
عندما اجتمع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 1991، بدا أن حقبة من الهيمنة الأميركية التي لا ينازعها أحد في الشرق الأوسط توشك أن تبدأ. كان البنتاغون قد خاض لتوه حرباً سريعة، بمشاركة عدد كبير من الحلفاء، لطرد القوات العراقية المحتلة من الكويت. وكان الدبلوماسيون الأميركيون يستعدون لاستضافة مؤتمر مدريد، أول محادثات مباشرة بين إسرائيل ومجموعة من جيرانها العرب. ومع اقتراب الاتحاد السوفييتي من نهايته، بدت أميركا مستعدة لتشكيل نظام جديد في منطقة مضطربة.
لكن ما أعقب ذلك كان، بدلاً من ذلك، 35 عاماً من الفوضى، إذ انتقلت أميركا من حماقة عسكرية إلى أخرى. أما أحدثها، وهو صراع دونالد ترامب مع إيران، فكان يفترض أن ينتهي خلال أيام، لكنه يدخل الآن شهره الثامن. وقد فرض تكاليف هائلة على أقرب حلفائه العرب، وعلى بقية العالم. وبالنسبة إلى كبار الشخصيات المجتمعين في الأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع، لا تبدو أميركا حلاً لمشكلات الشرق الأوسط بقدر ما تبدو مصدراً لها.
وستكون هذه إحدى النتائج الدائمة للحرب، أياً يكن موعد انتهائها أو الطريقة التي ستنتهي بها. فرغم أن أميركا لن تغادر الشرق الأوسط، فإنها ستضطر إلى التراجع عن دورها بوصفها القوة المهيمنة فيه. فقد حلفاؤها الثقة، وأُنهك ناخبوها، وسيضطر مخططوها الاستراتيجيون إلى مواجهة أزمات متنامية في أماكن أخرى. ولا يبدو أن أحداً مستعد لشغل مكانها، وأقلهم استعداداً الدول العربية. وسيجعل ذلك المرحلة المقبلة فوضوية، وإن كان انتهاء الحقبة الأميركية قد لا يكون أمراً سيئاً على المدى الطويل.
أما الآن، فالهدف ببساطة هو الوصول إلى نهاية الحرب. فقد أجرت أميركا وإيران ثلاث ساعات من المحادثات غير المباشرة في الأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول، تولى خلالها مبعوثون قطريون نقل الرسائل بين الجانبين. وكانت تلك أول محادثات من نوعها منذ يونيو/حزيران. ووصفها ترامب بأنها «مثمرة للغاية». لكنه، في الوقت نفسه، كرر في خطابه أمام الجمعية العامة تهديده بـ«إبادة» إيران.
وفي الجلسات الخاصة، كان الدبلوماسيون أقل حماسة في وصف المحادثات. فقد أتاحت للطرفين فرصة لإعادة تأكيد مواقفهما، لكن الصيغة لم تكن ملائمة لتحقيق اختراق، كما أن المواقف لا تزال متباعدة للغاية. تريد إيران أن تعود أميركا إلى «مذكرة التفاهم»، وهي الاتفاقية قصيرة العمر التي وُقعت في يونيو/حزيران. أما ترامب فيفضل إلغاء مذكرة التفاهم، التي لم يكن مقرراً أصلاً أن تكون سوى اتفاق مؤقت لمدة 60 يوماً، والتفاوض على اتفاق جديد.
والتقى الرئيس الأميركي أيضاً مسؤولين من دول الخليج، إلى جانب تركيا وأربع دول عربية أخرى. ومرة أخرى، جاءت الرسائل متناقضة: تحدث عن وجود «زخم كبير» نحو التوصل إلى اتفاق، لكنه حذر أيضاً من أنه قد يقصف موقعاً نووياً في إيران. وفي الوقت نفسه، يواصل الطرفان حربهما الاقتصادية. فقد هاجمت إيران ما لا يقل عن خمس ناقلات في مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي. وفي 23 سبتمبر/أيلول، فرضت أميركا عقوبات تستهدف الشركات الأجنبية التي تزود الطائرات الإيرانية بالوقود أو تقدم لها خدمات، وهو ما سيمنع، عملياً، شركات الطيران الإيرانية من السفر إلى معظم الوجهات في الخارج.
وبينما تطول الحرب في إيران، تصاعدت الحرب في اليمن. ففي هذا الشهر، تخلى الحوثيون، وهم جماعة متمردة مدعومة من إيران، عن وقف إطلاق النار الذي أُبرم عام 2022 مع خصومهم المدعومين من السعودية. واستولوا على جزء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن. ومنحهم ذلك قبضة أقوى على باب المندب، الممر المائي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، حيث كانوا يسعون بالفعل إلى فرض حصار على السفن السعودية.
كما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية نفسها. ففي 15 سبتمبر/أيلول قالت المملكة إنها اعترضت طائرة مسيرة قرب مكة، أقدس مدن الإسلام. وبعد أربعة أيام، أصاب صاروخ حوثي خزان وقود في مطار الرياض، في أول هجوم لهم على العاصمة السعودية منذ سنوات. وبشكل منفصل، ضربت ميليشيات عراقية أهم خط أنابيب نفطي في المملكة، وأخرجته من الخدمة لأكثر من أسبوع، قبل أن يستأنف عملياته في 22 سبتمبر/أيلول.
ومع ذلك، لم يدفع أي من هذا أسعار النفط إلى مستويات كارثية، وهي الأداة الرئيسية التي تأمل إيران استخدامها للضغط على ترامب من أجل التوصل إلى اتفاق. فقد ارتفع سعر خام برنت إلى 109 دولارات للبرميل بعد الهجوم الحوثي وضرب خط الأنابيب، ثم تراجع. وكان عند نحو 102 دولار وقت نشر «الإيكونوميست». وهذا الرقم، بالطبع، لا يروي القصة كاملة: فأسواق الطاقة الأوسع تمر بظروف صعبة. وقد تجاوز سعر خام برنت «المؤرخ»، للتسليم بعد بضعة أسابيع، 130 دولاراً للبرميل هذا الشهر. كما أصبحت المنتجات المكررة شحيحة، وبلغ متوسط سعر الديزل في أميركا الآن 6.52 دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. لكن ترامب لا يزال متمسكاً بموقفه، رغم أن أسعار الوقود تهدد حزبه الجمهوري بهزيمة ثقيلة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني.
أمل ترامب يتغلب على التجربة
من جانبها، لا تزال أميركا تأمل أن يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى الاستسلام. فالحصار المفروض منذ شهرين على الملاحة الإيرانية يتسبب في فوضى. ومع تعطل الموانئ، تواجه إيران صعوبة في تحويل تجارتها إلى الطرق البرية: مئات الشاحنات عالقة في طوابير تستمر أياماً على الحدود. والريال يسجل أدنى مستوى قياسي تلو الآخر. والتضخم يقترب من خانة الأرقام الثلاثية. كما أن وقف رحلات شركات الطيران الإيرانية سيعطل سلاسل إمداد الأدوية في البلاد.
وقد أقر مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، بعمق الأزمة. ويتذمر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، من المتشددين الذين يرفضون الدبلوماسية. لكن النظام، مثل ترامب، مستعد لتحمل مزيد من الألم. ولا يستطيع أي من الطرفين حسم الحرب بصورة قاطعة لمصلحته.
والرأي السائد في واشنطن وطهران والخليج هو أن الحرب ستستمر حتى نهاية العام. وقد أبلغ محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الأميركيين بألا يتعجلوا العودة إلى مذكرة التفاهم. فهو يفضل أن يواصلوا الحصار ويسعوا إلى اتفاق جديد. وتشترك معظم دول الخليج في هذا الرأي، باستثناء قطر وعُمان. كما أن إيران ليست في عجلة من أمرها لإبرام اتفاق قد يخفض أسعار النفط ويمنح ترامب دفعة قبل انتخابات التجديد النصفي. أما محللو بنك جيه بي مورغان تشيس فقد تخلوا عن محاولة توقع ما سيحدث تالياً. وكتبوا في 17 سبتمبر/أيلول: «ببساطة، لا نعرف كيف نصوغ نموذجاً لنهاية اللعبة».
وليست هذه المرة الأولى التي تتعثر فيها أميركا في مستنقع شرق أوسطي. فقد جربت خلال العقود الماضية تقريباً كل أشكال التدخل العسكري في المنطقة. أرسلت قوة برية هائلة لإسقاط ديكتاتور في العراق، واستخدمت القوة الجوية لإسقاط آخر في ليبيا، وسلحت المتمردين السوريين، ودعمت تحالفاً بقيادة السعودية دخل الحرب في اليمن عام 2015.
نجحت بعض هذه التدخلات في تغيير الأنظمة، لكنها تركت الفوضى وراءها. وفشل بعضها الآخر تماماً. ولم يؤد أي منها إلى نتيجة مفيدة للمصالح الأميركية. ومع ذلك، ظلت التداعيات محدودة. كان إسقاط صدام حسين كارثة بالنسبة إلى العراقيين الذين غرقوا في سنوات من سفك الدماء الطائفي. وبإزالة الخصم الإقليمي الرئيسي لإيران، أتاح ذلك للجمهورية الإسلامية توسيع نفوذها في سوريا ولبنان. لكنه لم يؤثر فوراً بدرجة كبيرة على أقرب حلفاء أميركا في المنطقة.
أما هذه الحرب فكانت مختلفة. خارج إيران، وقعت أشد العواقب على حلفاء أميركا الخليجيين. ومن المتوقع أن تنكمش اقتصادات معظمهم في 2026. وقد خسروا مئات المليارات من الدولارات نتيجة مبيعات النفط والغاز التي لم تتحقق، واختفاء إيرادات السياحة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. وكانوا يأملون أن تسمح لهم مذكرة التفاهم بالعودة إلى ممارسة أعمالهم بصورة طبيعية في الربع الأخير من العام. وبدلاً من ذلك، يناقشون بهدوء ما إذا كان عليهم تأجيل فعاليات كبرى مرة أخرى، من مؤتمرات التكنولوجيا إلى سباقات الفورمولا واحد.
وخارج الخليج أيضاً، تسببت الحرب في صدمة طاقة شعر بها العالم بأسره. كما أنها حرب غير شعبية على نحو استثنائي بين الأميركيين. فقد استغرق الأمر أربع سنوات حتى قال 60% منهم إن غزو العراق كان خطأ. أما حرب ترامب في إيران فقد وصلت إلى هذه النسبة في أقل من شهرين.
وستقيد كل هذه العوامل الدور الأميركي المستقبلي في المنطقة. ولنبدأ بحلفائها. فقد كانت بينهم خلافات حادة من قبل: حث السعوديون جورج دبليو بوش على عدم غزو العراق عام 2003، وشعرت دول الخليج بالقلق عندما حث باراك أوباما حسني مبارك، الديكتاتور المصري طويل العهد، على التنحي عام 2011، ولا شك أن مبارك نفسه شعر بالقلق أيضاً. وربما دفعتهم هذه الخلافات إلى التشكيك في حُسن تقدير أميركا، لكن التزامها وقدراتها لم يكونا موضع شك قط.
درجة أفتح من الخط الأحمر
ثم جاءت سوريا. عندما لم ينفذ أوباما «خطه الأحمر» ضد استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية عام 2013، بدت أميركا مترددة؛ وعندما فشلت في النهاية في إسقاط الديكتاتور السوري، بدت ضعيفة. وتزايدت الشكوك أكثر بعد سلسلة من الهجمات المدعومة من إيران ضد دول الخليج — هجوم على منشآت نفطية سعودية عام 2019، وهجوم قاتل بطائرة مسيرة في أبوظبي عام 2022 — لم تستدعِ رداً يذكر. ثم حطم ترامب ما تبقى من الثقة عندما بدأ حرب الخليج نفسها التي سعت أميركا طويلاً إلى ردعها.
ولا أحد في الخليج مستعد لمناقشة مستقبل القواعد الأميركية في المنطقة علناً. يقول أحد الدبلوماسيين: «هذا بالتأكيد ليس الوقت المناسب لمثل هذا النقاش». فالحديث عن إغلاق بعض القواعد، التي تعرض كثير منها لضربات إيرانية خلال الحرب، أو حتى تقليصها، سيجعل أميركا تبدو وكأنها تتخلى عن حلفائها في لحظة الخطر. لكن من المرجح أن تدفع الحرب أميركا بعيداً عن نموذج المنشآت الكبيرة والدائمة.
فقاعدتها البحرية في البحرين، على سبيل المثال، كانت من المواقع النادرة «المصحوبة بالعائلات» في الشرق الأوسط، حيث كان بإمكان العسكريين اصطحاب أسرهم. ومن غير المرجح أن تعود إلى حجمها السابق، عندما كانت تضم نحو عشرة آلاف شخص. وقبل الحرب، كانت قطر مستعدة لإنفاق عشرة مليارات دولار لتحديث قاعدة العديد خارج الدوحة، التي تستضيف المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية. ولا تزال مستعدة لاستثمار المبلغ؛ لكن ليس واضحاً ما إذا كان الأميركيون يريدون ذلك.
ويقول مسؤولون في عدة دول إنهم يأملون في التفاوض على قواعد جديدة بشأن كيفية استخدام تلك القواعد. وقد بدأوا بالفعل فرض قيود موقتة؛ ففي مايو/أيار أحبطت السعودية محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز عندما منعت الطائرات الحربية الأميركية من استخدام مجالها الجوي. وفي أماكن أخرى من المنطقة، بدأت أميركا بالفعل طريق الخروج. فقد أكملت انسحابها من قواعدها في سوريا هذا الربيع، ومن المقرر إخلاء قواعدها في العراق بنهاية سبتمبر/أيلول، علماً بأن الخطتين سبقتا الحرب.
وسيكون لأعدائها رأي أيضاً. تخيل السيناريو الأسوأ: تؤدي حرب ترامب مع إيران إلى نظام مسلح نووياً وقادر على ممارسة حق النقض فعلياً على حركة المرور في هرمز. عندئذ ستواجه أميركا صعوبة في الإبقاء على قواعدها في دول الخليج الساحلية. وفي الطرف الآخر تماماً، إذا سقط النظام الإيراني، فستتراجع الحاجة إلى تلك القواعد: فالشرق الأوسط من دون الجمهورية الإسلامية سيكون أقل عداء بكثير للمصالح الأميركية.
ومهما كانت نهاية الحرب، فلن تكون إيران التهديد الوحيد الذي تواجهه أميركا. فقد تزامنت حقبة تدخلها الأقصى في الشرق الأوسط مع فترة من الهدوء النسبي في أماكن أخرى. كانت أوروبا في معظمها تعيش في سلام؛ وكانت الصين قوة صاعدة، لكنها لم تكن قد بلغت بعد مستوى يسمح لها بتحدي أميركا في المحيط الهادئ. وأصبح «التحول نحو آسيا»، الذي اقترحه أوباما أول مرة، نكتة متكررة في واشنطن: فكل تحول كان دورة كاملة بمقدار 360 درجة.
لكن العالم يبدو اليوم أكثر خطورة بكثير. ولا يستطيع البنتاغون تحمل ربط خُمس حاملات طائراته بالخليج أو استنزاف مئات الصواريخ الاعتراضية والموجهة النادرة في قتال إيران.
وستفرض السياسة الداخلية قيداً إضافياً. فمنذ أن صعّد ليندون جونسون دور أميركا في فيتنام، لم يسبق لرئيس أن أفسد ولايته إلى هذا الحد بسبب حرب خارجية.
وسيدون خلفاء ترامب المحتملون هذه الملاحظة. فجيه دي فانس، المرشح الأوفر حظاً على الأرجح لنيل ترشيح الجمهوريين، متشكك علناً في حروب الشرق الأوسط. وكذلك عدد من خصومه الديمقراطيين المحتملين. أضف إلى ذلك تدهور نظرة الأميركيين إلى إسرائيل: فقد وجد استطلاع لمركز بيو في مايو/أيار أن 62% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بزيادة 19 نقطة عن عام 2022.
والإجماع المؤيد لإسرائيل الذي ساعد في تشكيل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يتلاشى.
لكن تقليص الالتزام ليس انسحاباً. ستظل لأميركا مصالح في الشرق الأوسط. ومكافحة الإرهاب موضوع نادر يمكن للجميع الاتفاق عليه: فعندما هدد تنظيم الدولة الإسلامية بلاد الشام، وجدت أميركا وإيران نفسيهما تقاتلان في الجانب نفسه. وحتى أميركا الأقل انخراطاً قد تواصل شن هجمات على القاعدة وجماعات أخرى. وستواصل بيع الأسلحة للحلفاء، والتفاوض على الاتفاقيات التجارية، ورعاية محادثات السلام. ومن المرجح أن تستمر المساعدات العسكرية لإسرائيل سنوات، رغم أن بعض استطلاعات الرأي تظهر أن نسبة أكبر من الأميركيين تعارضها.
ما سيتغير هو فكرة أميركا باعتبارها الضامن الأمني للمنطقة وحلال مشكلاتها — أي فكرة «أننا نتصل بواشنطن كلما واجهتنا مشكلة»، كما يقول مسؤول خليجي. وتقدم الأحداث الأخيرة في اليمن لمحة عما يعنيه ذلك.
فترامب لم يرفض فقط طلبات متعددة من الأمير محمد لشن غارات جوية في اليمن، بل أجرى ممثلوه أيضاً محادثات في عُمان مع مبعوثين حوثيين، تعهدوا خلالها الالتزام بوقف إطلاق النار لعام 2025 والامتناع عن مهاجمة السفن الأميركية في البحر الأحمر. وربما تكون هذه الأخيرة لمسة ترامبية بامتياز؛ فمن الصعب تصور رؤساء آخرين يبرمون اتفاقات جانبية مع إرهابيين مصنفين رسمياً. لكن التردد في الانخراط سيستمر بعد ترامب.
ولا يستطيع أحد من خارج المنطقة ملء الفراغ. أوروبا أضعف من أن تفعل ذلك. وعندما طلبت السعودية مساعدة بريطانيا، عرضت الأخيرة طائرة واحدة للتزود بالوقود جواً. أما روسيا فلا تملك الوسائل — فهي غارقة في أوكرانيا — ولا الإرادة؛ إذ عرضت المساعدة على الحوثيين، إلى حد كبير نكاية بأميركا. وهي ترى نفسها مستفيدة من الاضطرابات الإقليمية، لا مرشحة لإنهائها. أما الصين فلا تملك خبرة حديثة في تنفيذ عمليات عسكرية جادة خارج حدودها.
وهذا يترك دول المنطقة نفسها، وأقواها دولها الثلاث غير العربية. تمتلك إيران صواريخها ووكلاءها، بينما تمتلك إسرائيل الجيش الأكثر قدرة في الشرق الأوسط. وهما، بمعنى ما، صورتان متقابلتان في المرآة: قويتان بما يكفي لتعطيل نظام إقليمي، لكن ليس لبناء واحد.
والثالثة هي تركيا، القوة العسكرية والدبلوماسية التي تتنامى أيضاً بوصفها مصدراً للسلاح. وقد تدخلت بصورة حاسمة في صراعات سابقة. فالمتمردون الذين أطاحوا الأسد في نهاية المطاف أمضوا سنوات تحت الحماية التركية؛ كما صدت القوات التركية أمير حرب حاول الاستيلاء على العاصمة الليبية عام 2019. لكن إيران وإسرائيل وكثيراً من الدول العربية تنظر إلى الأتراك بريبة.
وعلى المدى القصير، من المرجح أن تنقسم المنطقة إلى كتل، مع اصطفاف الدول العربية إلى جانب قوى غير عربية.
أما الاستقرار طويل الأجل فسيتطلب منها أداء دور أكبر. ولكي تفعل ذلك، ستحتاج إلى جيوش أفضل، وتحالفات أقوى، وإلى ذلك الشيء الأكثر استعصاءً: التعاون.
وهناك بعض المؤشرات المبكرة إلى إدراكها الحاجة إلى التغيير، على الأقل في دول الخليج المستقرة والغنية. خذ جيوشها مثلاً. فقد أمضت دول الخليج عقوداً في شراء معدات عسكرية أميركية باهظة الثمن. ولم يكن كل ما اشترته مفيداً في الحروب التي وجدت نفسها تخوضها في النهاية.
