
أتاح الانتشار الرقمي للقارئ العربي فرصًا أوسع لاكتشاف الأدب المترجم، لكن هذا الاتساع يطرح سؤالين: ما الذي يجعل الأدب عالميًا؟ وأي دور تؤديه الجامعة والمنصة في تعريف القارئ به؟
عالمية الأدب ليست نتيجة انتشار العمل خارج لغته، ولا تناوله موضوعًا إنسانيًا مشتركًا، بل تتشكل عبر تفاعل قيمته الفنية وخصوصيته الثقافية مع الترجمة والنشر والتلقي. فالأدب العام يتناول الحب والموت والسلطة، أما الأدب العالمي فيعبر حدود لغته ويدخل في علاقات جديدة مع قراء ومؤسسات خارج بيئته الأولى. وقد يكتب مؤلف عن الحرب دون أن يصبح عمله عالميًا تلقائيًا، لأن الترجمة والتوزيع والنقد والتعليم تتدخل في انتقاله إلى فضاءات أخرى.
تظهر هذه التفرقة عند قراءة «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، إذ لا يواجه القارئ العربي سؤال الضمير وحده، بل تصورات عن الإنسان والمجتمع تشكلت في سياق روسي محدد. ولا تكفي معرفة حكاية راسكولنيكوف، لأن المعنى يتصل بفكرة الإنسان الاستثنائي والتوتر بين تبرير الجريمة وتجربتها الأخلاقية. وفي «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي يدخل القارئ من معرفة قريبة بالواقع العراقي، لكنه يحتاج إلى تجاوزها لفهم تحويل العنف إلى بناء غرائبي ودلالات الكائن المركب من أشلاء الضحايا.
والترجمة عنصر حاسم في تكوين الأدب العالمي، إذ يقرأ القارئ العربي العمل عبر اختيارات المترجم التي تنقل المعنى والنبرة والإيقاع والإشارات الثقافية. وقد تؤثر الاختلافات بين الترجمات في صورة الشخصية أو دلالة العبارة، كما يظهر في ترجمات «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، حيث تتباين صياغة علاقة الراوي بمصطفى سعيد بين لغة وأخرى. ولا يتوقف الأمر عند جودة النقل، بل يبدأ من اختيار الكتب التي تُترجم أصلًا، وهي حركة تتأثر باهتمامات الناشرين وتوافر المترجمين والطلب التجاري ومكانة المؤلف. وتتحدد «العالمية» نفسها بعلاقات قوة في سوق الترجمة العالمية، حيث تعمل الإنجليزية وسيطًا وتفرض مراكز نشر معينة معاييرها على ما يُعدّ عالميًا.
أما الثنائية بين الجامعة والمنصة فتحتاج إلى تفكيك. فالجامعة تنظّم دراسة السياق والبناء الفني وتقارن الترجمات، لكن مناهجها قد تحصر الاهتمام في أسماء محدودة وتخضع لخوارزميات النشر الأكاديمي. والمنصة توسع الاكتشاف وتضم مجلات نقدية ومشاريع ترجمة جادة، لكنها قد تختزل العمل في مراجعة سريعة، وكثرة الظهور لا تثبت القيمة الفنية.
يمكن للقارئ أن يكتشف كتابًا من مراجعة رقمية، ثم يبحث عن سياقه وتاريخ ترجمته، ويقارن بين تفسيرين قبل كتابة رأيه. وبهذا لا تبقى الجامعة مصدرًا وحيدًا، ولا تصبح المنصة بديلًا عن القراءة النقدية.
إن الأدب العالمي حركة عبور بين اللغات والثقافات، تتأثر بالفن والترجمة ومؤسسات النشر وطرق التلقي. ومهمة القارئ العربي قراءة هذه الأعمال في خصوصيتها، ومساءلة الطرق التي وصلت بها، وإدخال الأدب العربي في حوار نقدي متكافئ معها.
ماجد القيسي