كتاب وشعراء

قراءة انطباعية في قصيدة: “تشظّي السنبلة” للشاعر العراقي المبدع سامي الكناني.. بقلم الأديبة نجاح الدروبي

تشظِّي السنبلة
شعر: سامي الكناني

يفتِّشُ الخافق المفتون عن أثرٍ
لمن تجذّرَ دهراً بين أوردتي

لمن له في الحشا عرش ومنزلة
وأنَّ معناه منحوتٌ على رئتي

وما وجدت له درباً لأسلكه
حتى تعبت ولاك القهر أزمنتي

وكم تقمَّصَ ثغري نهر أسئلة
وما استشفّ دمي معنًى لأسئلتي

مازالَ في خافقي نبضُ الغرامِ فتي
ومايزالُ الهوى يحتلُّ أقبيتي

وفي جفوني طيوفُ العشقِ لاهثة
و دغدغت دفقةُ الأشواقِ أخيلتي

ولي بمحفلِ أمسي طعمُ أغنيةٍ
كانت تثيرُ الشجى في ضلعِ أمنيتي

وفي المرايا أرى روحي معلقةً
على صليبِ النوى ترنو لمعجزة

أخفي خساراتِ قلبي بينَ أجنحتي
ويظهرُ الوجدُ ما أخفتهُ فلسفتي

تغرّبَ الكونُ في عينيَّ مذ أفلتْ
أجنّةُ الضوءِ في آفاقِ بوصلتي

وما استفاق دمي من بعدِ غربتِه
وكبّرتْ لوعةُ الأحزانِ في شفتي

حتى تشظيتُ فوقَ الرملِ سنبلةً
فأنكرَتْ ضفّةُ الأنهارِ أرغفتي

القراءة الانطباعية
قصيدة عالية المستوى تندرج تحت شعر الوجدانيات الرومانسية الحديثة، المجدِّدة في الصورة والمجاز مع الحفاظ على أصالة شعر ذي الشطرين..

البناء اللغوي
تمتاز قصيدة الشاعر العراقي سامي الكناني بلغة فصيحة.. جزلة، وتتدفَّق أبياتها بجرعة كبيرة من العاطفة النابضة حدَّ الخفقان مثل: ( الحشا، الوجد، تشظَّيت)، وهي مفردات أصيلة تمَّ توظيفها بروح معاصرة تلائم التجربة العاطفية.

التشخيص والاستعارة التخييلية:

أغنى الشاعر “سامي الكناني” قصيدته بالصور البيانية الإبداعية المجسِّدة للمعاني والمشاعر في أعضاءالجسد “كالثغر والرئة والفم” مثل: “على رئتي، تقمّص ثغري نهر أسئلة”
أما الصور الرامزة للاغتراب والخيبة التامة فأبرزها تلك الواردة في الخاتمة:
” تشظيت فوق الرمل سنبلةً فأنكرت ضفَّة الأنهار أوردتي”

الموسيقى والإيقاع
ترجع أوزان القصيدة إلى البحر البسيط وهو بحر طويل قابل للتعبير عن الفراق، ضمن مساحة من التأمُّل والتفكير، مع المحافظة على قافية وروي التاء المكسورة المتصلة بياء المتكلم، ما أعطى الأبيات نغمة حزينة شجيَّة نابضة بالصدق ولوعة النوى مثل: “رئتي، أزمنتي، أوردتي”.

الوحدة العضوية المتماسكة:

تحافظ القصيدة على روح المعاني ذاتها من أول القصيدة عندما تحدّث الشاعر بتميُّز كبير عن الأثر، ثم الألم الإنساني، وصولاً إلى الاغتراب والتشظِّي في قوالب جمالية مبتكرة وأدوات ناضجة ظهرت في صياغة الاستعارات المكنية والتشبيهات الجديدة المجسِّدة للمشاعر الوجدانية وكأنها كائنات حيَّة:
-(لمن تجذَّر دهراً بين أوردتي)، وفيها تشبيه المحبوبة بنبات متجذِّر في تربة الأوردة، للدلالة على عمق الارتباط
-(لاكَ القهر أزمنتي) استعارة مكنية؛ إذ شبَّه القهر بإنسان يلوك ويمضغ، وشبه الأزمنة بالطعام
كذلك: (تقمَّص ثغري نهر أسئلة، ما استشف دمي معنى، الهوى يحتلُّ أقبيتي)، وغيرها من الصور المكنية المؤنسنة الدالة على المشاعر الداخلية وانطفاء الأمل.
كما وظَّف الشاعر المحسنات البديعية بعفوية تخدم المعنى الداخلي والموسيقي كالطباق والجناس والتكرار والجمع بين أمر وما يناسبه مثل: “أوردتي، رئتي، دمي، ضلعي” ليؤكِّد على مدى استهلاك المعاناة لكيانه الجسدي والنفسي، كذلك استخدم مفردات تنتمي للطبيعة والزراعة لرسم خطوط الخيبة والجفاف.
من هنا نقرأ غنى القصيدة بالرموز المتماهية مع الجسد والوجدان ومدى خفقانها بعاطفة صادقة، وهذا ما منحها أبعاداً نفسية عاكسة للصراع الداخلي المرير بين الحبِّ والغياب والوجود والفناء مثل: “الحشا، الخافق، الدم، الأوردة، الهواء”، التي تُماهي بين المحبوبة والحياة، بحيث يُصاب الشاعر بالاختناق والموت في حال غيابها، لأنها احتلَّت أعمق نقاط لا وعيه لذلك يعاني من الانشطار والتعذيب الذاتي: (المرايا صليب النوى)، وهي ذروة الشعور بالاضطهاد العاطفي وفقدان التوازن والوقوف على حافة الموت بانتظار معجزة الخلاص النفسي كون الشاعر ضحيَّة لزمن ينهشه الفقر مستهلكاً طاقته النفسية.
وغالباً ما تتحرَّك الرموز من التماهي بالمحبوبة إلى التمزُّق الشامل والانشغال الوجودي عبر رحلة نفسية ابتدأت بمشاعر الودِّ والحب، ثم الشجن والصلب والتعذيب حتى التشظي والاغتراب التام عن الذات الإنسانية والعالم المحيط بها.

خلاصة القول: إنِّ قصيدة “تشظِّي السُّنبلة” الشَّبيهة بنفس الشاعر المتشظِّية فوق الرمال القاحلة للتعبير عن الضياع والتشتُّت، تُمثِّل الشعر الوجداني الراقي، وتكشف عن شاعر يمتلك أدواته اللغوية والبيانية القوية وتظهر قدرته العالية على التعبير عن الألم الإنساني وصياغته في قوالب إبداعية جميلة.

بقلم الأديبة السورية: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى