الصدى، ومضت في رأسها فكرة كشرارة ضوء وسط العاصفة؛ أن تذهب إلى والد وفاء وتستنجد به. فعلت ذلك، وانتزعت ولدها من مخالب الموت المحتوم، عندما حملته مع الرجل إلى المستشفى، حيث سهرت قربه طوال الليل، تغزل من رموشها غطاءً يدفئ جسده البارد.
ظلَّ مريضاً يلازم فراشه الدامع، سجيناً في شرنقة الوقت، لا يخرج ولا يتكلم ولا يرى أحداً، كأنًّ عينيه انطفأتا عن رؤية العالم. وأنَّى للفرحة أن تطرق بابه؟ إنَّها تلوح له دائماً كثمرة فجَّةٍ مسمومة لم تنضج بعد، وكأنَّه كائنٌ منبوذٌ خارج حدود البشر، لا يحقُّ له أن يفرح أو يضحك. لقد صدقت والدته عندما كانت تبثُّ شجونها قائلة: -“نحن الفقراء يا ولدي، أشقياء في حياتنا، لم نعتدِ الضحك أو الفرح.. قلوبنا دائماً مُجلَّلة بالحزن ومصبوغةً بالسواد كليالينا”.
حين شُفي جسده بعد دهر من المعاناة، بقيت روحه مشلولة. لم يلتفت لعمله، وإنَّما جلس يندب أحلامه الضائعة، ويبكي شظايا أمنياته المتناثرة على أرضيَّة تلك الغرفة التي سكنها صمت مطبق، كأنَّه صمت المقابر. كان يتساءل بمرارة:
-“هل ترضى به وفاء بعد هذا الحادث المرير الذي بتر جزءاً من رجولته وحياته؟ ولكن أنَّى له النسيان، فحبّها لم يكن شعوراً بل كان بستاناً مزهراً في كلِّ جسده، لقد خشي ابتعادها عنه فغدا عصبيَّ المزاج، يتأرجح على حافَّة الجنون.
كان يحبُّها حبَّاً يفوق قدرة قلبه المكسور على الاحتمال، وحياته بدونها لم تكن سوى ضرب من الموت الأبدي، مصلوباً على سكة حديد لا تنتهي.
وبينما كانت الأمُّ تسبح في بحيرة من العذاب السائل، تجمَّعت دقَّات الباب على شكل طيور غير مرئيَّة تنقر الخشب بيمينها. فتحت بسرعةٍ مذهلةٍ، فإذا بوالد وفاء يقف مُحاطاً بهالة من اللطف الملموس كغبار ذهبي معلَّق في الهواء، مستأذناً في العبور. رحَّبت به وقادته إلى غرفة “سبيع”، لعلَّ خطاه تطرد شبح الحزن الذي كان يعشِّش في زوايا السقف كمخلوق هلامي يقطر حبراً أسود. لكن، ما هذا؟ ذهل الوالد وتجمَّدت عيناه؛ لقد غادر الشاب جسده القديم، وذوت صحته حتَّى صار مجرَّد “خط مرسوم بالحبر” على السرير، خيالاً ثنائي الأبعاد لإنسان تبخَّرت ملامحه وظلُّه.
أدرك الوالد أنَّ مأساة الحبِّ قد أكلت لحمه، فجلس معه كمن يجالس طيفاً يتحدَّث بلغة الصمت، ثم انطلق عائداً إلى ابنته وفاء، يحمل في جيوبه تفاصيل هذا الذوبان.
قال لها بصوت يشبه خشخشة الأوراق الجافة:
-“إن خطيبك رجل قست عليه الظروف، لقد فقد قدمه التي سرقتها منه الطريق وهو يركض نحو عينيكِ.. فماذا تقولين؟”.
في تلك اللحظة، هربت الألوان حرفياً من وجه وفاء وتساقطت على السجادة كبقع طلاء سائبة، وارتعدت جوارحها كأغصان في عاصفة، وقالت: “أمهلني لغدٍ يا والدي”. ومضت مسرعة إلى حجرتها، بينما تحوَّلت دموعها إلى لآلئ صغيرة تتساقط وتتدحرج على الأرض مُحدثةً رنيناً موسيقياً حزيناً.
انزوت في ركن الغرفة، وكانت الخواطر تدور في رأسها كتروس ساعة مجنونة تنزف وقتاً.
في تلك الزاوية، كان هناك عكاز خشبيٌّ قديم يستند إلى الجدار، فجأة انشقَّ له فم في موضع المقبض، وتثاءب بخشونة قائلاً بصوت أجش كصرير الأبواب المنسيَّة:
-“أيتها الفتاة.. أحلامكِ كانت تصنع شاباً من نور وبنية مكتملة، فكيف تسير زهوركِ الآن بجانب ‘نصف جسد’ يستند إلى جسدي الأصم؟ سأكون أنا شريككِ الثالث في الفراش والممشى، ستحولكِ حركته البطيئة إلى عكازة آدميَّة أخرى، وربما يفرغ عجز ساقه التي التهمتها الطريق في عصبيَّة يديه، ليفرغ خشبي على عظامكِ ضرباً، محوِّلاً بيتكما إلى جحيم أسود يبتلع الضوء!”.
تراجعت وفاء للوراء، وأنفاس العكاز الخشبيَّة تلفح وجهها برائحة الغابات المحترقة. لكن فجأة، نبتت في وعيها فكرة أخرى تصدَّت لثرثرة الخشب: إنَّه إنسان شهم، والرجولة لا تقاس بالأطراف المفقودة. كيف ستنجو من مخالب ضميرها إن تركت خلفها قلباً ينبض لأجلها؟ إنَّ ساقه قد بترت، لكن زهور الحبِّ مازالت تنبت من شقوق عظام الصدر وتورق في أعماقه، ممتدَّةً لتخنق صوت العكاز الماكر وتجبره على الصمت.
مع هذه الفكرة، بدأت جدران الغرفة تضيق وتتسع كأنَّها رئتان عملاقتان تتنفَّسان معها، والسرير يتماوج كقارب في بحر من الرخام. استلقت، فامتدَّت خيوط النوم من زوايا الغرفة لتغزل لها غطاءً من الطمأنينة المنسوجة من خيوط الفجر.
وما إن تنفَّس صباح اليوم التالي وأشرقت الشمس من أصابع الأفق الخمسة التي مسحت العتمة عن وجه الأرض، حتى مشت إلى والدها، وكانت الابتسامة قد نبتت على وجهها كأوَّل زهرة ربيع شقَّت طريقها عبر الصخر، وأخبرته بموافقتها على امتزاج قدرها برفيق دربها.
2026/9/14

قراءة نقدية في قصة “العبور الأخير”.. بقلم الأديب والناقد اللبناني القدير الدكتور: عبد الكريم بعلبكي

في قصتها القصيرة “العبور الأخير”، تكتب نجاح الدروبي حكايةً إنسانية تتجاوز في دلالاتها حادثةً عابرة على سكة الحديد، لتتحوَّل إلى اختبار قاسٍ للحبِّ والكرامة والوفاء، ولصورة الإنسان حين تضعه الحياة أمام محنة تهزّ جسده وروحه معاً. ومنذ المشهد الأول، لا يظهر القطار بوصفه وسيلة نقل فحسب، بل يتحوَّل إلى قوة ضاغطة، تتصاعد حركتها من الهدوء إلى العنف، بالتوازي مع انتقال الحكاية من فضاء الحلم إلى فضاء المأساة.

وتبني الكاتبة عالمها السردي على تداخل واضح بين المكان والحالة النفسية للشخصيات؛ فالشمس، والسحب، والمطر، والبرق، والليل، والقطار، لا تؤدِّي وظائف وصفية محضة، بل تتحوَّل إلى عناصر فاعلة في تشكيل المناخ النفسي للحكاية. فالطبيعة العاصفة تصبح امتداداً لخوف “سبيع”، فيما يتحوَّل القطار إلى قوة عمياء تسحق الحلم الذي كان الفتى يقترب منه خطوةً بعد أخرى.

ويأتي “سبيع” مركزاً إنسانياً للحكاية؛ شاب فقير لا يطلب من الحياة سوى بيت وحبيبة ومستقبل بسيط. وهنا تتشكَّل المفارقة الأساسية: كلما اقترب من حلمه، اقتربت منه الكارثة. فالعبور اليومي لسكة الحديد يتحوَّل إلى عبور مصيري يفصل بين حياتين؛ حياة كان يرسم فيها ملامح المستقبل، وحياة جديدة يجد نفسه فيها فاقداً جزءاً من جسده، ومطارداً بسؤال أكثر قسوة من الحادث نفسه: هل يبقى الحبُّ حين يتغيَّر الجسد؟

ومن أبرز مواطن القوة في البناء السردي أن المأساة لا تتوقَّف عند بتر قدم “سبيع”، بل تمتدُّ إلى داخله. فالجسد يشفى تدريجياً، بينما تبقى الروح أسيرة الصدمة والخوف وفقدان الثقة بالنفس. وهنا تنجح القصة في الانتقال من الحادثة الخارجية إلى المأساة النفسية، إذ يصبح الجرح الحقيقي أعمق من الإصابة الجسدية، ويتحوَّل خوف “سبيع” من رفض “وفاء” إلى صراع مع صورته الجديدة عن ذاته.

أما “وفاء”، فتظهر في القسم الأخير بوصفها الشخصية التي يُلقى على عاتقها الاختبار الأخلاقي الأشد. فالكاتبة لا تقدِّم قرارها مباشرةً، بل تضعها أمام صراع داخلي بين الخوف من مستقبل مجهول، وبين الوفاء لإنسان أحبَّها ولم تتغيَّر مشاعره رغم تغيُّر جسده. ومن هنا يأتي توظيف “العكاز” بوصفه عنصراً سردياً لافتاً؛ إذ تمنحه الكاتبة صوتاً وشخصيةً، فيتحوَّل من أداة مساعدة إلى رمز للخوف والوسوسة والتصورات الاجتماعية التي قد تختزل الإنسان في قدرته الجسدية.

وفي المقابل، يأتي صوت الضمير ليقاوم هذه النظرة، مؤكدًا أن الرجولة والإنسانية لا تُقاسان باكتمال الأطراف، وأن قيمة الإنسان لا تتحدد بما فقده من جسده، بل بما بقي فيه من حب وكرامة وشهامة. وهنا تتسع دلالة القصة من علاقة عاطفية إلى سؤال اجتماعي وإنساني يتصل بنظرة المجتمع إلى ذوي الإعاقة، وبمدى قدرة الحب على تجاوز الصورة الخارجية للإنسان.

وتحتل الأم موقعاً عاطفياً أساسياً في الحكاية؛ فهي ليست مجرد شخصية مساندة، بل تُمثِّل الحنان والحماية والارتباط الغريزي بالابن. ومن خلال حضورها، تضيف الكاتبة بعداً إنسانياً مؤثراً، خصوصاً في لحظة شعورها بالخطر قبل أن تعرف ما حدث، ثم اندفاعها لإنقاذ ولدها. كذلك يؤدِّي والد “وفاء” دور الوسيط الذي ينقل مأساة “سبيع” إلى ابنته، ويفتح أمامها مساحة القرار.

وعلى المستوى الأسلوبي، تعتمد الدروبي على تكثيف التشكيلات التصويرية والتشخيص والاستعارة، فتمنح عناصر الطبيعة والمكان حضوراً شبه حي؛ فالقطار يبدو ككائن غاضب، والسماء تشارك في البكاء، والجدران تتنفَّس، والدموع تتحوَّل إلى لآلئ، فيما يتحوَّل العكاز إلى شخصية تتحدَّث وتجادل وتضغط على وعي “وفاء”. وتمنح هذه المعالجة السردَ طاقةً بصرية واضحة، وتجعل المشهد أقرب إلى فضاء متحرِّك تتفاعل فيه الأشياء مع الشخصيات، وإن كانت كثافة التشكيلات التصويرية تتجاوز أحياناً حاجة بعض المقاطع السردية، فتطيل المشهد وتدفع اللغة نحو الشعرية على حساب الاقتصاد الذي تتطلَّبه القصة القصيرة.

أما عنوان “العبور الأخير”، فيحمل دلالة تتجاوز الحدث المباشر؛ فالعبور الأول هو عبور “سبيع” لسكة الحديد، بينما العبور الأعمق هو انتقاله من حياة إلى أخرى، ومن صورة للذات إلى صورة جديدة فرضتها الإصابة، وكذلك انتقال “وفاء” من الحبِّ المرتبط بالصورة والكمال الجسدي إلى معنى أكثر نضجاً وإنسانيةً للحبِّ.

وهكذا تصبح سكة الحديد في القصة خطاً فاصلاً بين عالمين: ما قبل الحادث وما بعده، بين الحلم والاختبار، وبين الإنسان كما نتصوره والإنسان كما تكشفه المحنة.
ومن هنا تنجح نجاح الدروبي في تحويل حادثة مأساوية إلى مساحة للتأمُّل في الحبِّ والفقر والجسد والكرامة، وتمنح نهايتها ضوءاً يستعيد معنى الربيع بعد شتاء طويل من الألم.

“العبور الأخير” قصَّة تحمل حسَّاً إنسانيَّاً واضحاً، وتكشف عن قدرة الكاتبة على بناء مشهد سردي مشحون بالعاطفة، وتوظيف المكان والطبيعة والأشياء في خدمة الصراع الداخلي للشخصيات، لتصل في خاتمتها إلى فكرة بسيطة وعميقة: قد يفقد الإنسان جزءاً من جسده، لكنه لا يفقد حقَّه في الحبِّ، ولا قيمته كإنسان.

بقلم الأديب والناقد المبدع:
الدكتور عبد الكريم بعلبكي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى