
في قسم الرسائل الراجعة تُحفظ الرسالة التي لا عنوان لها يومين ثم تُحرق. أنفّذ هذه القاعدة منذ سنين، ومقصّ صغير في يدي أشقّ به الظروف بحثاً عن اسم مرسِل. أجده في الغالب في السطر الأخير، تحت عبارة أعتذر عن الإطالة.
تعلّمتُ أن أعرف الناس من خطوطهم قبل أن أقرأ كلماتهم: الخط المنحدر لمن يكتب وهو يهرب، والمتراصّ لمن يخاف أن يُساء فهمه. أعرف اليد ولا أحتاج إلى الاسم، وما كتبتُ في حياتي عنواناً واحداً.
وكنتُ أعرف خطّ منى قبل أن أعرفها؛ بطاقات صغيرة تُدسّ تحت بابي كل خميس، بخط متراصّ يخاف أن يُساء فهمه: القهوة عندي تكفي اثنين. لا اسم عليها، ولا أجبتُ عن واحدة منها، كنتُ أجمعها في علبة معدنية وأقول إنها رسائل راجعة لا عنوان لها.
كانت منى قد صعدت إليّ ليلة خميس قبل عام، وأنا خلف الباب وأذني على الخشب أسمع أنفاسها تتسع وتضيق.
قالت: أعرف أنك هنا، رائحة قهوتك وصلت إلى الدرج، سأعدّ إلى عشرة، فإن لم تفتح نزلتُ ولن أصعد مرة أخرى.
بدأت تعدّ، وعددتُ معها بشفتين بلا صوت: عند السابعة مددتُ يدي إلى المقبض، ثم سحبتُها ووضعتُ جبهتي على الخشب، وعند الثامنة أنزلتُ يدي إلى جيبي، ثم عدتُ بها إلى الخشب.
عند العاشرة نزلت. وعند المنعطف سمعتُ كيساً يرتطم بالحجر، ثم جسداً يهوي، ثم صرخة انقطعت في منتصفها. وقفتُ وكفّي على الخشب أنتظر أن تنهض، فنهضت، ونزلت أبطأ ممن لا يريد شيئاً من أحد.
وجدتُ على عتبتي في الصباح برتقالة واحدة، تركتُها حتى يبست، ثم رفعتُها ووضعتها على رفّ لا أنظر إليه.
ووفّت منى بوعدها؛ فلم تصعد مرة أخرى، ولا دُسّت تحت بابي بطاقة بعد ذلك الخميس. صرتُ أفتح العلبة المعدنية في الليل وأقرأ ما فيها.
وكان خميسٌ آخر هو يوم الحرق؛ عدتُ ورائحة الورق المحترق في كمّي، ومررتُ بباب الطابق الثاني بلا كلمة كعادتي. وعلى بابها بطاقة جديدة لم تُدسّ تحت باب أحد: الليلة الكهرباء ستنقطع، فعلّقوها في الدرج. عرفتُ الخطّ، وأدركتُ أنها كتبت لكل الحيّ وتجاوزت بابي؛ كان خطها للجميع، بينما احتفظتُ أنا بوهم أنني غريبها الوحيد.
انقطعت الكهرباء عند بابي تماماً كما قالت.
في جيبي الأيسر مصباح صغير أسلّطه كل يوم على الظروف الرقيقة، فأقرأ ما في بطونها من سطور ولا أقرأ الاسم. تركتُه في مكانه، وذهبت يدي إلى اليمين، إلى الشمعة التي أعطتني إياها أمي يوم غادرتُ بيتها، قالت: لليلة التي تنطفئ فيها الدنيا، لكن لا تشعلها وحدك.
لم أشعلها قطّ، وأشعلتُها وحدي متعمداً.
جلستُ إلى الطاولة والشمعة أمامي، وكتبتُ في أعلى الصفحة: إلى الذي كنتُه. ثم كتبتُ ما لم أقله لأحد، وملأتُ الصفحة حتى آخر سطر، وكان أول ما كتبتُ: أن ييدي كانت على المقبض عند السابعة.
اقتطعتُ الصفحة وطويتُها، وأخذتُ من الدرج ظرفاً واحداً من مئات مرّت بيدي. أمسكتُ القلم فوق وجهه الأبيض وكتبتُ لأول مرة في حياتي عنواناً كاملاً: الطابق الثاني، اليمين. منى.
دسستُ الصفحة فيه ولم ألصقه، وحين رفعتُ رأسي رأيتُ أن يدي أنزلت البرتقالة عن رفّها ووضعتها على الطاولة بجانب الشمعة، ولم أنتبه متى حدث ذلك.
ثم سمعتُ الخطوة؛ صعدت درجة بعد درجة وتوقفت. لم تطرق، وقفت وراء الخشب، وسمعتُ نَفَسَها يتسع ويضيق، ولم تعدّ هذه المرة.
أخذتُ نَفَساً طويلاً، وعددتُ أنا بصوت بطيء يصل إلى ما وراء الخشب: واحد، اثنان. وعند السابعة لم أتوقف، وعند الثامنة لم تنزل يدي إلى جيبي، بل كانت تطوي المسافة بيني وبين المقبض. وعند العاشرة أدرتُ المقبض، وفتحتُ الباب على وسعه.
كان المصباح نائماً في جيبي الأيسر، فسبقني ظلّي الممتدّ من لهب الشمعة إلى الدرج حتى بلغ حذاءها.
كانت تحمل في كفّها شمعة مطفأة، نظرتْ إلى الظرف في يدي ولم تقرأه.
هبّ هواء الدرج فانحنى اللهب على الطاولة. دخلت منى، وقرّبتُ شمعتها المطفأة من لهبي فاشتعلت، ومدّت كفّها تحجب النارين من جهة، وحجبتُهما أنا بكفّي من الجهة الأخرى.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي
شكراً يثقل كاهل الامتنان لسخاء النشر وبهاء التوثيق