ومع تغير قوائم مشترياتها، ستبحث عن موردين جدد. فقد أظهرت إيران قيمة امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية. ولا تستطيع السعودية شراء هذه الصواريخ من أميركا، لكنها حصلت بالفعل على صواريخ من الصين، وربما استخدمتها ضد الحوثيين هذا الشهر.
وفي العالم العربي، الجميع تقريباً حريص على شراء الطائرات المسيرة من تركيا، وهي من كبار منتجيها. وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت الإمارات اتفاقاً لعشر سنوات لشراء مسيرات أوكرانية. ويتضمن الاتفاق بنداً للإنتاج المشترك: ستُبنى مصانع جديدة لتصنيعها. ويتوافق ذلك مع توجه متزايد في الإمارات وغيرها نحو إنتاج الأسلحة محلياً.
كما تبحث هذه الدول عن حلفاء جدد. فمنذ يوليو/تموز، أعلنت السعودية اتفاقاً للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، وتحالفاً بحرياً لتأمين البحر الأحمر يضم أكثر من اثنتي عشرة دولة.
وهذه الاتفاقات العسكرية، في شكلها الحالي، غامضة وطموحة أكثر منها عملية. فالتحالف البحري يضم بنغلاديش، التي تبعد خمسة آلاف كيلومتر ولا تمتلك قوة بحرية كبيرة قادرة على العمل في المياه البعيدة. لكنها تكشف اتجاه الحركة. وستظهر مزيد من هذه التحالفات المؤقتة. وسيكون بعضها قصير العمر، وربما يستمر بعضها الآخر.
أن نسعى، وأن نبحث، وأن نجد
والأهم من كل ذلك أن الدول العربية ستحتاج إلى الاتفاق على شكل المنطقة التي تريدها. قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان من الشائع سماع مسؤولين خليجيين يتحدثون عن «شرق أوسط جديد»، يركز على كسب المال أكثر من خوض الحروب. كانت فكرة جميلة، لكنها غير واقعية في منطقة تعج بصراعات مستعصية وحكومات عاجزة. واليوم لا تستطيع السعودية والإمارات حتى العمل معاً في اليمن، رغم أن الحوثيين يمثلون خطراً على كليهما. ولم تتحول الجامعة العربية ولا مجلس التعاون الخليجي، وهو نادٍ يضم ست ممالك نفطية، إلى مؤسسات ذات فاعلية.
وكانت مثل هذه النواقص نتيجة حتمية للحقبة الأميركية في الشرق الأوسط. فأميركا وحلفاؤها الإقليميون لم يشتركوا قط في أجندة سامية. لم يكن هناك مشروع ليبرالي ديمقراطي يربطهم معاً، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
كما لم تعمل أميركا على تعزيز النمو الاقتصادي بالطريقة التي فعلتها في آسيا. كل ما أرادته كان ببساطة استمرار تدفق النفط، وحماية إسرائيل، والحفاظ على قواعدها، ثم أضافت لاحقاً سحق الجهاديين إلى القائمة. ولم يتطلب أي من هذه الأهداف أن تكون الدول العربية مقتدرة أو مزدهرة؛ بل إن بعضها كان أسهل تحقيقاً إذا لم تكن كذلك.
وكان ذلك مناسباً لحلفائها الذين كان شاغلهم الرئيسي الحفاظ على أنظمتهم.
وقد حققت أميركا كل هذه الأهداف — لفترة من الزمن. لكن قواعدها اليوم تعرضت للضرب، وناقلات النفط التابعة لها تتعرض للهجمات، وأقرب حلفائها، إسرائيل، في حالة حرب منذ ثلاث سنوات. وحتى لو لم يكن ترامب قد حطم هذا النظام بتهور، فإن ما بنته أميركا خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية لم يكن متيناً على الإطلاق: فقد كان عدد كبير جداً من دول المنطقة ضعيفاً أو منقسماً أو فاشلاً.
والآن، من دون الضامن القديم الذي اعتادت هذه الدول الاتكاء عليه، ربما تجد نفسها مضطرة أخيراً إلى بناء شيء أفضل بنفسها.